على مدى قرابة عامين، وضع الاحتلال “الإسرائيلي” مرتفعات علي الطاهر تحت ضغط ناري متواصل، مستخدمًا الطائرات الحربية والمسيّرات والقذائف المدفعية والفوسفورية والآليات غير المأهولة، بالتوازي مع محاولات متكررة للتقدم والتسلل.
ومع ذلك، لم يتمكن حتى الآن من الصعود إلى قلب المرتفعات وتثبيت سيطرته عليها، فتحولت المنطقة إلى واحدة من أبرز العقد الميدانية أمام قواته شمال نهر الليطاني.
في 26 حزيران 2026، أعلن جيش الاحتلال أنه أحكم السيطرة على المرتفعات، لكن حزب الله نفى ذلك بصورة قاطعة، فيما أكد مصدر عسكري لبناني عدم رصد أي تقدم “إسرائيلي” نحو التلة. وبقي الواقع الميداني أبعد من أن يطابق إعلان الاحتلال، إذ استمرت محاولات التسلل والاقتراب، وكان آخرها الهجوم بمسيّرة مفخخة على قوة من وحدة “يهلوم” الهندسية، ما أدى، بحسب الرواية “الإسرائيلية”، إلى إصابة ثلاثة عسكريين.
وفي أعقاب هذا الإخفاق، شنّ الاحتلال تصعيدًا واسعًا طال بلدتي أنصار ودير الزهراني، وأسفر عن استشهاد 11 شخصًا وإصابة 19 آخرين، بينهم أطفال ونساء. وأعاد هذا التصعيد طرح السؤال عن سر هذه المرتفعات: ما الذي يجعلها بهذه الأهمية؟ ولماذا عجز الاحتلال عن حسم المعركة فيها رغم كل ما استخدمه من قوة نارية؟
ليست تلة واحدة
يوضح الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد علي أبي رعد، في حديث لموقع “العهد الإخباري”، أن المقصود بمرتفعات علي الطاهر ليس تلة منفردة، بل سلسلة مرتفعات تمتد قرابة كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات، وتتألف من تلال الدبشة وعلي الطاهر ورأس الطهرة. غير أن اسم “علي الطاهر” أصبح الأكثر تداولًا، نسبةً إلى وجود مقام ديني وروحي كان الناس يقصدونه على التلة.
تقع المرتفعات بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يتراوح بين 600 و650 مترًا عن سطح البحر. ويشرح أبي رعد أنها تكشف من الجهة الجنوبية الغربية المناطق الممتدة من النبطية نحو أنصار والدوير، وتشرف شمالًا على مرتفعات إقليم التفاح، بما فيها تلال سجد والجبل والريحان، فيما تطل شرقًا على ممر نهر الليطاني وجسر الخردلي.
ويمنحها هذا الموقع، بحسب أبي رعد، قدرة على المراقبة والرصد والإنذار ومتابعة التحركات ضمن دائرة واسعة، فضلًا عن أهميتها في حماية طرق الإمداد وتأمين الإسناد الناري. لذلك، فهي “موقع حاكم” بالنسبة إلى النبطية وإقليم التفاح ومجرى الليطاني والخردلي، وتمنح الجهة المتمكنة منها أفضلية عسكرية واضحة.
من جهته، يضع الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي المرتفعات ضمن الخريطة الأوسع للجنوب، لافتًا إلى أنها تشرف على مناطق واسعة من الشريط الحدودي، وتؤمّن صلة وصل بين الجنوب والبقاع الغربي باتجاه الزهراني والنبطية.
ويبيّن شحيتلي، خلال حديثه لـ”العهد”، أن هذه الأفضلية لا تقتصر على الرصد، بل تشمل إمكانية تأمين الإسناد واستخدام الأسلحة المباشرة وغير المباشرة، ما جعل المنطقة، تاريخيًا، نقطة إسناد أساسية للقوى المقاومة المنتشرة في الجنوب.
موقع عسكري راسخ في التاريخ
لا تعود أهمية علي الطاهر إلى الحرب الحالية. ويشير أبي رعد إلى أن الموقع استُخدم منذ مراحل تاريخية سابقة للرصد والمراقبة، قبل أن يحوله الاحتلال “الإسرائيلي”، خلال احتلاله جنوب لبنان، إلى مجموعة مراكز عسكرية شديدة التحصين.
