علي الطاهر.. بين قدسية المقام وبسالة المقاوم.. حكاية تلٍ لا ينكسر
مقالات

علي الطاهر.. بين قدسية المقام وبسالة المقاوم.. حكاية تلٍ لا ينكسر

24/06/202607:49:59

على ارتفاع ستمئة مترٍ فوق سطح البحر، حيث تعانق تلال كفرتبنيت أفق مدينة النبطية وقراها العاملية، يربض “تل علي الطاهر” أو جبل الطُرة كما ذكر في المصادر العاملية، كحارسٍ أبديّ للذاكرة والتراب.

لم يكن هذا التل يوماً مجرد بقعةٍ جغرافيةٍ استراتيجيةٍ فحسب؛ فقد كان لعدة قرون منارةً للسكينة، ومقصداً للنفوس التي أتت طلباً للبركة عند مقام “علي الطاهر”، ذلك الرجل الذي عاش في ذاكرة الجبل رمزاً للخير والزهد، وبقي ضريحه -الذي رممه الحاج علي هلال يوماً، وذكره الرحالة إدوارد روبنسون– شاهداً على علاقةٍ متجذرة بين الإنسان والأرض.

أما اليوم، لم يعد التل حكاية تروي الماضي فقط، بل بات يشهد على حلم الصهاينة المتجدد باحتلاله محاولاً تمرير مشروعه ” إسرائيل الكبرى” . وفي اطار مشروعه التوسعي يسعى العدو إلى تثبيت نقاطٍ جديدةٍ من أجل السيطرة والتحكّم وسط المواجهات الضارية الحالية. وبينما يتصاعد أزيز الرصاص وهدير المواجهة، تحول “تل علي الطاهر” من مساحةٍ للسكينة الروحية إلى قمةٍ تشتعل ببطولاتِ المقاومين، الذين لم يكتفوا بحمايةِ الجغرافيا، بل أعادوا إحياء رمزية المكان، مؤكدين أن الأرض التي شهدت كرامات الأجداد، ما زالت تجودُ بكرامةِ الأحرار الذين يحفظون اليوم بدمائهم ما تركه الأجدادُ من أرثٍ جهادي للأجيال القادمة .

في جغرافيا الجنوب اللبناني المليئة بالحكايات، تبرز تلة “علي الطاهر” كواحدة من أخطر النقاط الاستراتيجية التي تحولت إلى كابوسٍ يوميٍ للاحتلال الإسرائيلي. ليست مجرد أرضٍ مرتفعة، ولا موقعاً عسكرياً عابراً، بل هي رمزٌ لعناد المقاومة، وشاهدٌ على معارك “المسافة صفر” التي غيّرت معادلات الردع؛ فالتلة التي كان يزورها الأهالي لإيفاء النذور، باتت اليوم ساحةً يقدّم فيها المقاومون نذور الدم لأجل الأرض، ليتحول التل من “مقامٍ للولي” إلى “قلعةٍ للأبطال” الذين لا يتركون مواقعهم، محوّلين أحلام الاحتلال بالسيطرة إلى سرابٍ وسط حقول الألغام والكمائن المحكمة.

بين الرواية الشعبية والتوثيق التاريخي

يقع مقام “علي الطاهر” على تلةٍ ترتفع حوالي 600 متر فوق سطح البحر، وسط جبلٍ يمتد بين شرقي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، ويشرف بطلّته على مدينة النبطية. كان هذا الجبل يُعرف قديماً باسم “جبل طُرّة”، تيمّناً بعين الماء الغزيرة التي تتوسطه، قبل أن تتحول التسمية مع مرور الزمن إلى “جبل الطهرّة”، وفق ما ذكره الشيخ إبراهيم سليمان في كتابه “بلدان جبل عامل”.

ويرى أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية الدكتور طارق شمس في حديث لموقع المنار الإلكتروني أنه في تاريخ جبل عامل، تكثر المقامات المنسوبة إلى أولياء وصالحين وشخصيات دينية ارتبطت بالذاكرة المحلية، ويُعدّ مقام علي الطاهر واحدًا من هذه المقامات التي يمتزج فيها التاريخ بالرواية الشعبية.

