بدلاً من أن يقفل بيان وزارة الطاقة والمياه باب الأسئلة التي أثارها “ليبانون ديبايت”، فتحه على مصراعيه، بعدما أقرّ، في أحد أبرز بنوده، باستمرار الوزارة في اعتماد آلية تسمح بتحميل الناقلات قبل استكمال فتح الاعتمادات المستندية وتعزيزها بصورة نهائية، وهي تحديداً النقطة التي كان الموقع قد حذّر من مخاطرها المالية والقانونية.
فالوزارة قالت صراحة في البند الرابع من بيانها إن “تحميل المواد بناءً على طلب فتح الاعتماد المستندي كسباً للوقت هو إجراء روتيني معتمد قبل استلام الوزير جو الصدّي مهامه”. إلا أن وصف إجراء ما بأنه “روتيني” لا يجعله مطابقاً لدفتر الشروط، كما أن القول إنه كان معمولاً به قبل وصول الوزير لا يعفيه من مسؤولية الاستمرار به بعد تسلمه الوزارة، خصوصاً عندما تكون نتائجه المحتملة مرتبطة بملايين الدولارات من المال العام.
فالتسلسل الذي يفرض فتح الاعتماد قبل تحميل البضاعة لم يوضع عبثاً، بل هدفه، في جوهره، إلى الحد من المخاطر التي قد تنتج عن تأخر الاعتمادات، وتراكم غرامات التأخير البحري المعروفة بالـDemurrage، وتقلب أسعار المحروقات، إضافة إلى الأعباء المصرفية التي قد تنشأ بين لحظة تحميل الشحنة وموعد تفريغها.
وهذا تحديداً ما يعيد إلى الواجهة ملف الناقلة BASILIS L. فبحسب الأرقام المتداولة في الملف، جرى تحميل كمية تقارب 33 ألف طن من المازوت على أساس سعر يناهز 1,389 دولاراً للطن، فيما كان السعر عند التفريغ قد تراجع إلى نحو 1,090 دولاراً، أي بفارق يقارب 299 دولاراً للطن. وبعملية حسابية مباشرة، يوازي هذا الفارق حوالى 9.87 ملايين دولار. وإذا أضيف إليه مبلغ يقارب 1.3 مليون دولار من الأعباء وغرامات التأخير التي سبق أن أُثيرت في الملف، فإن مجموع الكلفة المحتملة يتجاوز 11 مليون دولار.
وهنا تصبح المسؤولية السياسية والإدارية جوهر القضية. فإذا كانت الوزارة تقر بأنها واصلت السماح بتحميل الناقلات بمجرد تقديم طلب فتح الاعتماد، وقبل استكماله وتعزيزه نهائياً، فمن يتحمل نتائج هذه الآلية عندما تؤدي إلى خسائر؟ كما يُطرح السؤال عن مسؤولية الشركة الموردة نفسها، بعدما أشار الوزير، وفق ما ورد في بيانه، إلى أنها بادرت إلى التحميل على أساس الثقة بالتزام الوزارة بالإجراءات المطلوبة. فإذا كانت الشركة اختارت التحميل قبل استكمال الشروط المصرفية، فهل يحق لها لاحقاً تحميل الدولة كامل كلفة التأخير الناتج عن هذا القرار؟
أما محاولة تحميل “ليبانون ديبايت” مسؤولية تشدد المصارف المراسلة وجهات الامتثال في التعامل مع الاعتمادات، فلا تعالج أصل المشكلة. فالمصارف الدولية لا تبني قرارات الامتثال على مادة صحافية بحد ذاتها، بل على طبيعة الشركات، ومسار الأموال، ووثائق المنشأ والتصدير والجمارك، ومخاطر العقوبات، ومدى وضوح سلسلة التوريد. وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس من نشر المعلومات، بل لماذا وجدت الجهات المصرفية أساساً ما يدفعها إلى مزيد من التدقيق؟
وسبق أن أثار “ليبانون ديبايت” ملف الفيول الروسي، قبل أن تُدخل لاحقاً تعديلات على دفتر الشروط تتعلق بهذا النوع من الشحنات. كما حذّر الموقع من التعاقد مع شركة Sahara Energy DMCC، قبل أن تنفجر قضية الناقلة HAWK III التي جرى توقيفها على خلفية إخبار تقدم به كاشف الفساد المهندس فوزي مشلب، وصولاً إلى اعتراضها وإعادتها بعد محاولتها مغادرة المياه اللبنانية.
وفي خضم هذا الملف، لم يُناقش جوهر المعلومات بهدوء بقدر ما تعرض ناشر “ليبانون ديبايت”، وفق ما سبق أن نشره الموقع، لحملة تشويه واسعة هدفت إلى ضرب صدقية ما كان يُثار حول الناقلة والشحنة. لكن الوقائع اللاحقة لم تُنه الأسئلة، بل وسعتها.
