
خاص صدى الضاحية «المناطق التجريبية» في الجنوب: خطة أمنية أم وصاية إسرائيلية مقنّعة؟
24/06/202608:29:14
في وقت تتكثف فيه المساعي الدولية لتثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، ويعود الحديث مجدداً عن آليات تنفيذ القرار 1701 وترتيبات ما بعد الحرب، برز مصطلح “المناطق التجريبية” كأحد أكثر العناوين إثارةً للجدل في الكواليس السياسية والأمنية.
وبين من يراه إجراءً تقنياً لاختبار فعالية الترتيبات الأمنية الجديدة، ومن يعتبره مدخلاً لفرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة، تتزايد التساؤلات حول خلفيات هذا الطرح وأهدافه الحقيقية وانعكاساته على مسار الانسحاب الإسرائيلي ودور الدولة اللبنانية في الجنوب.
وفي الداخل اللبناني، تتباين المواقف بين من يرفض أصل الطرح ومن يتعامل معه بحذر مشروط. فـ”أمل” و”حزب الله” يعتبران أن أي حديث عن مناطق تجريبية قد يفتح الباب أمام تجزئة الجنوب إلى مراحل خاضعة لتقدير إسرائيلي، ويريان أن المرجعية يجب أن تبقى للقرار 1701 وللدولة اللبنانية وحدها.
في المقابل، تميل جهات رسمية وأمنية إلى التعاطي مع أي آلية جديدة من زاوية منع التصعيد وتثبيت الاستقرار، شرط ألا تتحول إلى وصاية ميدانية أو إلى مسار يقيّد السيادة اللبنانية. أما بعض القوى السياسية الأخرى، فتطرح تحفظات أقل حدّة لكنها تشدد على ضرورة أن تكون أي ترتيبات مؤقتة وواضحة زمنياً وتحت إشراف لبناني ـ أممي، لا أن تمنح إسرائيل حق تقييم الانسحاب مرحلةً بعد أخرى.
وفي هذا السياق، أوضح العميد المتقاعد منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، أن “مصطلح المناطق التجريبية ليس مصطلحاً قانونياً أو وارداً في القرارات الدولية، بل هو توصيف سياسي وأمني يُستخدم للإشارة إلى مناطق محددة تُطبَّق فيها ترتيبات أمنية معينة على سبيل الاختبار قبل تعميمها على مناطق أخرى”.
وأضاف أن “الفكرة تقوم على اعتماد منطقة محددة كنموذج أولي تُنفَّذ فيه إجراءات أمنية خاصة بهدف اختبار مدى نجاحها في منع الاحتكاك العسكري وإعادة الاستقرار، قبل الانتقال إلى مناطق إضافية”.
وأشار شحادة إلى أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في المفهوم بحد ذاته، بل في طريقة تطبيقه، موضحاً أن “المقترحات المتداولة تتحدث عن اختيار منطقة معينة، مثل تلة علي الطاهر، لينتشر فيها الجيش اللبناني ويقوم بإجراءات تفتيش ومتابعة أمنية، على أن يتم تقييم النتائج قبل الانتقال إلى منطقة أخرى”.
وأضاف: “عندما تكون إسرائيل هي صاحبة فكرة المناطق التجريبية، يصبح الانتقال من منطقة إلى أخرى مرتبطاً بمدى رضاها عن النتائج والإجراءات الأمنية المنفذة على الأرض، ما يجعل مسار الانسحاب والتطبيق الأمني خاضعاً لتقييم متدرج ومستمر”.
وتابع: “بمعنى آخر، يصبح الجيش اللبناني أشبه بمن يُطلب منه تنفيذ إجراءات أمنية في منطقة محددة، ثم انتظار التقييم قبل الانتقال إلى منطقة أخرى. وهنا تكمن المشكلة الأساسية في هذا الطرح”.
وأوضح أن “هذا الأمر كان من الأسباب التي دفعت رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى رفض هذا الطرح”، قائلاً: “من هنا جاء اقتراح الرئيس بري اعتماد الأقضية كوحدة أساسية لجدولة الانسحاب، لأن القضاء يشكل إطاراً إدارياً وجغرافياً واضحاً ويمنع تجزئة الملف إلى أحياء أو تلال أو مناطق صغيرة تخضع كل منها لتقييم منفصل”.
وأضاف: “اعتماد الأقضية يحدّ من إمكانية المماطلة أو ربط كل مرحلة بموافقات جديدة، ولذلك أراه خياراً أكثر واقعية ووضوحاً من نموذج المناطق التجريبية”.