وبقي الاحتلال في هذه المنطقة نحو 18 عامًا، وتعرضت مواقعه خلالها لعمليات متواصلة نفذتها المقاومة، وأدت إلى سقوط قتلى في صفوف جنوده وتدمير أجهزة مراقبة ومراكز رصد. كما يلفت أبي رعد إلى أن علي الطاهر كانت آخر منطقة انسحب منها الاحتلال عام 2000، في مؤشر إلى أهميتها داخل المنظومة العسكرية التي كان يعتمد عليها.
ويصف شحيتلي مرتفعات علي الطاهر بأنها “عقبة أساسية” في مواجهة الاحتلال، لأن المقاومة، بخلاف الجيوش النظامية، لا تقوم على خط دفاع تقليدي يؤدي سقوطه إلى سقوط كامل المنظومة.
لماذا استعصت المرتفعات؟
يعيد أبي رعد صمود المرتفعات إلى مجموعة متكاملة من العوامل، يأتي في مقدمتها شكل الأرض. فالمنطقة شديدة الوعورة، وتلالها متقاربة، وتغطيها مساحات واسعة من الأشجار، فيما تضيق طرقاتها ومسالكها بما يعرقل حركة المدرعات “الإسرائيلية”، التي تحتاج إلى مساحات أوسع للحركة والمناورة.
وإلى جانب الجغرافيا، يشير أبي رعد إلى استفادة المقاومة من الأرض وتحويلها إلى عنصر فاعل ضمن منظومتها الدفاعية، عبر التحصين والتخفي والتمويه واعتماد تكتيكات الحرب غير المتماثلة، في مواجهة جيش يمتلك تفوقًا كبيرًا في سلاح الجو والتكنولوجيا والقدرة النارية.
ويرى أن الأشهر الـ15 السابقة أتاحت للمقاومة العمل بصمت على تطوير جاهزيتها وخططها الدفاعية، في وقت بنى فيه الاحتلال تقديراته على فرضية أن قدراتها قد انتهت. لكن محاولات التقدم، بحسب أبي رعد، أظهرت أن هذه التقديرات لم تكن مطابقة للواقع.
كما برز استخدام المسيّرات الانقضاضية القصيرة المدى بوصفه أحد عناصر المفاجأة في المعركة، وهو ما ظهر في العملية الأخيرة ضد القوة الهندسية المعادية، التي عدّها أبي رعد دليلًا على استمرار القدرة على الرصد والمتابعة والتعامل مع محاولات التسلل، رغم كثافة القصف والاستطلاع الجوي.
حين تعجز النار عن احتلال الأرض
لم يتوقف القصف “الإسرائيلي” على المرتفعات، بل استُخدمت فيه قنابل كبيرة الحجم وقذائف فوسفورية هدفت، وفق أبي رعد، إلى إحراق الغطاء الحرجي وتقليص الحماية التي توفرها طبيعة الأرض، فضلًا عن استهداف نقاط يعتقد الاحتلال أنها مرتبطة بتحصينات أو منشآت تحت الأرض.
لكن القوة الجوية، مهما بلغت شدتها، لا تستطيع وحدها تثبيت السيطرة على موقع بري. ويلخص شحيتلي هذه المعادلة بالقول: “عندما تتوقف المعركة، تكون الأرض لمن هو عليها”.
ويرى أبي رعد أن جزءًا من الإخفاق الجوي يعود إلى العمل السري للمقاومة وإجراءات الحجب والتخفي، وإلى اعتماد الاحتلال على معلومات وبنك أهداف سابق لم يعد مطابقًا للواقع.
كما أن استهداف المقاومة بعض المسيّرات الاستطلاعية “الإسرائيلية”، ولا سيما من طرازَي “هرمس 450” و”هرمس 900″، أثر في قدرة الاحتلال على جمع المعلومات التي يحتاج إليها سلاح الجو وغرف القيادة والسيطرة.
لذلك، اتجه الاحتلال بصورة متزايدة إلى استخدام الروبوتات والآليات غير المأهولة، ومنها جرافات “D9” المسيّرة، لإجراء عمليات الاستكشاف الهندسي قبل الدفع بالجنود. ويربط أبي رعد هذا الأسلوب بخوف الاحتلال من الخسائر البشرية، وبالمشكلات التي يعانيها على مستوى العنصر البشري داخل جيشه.