وتستند معظم المعلومات المتداولة عنه بين أهالي منطقة النبطية إلى المرويات الشفوية التي تصفه بأنه رجل صالح عُرف بالتقوى والزهد، ولذلك لُقّب بـ«الطاهر». إلا أن البحث في المصادر التاريخية لا يكشف عن وجود وثائق مدوّنة، عثمانية أو مملوكية، تحدد على نحو دقيق هويته أو تاريخ وفاته. وقد ورد ذكره في بعض المؤلفات العاملية بوصفه معلمًا جغرافيًا وروحيًا بارزًا مرتبطًا ببلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، أكثر من كونه شخصيةً حظيت بترجمة مستقلة في كتب التراجم والسير، الأمر الذي يجعل شخصيته تقع في المنطقة الفاصلة بين التاريخ الموثق والذاكرة الشعبية المتوارثة.

وحول هوية صاحب المقام، تتعدد الروايات؛ فبينما يُشار إليه بكونه عبداً صالحاً أو عالماً زاهداً، ينقل الأستاذ عباس وهبي في كتابه “النبطية في الفلكين المحلي والعاملي” روايةً مفادها أن التلة كانت مزرعةً لرجلٍ عُرف بأعمال الخير يُدعى الحاج علي غملوش، الذي دُفن فيها بعد وفاته، لتنطلق شهرته بـ “علي الطاهر” عقب ظهور كراماتٍ عند ضريحه.

وعلى صعيد التأريخ لحياته، يُرجّح أنه عاش خلال العهد العثماني؛ استناداً إلى أوراقٍ وُجدت في مسجد البلدة تُشير إلى أن “علي الطاهر” هو من جدّد بناء “مسجد النبي” في النبطية الفوقا، وهو مسجدٌ أُنشئ تكريماً لمحمد شاه، الأمير الإيراني الذي استُشهد في معركة وقعت عام 1382م. وبما أن السيطرة العثمانية على جبل عامل بدأت فعلياً بعد عام 1516م، فإن المصادر التاريخية تضع فترة حياة “علي الطاهر” في هذا السياق الزمني الذي تلا تلك الحقبة، مما يجعله شخصيةً عاصرت أو تلت السنوات الأولى للوجود العثماني في المنطقة.

وقد حظي المقام عبر التاريخ باهتمامٍ خاص؛ إذ رمّمه الحاج علي هلال في العام 1180 هجري، كما وثّق الرحالة الأميركي إدوارد روبنسون وجوده خلال رحلته إلى لبنان عام 1852 م ، مشيراً إلى موقعه غربي جبل الجرمق. وظلّ المكان حتى فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب مقصداً للناس طلباً للبركة وإيفاءً للنذور، إلى أن عمد العدو الإسرائيلي إلى تدميره إبان إندحاره من المنطقة في شهر أيار من العام 2000.

ويتابع الدكتور شمس قائلاً: كان المقام مقصداً لأهالي القرى المحيطة (النبطية، كفرتبنيت، أرنون، يحمر) لتقديم النذور، خصوصاً في مواسم الجفاف أو طلب الشفاء. كما تحولت التلة المحيطة بالمقام تاريخياً إلى فضاءٍ للتجمع، لا سيما في الأعياد وفصل الربيع، حيث كان الناس يصعدون إليه ليس فقط بدافع ديني، بل أيضاً للاستمتاع بالمشهد الطبيعي الذي يربطه بالمنطقة، ما جعله جزءاً من الفلكلور المحلي المتوارث.

علي الطاهر: من الاحتلال إلى اقتحام موقع الدبشة وبداية سقوط الأسطورة

بعد اجتياح لبنان عام 1982، ومع انكفاء قوات الاحتلال الإسرائيلي عن منطقة النبطية في 11 نيسان/أبريل 1985، أنشأ الاحتلال موقعًا عسكريًا في مقام علي الطاهر، إلى جانب تمركزه في قلعة الشقيف. وقد ارتبط الموقع بتلتين استراتيجيتين تشرفان على النبطية وكفررمان وعربصاليم في إقليم التفاح، هما تلة الدبشة وتلة الطهرة الواقعتان شمال المرتفع.

وخلال فترة الاحتلال، تعرض المقام لأعمال تخريب واسعة بعدما حوّله جيش العدو الإسرائيلي وعملائه إلى مركز عسكري محصّن بالدشم والتحصينات الإسمنتية والحديدية. ومن هذا الموقع، مارس الاحتلال اعتداءات متكررة على النبطية ومحيطها، وارتبط اسمه بعدد من المجازر التي استهدفت المدنيين، أبرزها مجزرة الباص المدرسي في 21 آذار/مارس 1993، يوم عيد الأم، حيث استهدف القصف حافلة تقل تلامذة عائدين من مدارسهم، ما أدى إلى سقوط عدد من الأطفال بين شهداء وجرحى.