الأمر نفسه تكرر لاحقاً مع شركة Iplom International SA. فقد سبق أن حذّر “ليبانون ديبايت” من التعاقد معها، فيما دافع الوزير عن الشركة في مقابلات وتقارير إعلامية. وبعد ذلك، تحركت النيابة العامة المالية في ملف يتعلق بتوريد ناقلات فيول أويل يُشتبه بأن منشأها روسي، استناداً إلى إخبار تقدم به المهندس مشلب، قبل أن تطلب الوزارة من هيئة القضايا في وزارة العدل التحرك والانضمام إلى المسار القضائي المتعلق بالشركة.
وهنا يبرز التناقض بوضوح: كيف توصف المعلومات بأنها “افتراءات” عندما ينشرها الإعلام، ثم تتحول الوقائع نفسها لاحقاً إلى مادة لتحرك قضائي أو رسمي؟ وكيف يصبح التحذير مشكلة، فيما لا يُطرح السؤال نفسه حول العقود والجهات الموردة والمستندات التي يفترض أن تحمي الدولة من أي مخالفة أو خسارة؟
وفي ملف الناقلة CAN KA، بقيت بدورها أسئلة جوهرية عالقة، ولا سيما حول المستندات المرتبطة بالمنشأ والجمارك. ووفق المعطيات التي يستند إليها الملف، لا تزال مبالغ من كفالة حسن التنفيذ محتجزة لدى الجمارك اللبنانية، في انتظار حسم مسألة الوثائق المطلوبة ومدى مطابقتها للشحنة ومسارها الفعلي.
وتزداد هذه المسألة أهمية مع إدراج الاتحاد الأوروبي شركة Trans KA Tankers Management Company Limited، مالكة الناقلة CAN KA، على لائحة عقوباته، في سياق إجراءات مرتبطة بسفن تنقل النفط أو المشتقات النفطية الروسية وبممارسات شحن اعتبرها الاتحاد عالية المخاطر. وهذه التطورات تعيد التأكيد أن التشدد في الامتثال ليس ترفاً ولا نتيجة سجال إعلامي، بل مسألة قد تتحول إلى عبء مالي ومصرفي بالغ الخطورة على أي جهة تتعامل مع شبكات أو شحنات تقع تحت مجهر العقوبات.
وللتذكير بحجم المخاطر، فإن المؤسسات المالية العالمية قد تتعرض لغرامات بمئات ملايين الدولارات عند الإخفاق في تطبيق أنظمة مكافحة غسل الأموال والامتثال والعقوبات. ولذلك، فإن حماية مصرف لبنان والمنشآت النفطية والخزينة لا تتحقق بإسكات من يطرح الأسئلة، بل بالتأكد مسبقاً من سلامة كل شركة وكل شحنة وكل مستند وكل تحويل مصرفي.
وفي بيانه الأخير، صحح الوزير الصدّي أيضاً رقماً سبق أن نشره “ليبانون ديبايت” بشأن غرامات إحدى الناقلات، موضحاً أنها بلغت 9,500 دولار بدلاً من 36 ألف دولار. ويسجل الموقع هذا التصحيح كما هو. لكن تصحيح الرقم لا يلغي أصل النقاش: فإذا كانت الغرامة قد ترتبت بسبب تحميل ناقلة قبل استكمال الاعتماد، فإن مبلغ 9,500 دولار يبقى خسارة كان يمكن تفاديها لو جرى الالتزام بالتسلسل الذي يفترض أن يحكم العملية.
أما في ملف BASILIS L، فالأرقام المطروحة أكبر بكثير، وتصل، وفق الحسابات المتوافرة، إلى أكثر من 11 مليون دولار بين فارق الأسعار والغرامات والأعباء المرتبطة بالتأخير. وهنا لا يعود النقاش تقنياً أو إعلامياً، بل يصبح نقاشاً مباشراً حول المسؤولية عن المال العام.
والسؤال الذي يفترض أن يجيب عنه وزير الطاقة ليس لماذا ينشر “ليبانون ديبايت” هذه الملفات، بل من سمح بتحميل الناقلات قبل استكمال الاعتمادات، ولماذا استمر هذا الأسلوب رغم التقلب الحاد في أسعار الطاقة وإمكان أن يؤدي أي تأخير إلى فروقات بملايين الدولارات؟
ويبقى السؤال الأكثر مباشرة في ملف BASILIS L: إذا كانت الشركة قد بادرت إلى تحميل الشحنة قبل اكتمال الإجراءات المصرفية اعتماداً على ثقتها بالوزارة، فهل يحق لها مطالبة الدولة بغرامات تأخير بلغت نحو 1.3 مليون دولار، أم أن عليها أن تتحمل بدورها نتيجة قرار اتخذته قبل استكمال الآليات التي يفرضها دفتر الشروط؟
بيان الوزارة لم يُنهِ هذه الأسئلة. على العكس، اعترافه بأن التحميل قبل فتح الاعتمادات وتعزيزها كان “إجراءً روتينياً” جعل السؤال أكثر إلحاحاً: منذ متى تصبح الممارسة الخاطئة صحيحة فقط لأنها تكررت، ومن سيدفع ثمنها عندما تتحول “الروتينية” إلى خسائر بالملايين؟