بلغ المداخل ولم يثبت السيطرة
وفق توصيف أبي رعد للواقع الميداني، تمكنت قوات الاحتلال من الوصول إلى الأجزاء الجنوبية ومدخل المرتفعات، لكنها لم تصعد إلى قلب التلال. كما نفذت محاولات تسلل والتفاف واستكشاف، غير أنها لم تتحول إلى سيطرة ثابتة على الموقع.
ويرى أبي رعد أن الاحتلال انتقل إلى أسلوب “القضم التدريجي”، عبر الاقتراب البطيء والضغط الناري ومحاولة عزل المرتفعات، في مسعى إلى فرض الحصار ودفع المدافعين إلى الاستسلام أو خوض مواجهة مباشرة بالشروط “الإسرائيلية”.
لكنه يستدرك بأن السيطرة على الموقع تظل ممكنة إذا قرر الاحتلال دفع أي ثمن عسكري وبشري، فلا توجد نقطة عسكرية يستحيل سقوطها بصورة مطلقة. إلا أن هذا الاحتمال، بحسب أبي رعد، لا يعني تحقيق انتصار حاسم، كما لا يعني أن خسارة هذا المحور، في حال وقوعها، ستؤدي إلى نهاية المقاومة أو فقدانها القدرة على القتال.
كلفة الاقتحام
يذهب شحيتلي إلى أن الاحتلال يتجنب خوض معركة برية واسعة في علي الطاهر، لأنه لا يستطيع تحمل حجم الخسائر المتوقعة. ويقدّر أن محاولة اقتحام المرتفعات قد تكلف جيش الاحتلال ما لا يقل عن 400 قتيل.
ويشير إلى أن الاحتلال يحاول استخدام القصف الجوي والبري والآليات غير المأهولة قبل التفكير في الدفع بالقوات، لأن وقوع خسائر كبيرة في الموجة الأولى من الهجوم ستكون له تداعيات لا يستطيع جيش العدو أو الحكومة أو الجمهور “الإسرائيلي” تحملها.
ويتقاطع ذلك مع تقدير أبي رعد بأن الخوف من الكمائن والمواجهات القريبة، إلى جانب النقص في القوى البشرية والمشكلات الداخلية في جيش الاحتلال، يجعله أكثر ميلًا إلى ممارسة الضغط بالنار والسياسة والإعلام، بدل الدخول في مواجهة برية مكلفة وغير مضمونة النتائج.
نصف دائرة “إسرائيلية”
لا يفصل أبي رعد محاولة السيطرة على علي الطاهر عن التحركات “الإسرائيلية” الأوسع في جنوب لبنان. فهو يرى أن الاحتلال يسعى إلى الإمساك بسلسلة من النقاط الحاكمة وربطها جغرافيًا وبصريًا، من علي الطاهر وقلعة الشقيف إلى الخيام وحولا وكفركلا وميس الجبل والطيبة والقنطرة، وصولًا إلى البياضة والمنصوري في الجزء الغربي من الجنوب.
ويوضح أن المراكز المحصنة التي يقيمها الاحتلال في عدد من هذه النقاط تُزوَّد بأدوات الرصد والإنذار المبكر والاستشعار، بما يخدم محاولة فرض ما يسميه “المنطقة الصفراء”، التي يريد منها إنشاء نطاق أمني واسع لحماية مستوطناته شمال فلسطين المحتلة.
ويرى أبي رعد أن أعمال التحصين وشق الطرق التي تربط بعض المراكز، إلى جانب تدمير المنازل والقرى، تشير إلى أن الاحتلال لا يتعامل مع وجوده على أنه مؤقت، بل يحاول مأسسة سيطرته وفرض شروطه قبل أي انسحاب محتمل.
إنجاز يحتاجه نتنياهو
إلى جانب أهميتها العسكرية، تحولت علي الطاهر إلى هدف سياسي. ويشرح شحيتلي أن الاحتلال لم يتمكن من تحقيق إنجاز ميداني يستطيع تحويله إلى مكتسب أمام جمهوره، لأن احتلال الأرض لا ينهي وجود مقاومة تعمل بطريقة غير نظامية، بل إن توسع القوات المحتلة يمنح المقاومة مزيدًا من الأهداف.