وحول ما إذا كانت هذه المناطق تمثل مجرد آلية أمنية مؤقتة أم نواة لواقع جديد، قال شحادة إن “الأمر يرتبط بنتائج التطبيق وبالتوازنات السياسية والعسكرية المحيطة به.
فإذا اعتُبرت التجربة ناجحة، قد تتحول إلى نموذج يُطبَّق في مناطق أوسع، أما إذا بقيت محصورة بإدارة مرحلة انتقالية، فقد تنتهي بانتهاء مهمتها”.
وأضاف أن “نجاح أو فشل الانتقال من منطقة إلى أخرى يبقى عملياً مرتبطاً بمدى الرضا الإسرائيلي عن نتائج انتشار الجيش اللبناني والإجراءات التي ينفذها على الأرض، وهو ما يجعل هذا النموذج موضع نقاش واعتراض لدى عدد من الأطراف اللبنانية”.
وأوضح أن “الهدف المعلن من هذه المناطق يتمثل في اختبار قدرة الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية على الإمساك بالوضع الميداني، وقياس فعالية انتشار الجيش اللبناني، ومستوى التنسيق مع قوات الأمم المتحدة، إضافة إلى التأكد من إمكانية منع أي تصعيد يعيد المواجهات العسكرية إلى الجنوب”.
وفي ما يتعلق بعلاقتها بالقرار 1701، أكد شحادة أن “المناطق التجريبية لا تُطرح كبديل عن القرار الدولي، بل كإحدى الآليات المحتملة لتطبيقه، باعتبار أن القرار ينص على وقف الأعمال العدائية وتعزيز انتشار الجيش اللبناني والتعاون مع قوات الأمم المتحدة”.
ولفت إلى أن “اختيار مناطق محددة دون غيرها يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية وجغرافية، تشمل قربها من نقاط الاحتكاك الحساسة وأهميتها الميدانية وقدرتها على إعطاء مؤشرات واضحة حول نجاح أو فشل الترتيبات المقترحة”.
وأضاف أن “اختيار هذه المناطق لا يتم بصورة عشوائية، بل لأنها تشكل نموذجاً يمكن من خلاله قياس مدى نجاح الخطة في بيئة ميدانية حساسة، إلا أن التخوف يكمن في أن يتحول الأمر إلى عملية طويلة ومفتوحة ترتبط باعتبارات سياسية وأمنية متغيرة”.
وعن النتائج المحتملة، رأى شحادة أن “نجاح أي ترتيبات أمنية من هذا النوع قد يساهم في خفض احتمالات المواجهة العسكرية، وعودة الحياة تدريجياً إلى القرى الحدودية، وتسهيل عمليات إعادة الإعمار، وتعزيز حضور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية في الجنوب”.
وأضاف أن “نجاح هذه الترتيبات قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر هدوءاً واستقراراً، لكنه لا يعني بالضرورة معالجة جذور الصراع أو إنهاء القضايا الأساسية المرتبطة بالنزاع اللبناني ـ الإسرائيلي”.
في المقابل، حذّر من أن “فشل هذه الترتيبات قد يؤدي إلى انهيار التفاهمات الأمنية وعودة التوترات الميدانية، بما يحمله ذلك من مخاطر تجدد الاشتباكات، وعودة موجات النزوح، وتعثر جهود إعادة الإعمار، فضلاً عن احتمال اتساع دائرة التوتر لتشمل المنطقة بأسرها”.
وختم شحادة: “المشهد الحالي لا يزال أقرب إلى مرحلة إدارة للصراع ومنع الانزلاق نحو مواجهة جديدة، أكثر منه مرحلة تسوية نهائية. وفي هذا الإطار، يبقى اعتماد الأقضية كمرجعية لتنظيم الانسحاب والترتيبات الأمنية الخيار الأكثر واقعية ووضوحاً، لأنه يمنع تجزئة الجنوب إلى مناطق اختبار متدرجة، فيما تحمل المناطق التجريبية خطر تحويل الانسحاب إلى مسار مفتوح على المماطلة والوصاية المقنّعة”.
وخلاصة القول إن خيار الأقضية يوفّر إطاراً واضحاً يحمي السيادة ويمنع تجزئة الانسحاب، بينما تبقى «المناطق التجريبية» صيغة محفوفة بمخاطر الاختبار المتدرج وربط الاستقرار بإرادة إسرائيلية متبدلة.
فهل يكون الجنوب أمام انسحابٍ واضحٍ ونهائيٍّ على أساس الأقضية، أم أمام «مناطق تجريبية» تُشرعن التجزئة وتُبقي السيادة اللبنانية معلّقة على تقييم إسرائيلي متجدّد؟
تحقيق الزميلة فاطمة عيسى
جاري تحميل الخبر التالي...