وفي مواجهة هذه المنظومة العسكرية المترابطة التي ضمت مواقع علي الطاهر والطهرة والدبشة والتي كانت تعتدي على المدن والقرى الجنوبية، كثفت المقاومة عملياتها الهادفة إلى استنزاف قوات الاحتلال وإضعاف سيطرتها على المنطقة. وفي هذا السياق، شكّلت عملية اقتحام موقع الدبشة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1994 محطةً مفصلية في تاريخ المقاومة في جنوب لبنان، إذ تمكن المقاومون، رغم الإمكانات المتواضعة مقارنة بتحصينات العدو، من تنفيذ هجوم نوعي على أحد أكثر المواقع تحصينًا في منطقة النبطية، والذي كانت تتمركز فيه قوة من لواء «جفعاتي». وتكتسب العملية أهمية خاصة لكونها المرة الأولى التي توثّق فيها المقاومة رفع رايتها فوق موقع عسكري للعدو الإسرائيلي أثناء المعركة، في مشهد حمل أبعادًا عسكرية ومعنوية وإعلامية كبيرة.

مقاوم يرفع راية المقاومة فوق موقع الدبشة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1994، في أول مشهد موثّق لزرع راية المقاومة على موقع عسكري للعدو الإسرائيلي داخل الشريط المحتل.(الإعلام الحربي)

وكان موقع الدبشة جزءًا من شبكة دفاعية متكاملة تؤمّن لها موقعي الطهرة وعلي الطاهر الإسناد والمراقبة المتبادلة، إلا أن المقاومين نجحوا في الوصول إلى الموقع ورفع العلم فوق إحدى دُشمه وزرع العبوات الناسفة داخله ثم الانسحاب بسلام. وقد أحدثت العملية صدمة كبيرة داخل المؤسسة العسكرية للعدو الإسرائيلي، وأثارت نقاشات واسعة حول أداء الجنود المكلّفين بحماية الموقع، فيما تحولت إلى رمز لقدرة المقاومة على اختراق المواقع المحصنة والوصول إلى عمق المنظومة الدفاعية للاحتلال. وبذلك شكّلت عملية الدبشة دليلاً عمليًا على تراجع فعالية المواقع العسكرية الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان، ومؤشرًا على التحول التدريجي في ميزان المبادرة الميدانية لمصلحة المقاومة خلال سنوات الاحتلال الأخيرة.

صورة من مقابلة أجرتها جريدة السفير مع عدد من المقاومين المشاركين في عملية اقتحام موقع الدبشة، نُشرت عقب العملية، وتضمنت شهادات حول تفاصيل الاقتحام واختراق التحصينات الإسرائيلية.

وبعد اندحار جيش الاحتلال من جنوب لبنان عام 2000، عمد العدو إلى تدمير معظم مواقعه العسكرية الاستراتيجية التي كان يخشى أن تستفيد منها المقاومة لاحقاً، ومن أبرز هذه المواقع مرتفع علي الطاهر، الذي شكّل لسنوات نقطة عسكرية ذات أهمية ميدانية وإشرافية على المنطقة المحيطة.

في هذا الإطار يؤكد الدكتور شمس، أن نتيجة للمواجهات العسكرية، تضرّر المقام أو دُمّر سواء خلال سنوات الاحتلال أو بفعل القصف والمواجهات اللاحقة، ما شكّل خسارةً في “العمارة الدينية المحلية” وذاكرة المكان. فالمقامات في جبل عامل، بأسقفها المعقودة وحجارتها القديمة، تمثّل هويةً بصرية وثقافية تعكس تاريخ المنطقة وعمارتها البسيطة والصلبة في آنٍ واحد.

مقام علي الطاهر في قلب العدوان الراهن ولهيب المواجهات البطولية

بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2024، ودخول لبنان في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، والتي امتدت قرابة خمسة عشر شهراً وقبل اندلاع العدوان الحالي في بداية شباط 2026، تعرّضت العديد من مناطق الجنوب والبقاع لسلسلة من الإعتداءات العسكرية المتكررة، ومن بين المواقع التي طالتها هذه الإعتداءات موقع تل علي الطاهر، الذي تعرّض لسلسلة كثيفة من الاستهدافات قُدّرت بأكثر من مئتي غارة باستخدام قنابل خارقة للتحصينات.