وبحسب شحيتلي، يريد جيش الاحتلال أن يقدم السيطرة على علي الطاهر والتلال المجاورة بوصفها إنجازًا كبيرًا للقيادة السياسية، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات “الإسرائيلية”. فالسؤال الذي يواجه تلك القيادة في الداخل، بحسب قوله، هو: ماذا تحقق، ما دامت المقاومة لا تزال موجودة؟
ويوافق أبي رعد على وجود بعد انتخابي في تضخيم معركة علي الطاهر، ويرى أن نتنياهو يسعى إلى استخدامها لإنتاج “صورة انتصار” تعزز موقعه الداخلي. لكنه يشدد على أن أهمية المرتفعات لا تجعل السيطرة عليها، إن حدثت، انتصارًا نهائيًا أو حاسمًا في الحرب.
ما عجز عنه الميدان يُطلب في التفاوض
مع ارتفاع كلفة الاقتحام، انتقلت مرتفعات علي الطاهر من الميدان إلى طاولة المفاوضات. فقد طُرحت بوصفها إحدى “المناطق التجريبية” المطلوب دخول الجيش اللبناني إليها، رغم أنها ليست واقعة تحت احتلال “إسرائيلي” ثابت.
ويقول شحيتلي إن فكرة “المناطق التجريبية” طُرحت أساسًا لمعالجة أوضاع مناطق يحتلها جيش العدو “الإسرائيلي”، لكن الاحتلال يحاول استخدامها وسيلة ضغط للحصول على منطقة لم يستطع السيطرة عليها عسكريًا.
وبرأيه، يضع الاحتلال لبنان أمام خيارين: إما معركة كبيرة وما يرافقها من دمار، وإما منحه بالسياسة ما لم يحصل عليه بالقوة. ويعتبر أن هذا المسار يكشف أن الكيان الصهيوني يهرب من المعركة، ويريد طرفًا آخر يتقدم إلى الموقع بدلًا منه، ليتمكن لاحقًا من الدخول أو فرض ترتيباته من دون تحمل كلفة المواجهة.
بدوره، يحذر أبي رعد من أن إدخال الجيش اللبناني إلى المرتفعات في ظل الضغوط “الإسرائيلية” يحمل محاذير كبيرة، ولا سيما إذا أعقب ذلك ضغط يفرض عليه الانسحاب، معتبرًا أن خسارة الموقع بهذه الطريقة ستكون ذات انعكاسات خطيرة على لبنان بأكمله.
معركة تتجاوز التلة
حتى إذا تمكن الاحتلال من دخول المرتفعات، لا يرى شحيتلي أن قدرته على الاحتفاظ بها مضمونة. فهو يرجح أن يحاول، في حال تقدمه، إحراق المنطقة المحيطة ومنع الاقتراب منها، وقد يسعى إلى دفع قوة دولية أو طرف آخر إلى التمركز داخلها، فيما يتولى هو تطويقها من الخارج، بدل إبقاء جنوده في موقع قابل للاستنزاف.
ويخلص أبي رعد إلى أن علي الطاهر موقع بالغ الأهمية وإحدى أبرز القلاع العسكرية في جنوب لبنان، لكن سقوطها المفترض لا يعني نهاية المقاومة أو فقدانها القدرة على المواجهة.
أما صمود المرتفعات، فلا يُقاس فقط بمنع قوات الاحتلال من بلوغ كل نقطة فيها، بل بمنعها من تحويل تفوقها الناري إلى سيطرة مستقرة وإنجاز سياسي.
لذلك، لا تدور معركة علي الطاهر حول مرتفع جغرافي فحسب. إنها معركة على قدرة الاحتلال على وصل مواقعه وفرض حزام أمني جديد، وعلى مستقبل النبطية والمناطق الواقعة شمال الليطاني، وعلى ما إذا كان سيحصل في المفاوضات على ما عجز عن انتزاعه في الميدان.
وبعد قرابة عامين من القصف ومحاولات الاقتراب، لا تزال العقدة قائمة: وصل الاحتلال إلى أطراف المرتفعات، وأخضعها لضغط ناري هائل، لكنه لم يتمكن حتى الآن من تحويل نيرانه إلى سيطرة مستقرة. وهنا تكمن القيمة الفعلية لصمود علي الطاهر.