ترامب يطالب إيران بتعويضات عن خسائره التي تكبدها جراء عدوانه على إيران. إنها سياسة “ضربني وبكى سبقني واشتكى” السائدة في العقلية الاستعمارية عبر التاريخ. وإن غلّفوها باللغة السياسية أو الدبلوماسية إلا أن معناها واحد هو العهر الاستعماري.
فالمعتدي هو من يبدأ بالصراخ والتهويل ولعب دور الضحية المستضعفة التي يستهدفها الأغيار.هي سياسة الوقاحة والفجور.
فالجمهورية الإسلامية الإيرانية هي المحاصرة والمعتدى عليها، وهي التي اعتدي على أطفالها في مدارسهم وعمالها في مصانعهم وقادتها في مواقعهم، والمهندس ترامب هو الذي يطالب بالتعويض عن الخسائر.
يطالب بخسائر تكبدتها أميركا على مدار عقود خمسة حاولت أميركا وحلفاؤها خلالها تخريب إيران من الداخل والخارج، خسرتها في الحصار وفي الصرف على المعارضة الإيرانية من أيتام الشاه وممن حاولت تخليقهم في مخابراتها ومختبراتها ليكونوا أعواناً لها في إسقاط النظام.
فشلت أميركا وحشراتها البشرية والإلكترونية في تحقيق مآربها وبدأت تطالب إيران بتعويضات عن فشلها.
تطالب إيران بتعويضها عن طائرات أف 35 وعن المسيرات الـ 170 المهاجمة التي أسقطتها دفاعات حرس الثورة الإيراني وعن قتلاها وعن قواعدها في الخليج والأردن التي انطلقت منها طائراتها لتقصف البنى التحتية الإيرانية وعن خسائر مصالحها ومؤسساتها وعن وعن…
تنقلب الآية وكأن إيران هي التي حاصرت الولايات المتحدة، منذ عشرات السنوات، ،وهي التي شنت الحرب على أميركا، وهي التي قصفت مبانيها المدنية والعسكرية على حد سواء، وقائمة الاغتيالات والاعتداءات وانتهاك اتفاقات إطلاق النار تطول وتطول بلا نهاية.
ولا يرى ترامب غضاضة في ذلك، فالمليارات التي يأخذها من دول الخليج تفتح شهيته وتزيد شراهته لما هو أكثر. ويظن إيران سهلة، وسبق للولايات المتحدة أن طالبت العراق بدفع تعويضات لأميركيين تدعي أنهم عوملوا بسوء في زمن الرئيس الراحل صدام حسين.
قطاع غزة يباد فيه البشر والحجر والشجر، وكذلك الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية كافة، ومع ذلك فما زالت ” إسرائيل” تسوق نفسها كضحية للهولوكوست وتتقاضى التعويضات المالية من ألمانيا، وتنتقم من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى متجاهلة حقيقة تواطؤ أثرياء اليهود مع النازية ضد فقرائهم.
أما الضفة الغربية فخلال أسبوع فقط وثّق مركز معلومات فلسطين “مُعطى” ارتكاب قوات الاحتلال والمستوطنين 852 انتهاكًا في الضفة الغربية خلال الفترة من 7 إلى 13 أغسطس/آب، في تصعيد واسع طال الفلسطينيين ومنازلهم وأراضيهم الزراعية ومقدساتهم.
وكان لبرلمانهم أن أقر أحكاماً وقوانين بموجبها تدفع السلطة الفلسطينية مئات مليارات الدولارات من عوائد الضرائب المستحقة للفلسطينيين لمن سمتهم متضررين إسرائيليين جراء أعمال المقاومة الفلسطينية وطالبت الدول العربية بما سمّته ” تعويضاً لليهود المطرودين” منها، وتعويضات عن “طوفان الأقصى” وما قبله وما بعده. كما يطالبون بدية العشرات من جنودهم المنتحرين بما في ذلك تكاليف زواج الجندي الذي انتحر يوم زفافه.
وكأن ضحايا آلاف المجازر التي ارتكبها الصهيو أميركي في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا والتي لا تزال مستمرة حتى الآن لا ثمن لها، مجازر لا تكفي كل ثروات أميركا وأوروبا وتعويضها، ما عليكم. كما قال الشاعر أمل دنقل ” هي أشياء لا تشترى”
ما يؤسف له أننا نرى تطبيل وتزمير الفضائيات العربية ومواقع التواصل الاجتماعي الترامبية أكثر من ترامب نفسه فمن حيث تدري أو لا تدري، تحولت إلى بوق دعائي لنقل التصريحات الكاذبة مباشرة إلى الجمهور العربي. وهنا ينطبق عليها قول الشعر:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
في الأغلب الأعم هم يدرون،
ففي وقت يؤكد إعلاميون أميركيون وغربيون هزيمة ترامب وبدء انسحاب غير معلن لأربعين ألف جندي من منطقة الخليج وتوزيعهم في أوروبا نجد فضائيات عربية مشهورة تجعل من شاشاتها منبراً لنقل تصريحات ترامب وأكاذيبه وكأنها الحقيقة المطلقة متجاهلين الحقائق التي تؤكد كذبه، فتتبنى فضائية مشهورة خبراً عاجلاً يبقى على شاشتها طوال اليوم: ترامب: قريباً سأعلن مضيق هرمز أرضاً تابعة للولايات المتحدة” وتجد هذا الخبر على شاشة بعض الفضائيات العربية متجاهلة ” عن طيب خاطر على مدار الساعة، مثالاً لا حصراً ” تصريحات تثلج صدر الأمتين. وكان هذه الفضائيات تعبر عن أمنيات مالكيها.