وبعد إندلاع العدوان الحالي، شهدت منطقتي كفرتبنيت وعلي الطاهر محاولات تقدّم من قبل جيش العدوّ الإسرائيليّ عبر أكثر من محور، وذلك في سياق عمليات عسكرية مدعومة بقصف مدفعيّ كثيف يستهدف المنطقة، وبإطباق جوّيّ استخباريّ تنفّذه الطائرات الاستطلاعيّة المعادية. وقد ترافقت هذه المحاولات مع تحرّكات ميدانية تهدف إلى التموضع في التلال المشرفة على المنطقة.

لم تكن التحركات العدومجرد محاولات تقدم عابرة، بل مساراً متكرراً من الضغط والتسلل، واجهته المقاومة بثباتٍ ميدانيّ كربلائي. وعند نحو الساعة 08:00 صباحاً من يوم الأربعاء 17/04/2026 ومع رصد قوة مشاة حاولت التسلل نحو الأطراف الشمالية الشرقية للبلدة حوالي ، انطلقت مسيّرات المقاومة “أبابيل” الانقضاضية لتنقض على اليات وجنود العدو المتسللين وتوقعهم بين قتيل وجريح، أحدث هذا الهجوم ارتباكاً في صفوف القوة المتقدمة، الذي اجبرها على التراجع والتموضع من جديد.

صورة نشرها الإعلام الحربي للمقاومة يتناول شعار «الكتيبة 401: الرجل في الدبابة سينتصر»، ويُظهر صورة دعائية تترافق مع مشهد احتراق إحدى دبابات الكتيبة، في سياق حرب السرديات الإعلامية بين المقاومة والعدو.

وفي فجر اليوم التالي، ومع محاولة العدو إعادة تجميع تحشّداته في منطقة المعبر، جاء الردّ هذه المرة أكثر حسماً، باستهداف مباشر لدبابة ميركافا، ما أدى إلى إصابتها وانسحاب القوة المساندة من محيط الاشتباك تحت ضغط النيران.

استمرت محاولات العدو التقدّم باتجاه مرتفع علي الطاهر يوم الجمعة 19-06-2026، واستناداً إلى ما تصفه المقاومة بالحق المشروع في مقاومة الاحتلال وخرق وقف إطلاق النار، نفّذ مجاهدو المقاومة عملية نوعية بعد رصد قوة إسرائيلية مؤلفة من مشاة وآليات حاولت التسلل باتجاه محيط مرتفع علي الطاهر.

وبحسب المعطيات، جرى استدراج القوة إلى منطقة اشتباك مناسبة، حيث تم استهدافها بأسلحة مختلفة، بينها صواريخ موجهة أصابت ثلاث دبابات ميركافا، ما أدى إلى تدميرها واندلاع النيران فيها، قبل أن تُستكمل العملية بصليات صاروخية وقذائف مدفعية على محيط الاشتباك .

حاولت قوة للعدو سحب قتلى وجرحى بعد الكمين السابق الذي نُفذ عند محيط مرتفع علي الطاهر، تحت غطاء دخاني كثيف وإطلاق قنابل مضيئة، إلا أنها تعرّضت لاستهداف بصليات صاروخية وقذائف هاون من قبل مجاهدي المقاومة الإسلامية، ما أدى إلى تحقيق إصابات مؤكدة في صفوفها وإفشال محاولة التقدم.

وأفادت المعطيات الميدانية بأن قوة إسرائيلية حاولت التسلل ليلاً باتجاه محيط مرتفع علي الطاهر، غير أنها وقعت في كمين أعدّته المقاومة، حيث جرى استهدافها بالأسلحة المناسبة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفها.

وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار وجود قوات العدوّ عند الأطراف الجنوبيّة لبلدة كفرتبنيت باتجاه أرنون، في حين تؤكّد المقاومة الإسلاميّة أنّ منطقة كفرتبنيت – علي الطاهر ستبقى عصيّة على التوغّل، وأنها ساحة مواجهة مستمرّة في إطار ما تعتبره “الدفاع عن الأرض والشعب”.

تحوّل تلّ علي الطاهر من موقعٍ يُقصد للزيارة والسكينة في الذاكرة الشعبية إلى فضاءٍ مثقلٍ بدلالات الصراع والمواجهة، بعدما أعادت التحولات الميدانية خلال السنوات الأخيرة تشكيل وظيفته ليغدو جزءاً من جغرافيا التماس العسكري بدل كونه فضاءً اجتماعياً–روحياً. ومع تصاعد الاشتباكات في محيطه، برز التلّ كرمزٍ للصمود والثبات في السردية المحلية، من دون أن تلغي هذه التحولات ذاكرته الأولى، بل أضافت إليها طبقة جديدة من المعنى مرتبطة بالفعل المقاوم، ليصبح شاهداً على انتقال المكان من “فضاء زيارة” إلى “فضاء مواجهة”.

وفي سياق هذه التطورات الميدانية، تأتي بيانات المقاومة الإسلامية لتؤطر المواجهة ضمن خطاب تعبوي واضح تحت عنوان “عمليات عاشوراء”، يقوم على ربط الفعل العسكري بالبعد الرمزي–الديني. ويُشدّد هذا الخطاب على الجهوزية الدائمة لمجابهة أي اعتداء، مع تقديم الاشتباك بوصفه استمراراً لمعركة دفاعية مفتوحة عن الأرض والشعب، تترافق مع الإشارة إلى وقوع خسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال عمليات التصدي. وبذلك، لا يقتصر هذا التوصيف على نقل المعطى العسكري، بل يندمج ضمن سردية تعبئة تهدف إلى تثبيت صورة الاستمرارية في المواجهة وإضفاء بعد معنوي على مجريات الميدان.

بين الذاكرة والمقاومة: تلّ علي الطاهر من مقام البركة إلى أسطورة الصمود المقاوم

لقد تجاوز تل علي الطاهر، هذا المرتفع الشامخ في جغرافيا جبل عامل، كونه مجرد معلم ديني أو مقام روحي متجذر في عمق التاريخ. فمنذ قرون، كان رمزاً للسكينة والبركة، ومقصداً للنفوس الباحثة عن الطمأنينة، شاهداً على علاقة متجذرة بين الإنسان والأرض، تتجلى فيها قيم الزهد والخير. إلا أن التحولات الجيوسياسية والصراعات المتتالية قد أعادت تشكيل هويته، محولة إياه من فضاء للزيارة إلى قلعة للصمود، ومنارة للمقاومة في وجه الأطماع التوسعية.

إن ما يشهده تلّ علي الطاهر اليوم من مواجهات وتضحيات جسام، ليس إلا فصلاً جديدًا في سجلٍ حافلٍ بالبطولات، يؤكد أن الأرض التي احتضنت كرامات الأجداد ما زالت تنبض بروح الصمود في وجدان الأحفاد .

فالمقاومة، التي تتخذ من هذا التل ساحةً لمعاركها، لا تدافع عن مجرد بقعة تراب، بل عن رمزية المكان وعمق الذاكرة الجمعية، مجسدةً بذلك استمرارية النضال وتوارث الإرث الجهادي عبر الأجيال. إن تحول التل إلى نقطة استراتيجية في قلب العدوان الراهن، واستمراره عصياً على التوغل، يرسخ مكانته كشاهد حي على إرادة شعب لا يلين.

وفي أفق المستقبل، سيبقى تل علي الطاهر أكثر من مجرد موقع عسكري؛ سيكون أيقونة للصمود، ومصدراً للإلهام للأجيال القادمة. ستُروى حكاياته ليس فقط عن المعارك والاشتباكات، بل عن الإصرار على الحياة، عن الارتباط الأبدي بالأرض، وعن القدرة على تحويل التحديات إلى فرص لإعادة تعريف الذات والوطن.

إن هذا التل، الذي امتزجت فيه قدسية الماضي ببطولات الحاضر، يحمل في طياته بذور مستقبل تتجلى فيه قيم الحرية والكرامة، مؤكداً أن الذاكرة الحية للأرض والشعب هي الدرع الحصين الذي لا يمكن اختراقه، وأن الصمود على هذه التلال هو مفتاح النصر القادم.

وهكذا، يظل تل علي الطاهر منارةً استشرافية، تضيء درب الأمل في بناء مستقبل يتجاوز مرارة الصراع نحو فجر جديد من السيادة والازدهار.

محمد احمد حمود-المنار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24