
مقالات هل تدعم إيران لبنان فعلاً أم تتحكم بمساره السياسي؟
24/06/202608:20:19
ماذا فعلت إيران في لبنان؟ سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في الواقع يفتح على واحد من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في تاريخ لبنان والمنطقة، حيث لا يمكن فهم أي دور خارجي إلا ضمن سياق طويل من التحولات السياسية والأمنية المتراكمة.
لفهم هذا المسار بشكل أوضح، لا بد من تتبعه زمنياً عبر محطات متتالية بدأت منذ الثمانينات ووصلت إلى اليوم، حيث تشكّل هذا الدور تدريجياً داخل سياقات إقليمية ولبنانية متشابكة.
ثمانينات القرن الماضي:
في مرحلة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، ومع تشكّل نواة العمل المقاوم في لبنان، برز هذا الدور ضمن قراءة تعتبره عاملاً أساسياً في دعم قوى ناشئة على الأرض. ومنذ تلك المرحلة، بدأت علاقة تتجاوز الظرفية، لتأخذ طابعاً تراكمياً ارتبط بتطورات كبرى شهدها لبنان والمنطقة.
التسعينات وبداية الألفية:
مع مرور الوقت، لم يعد هذا الدعم معزولاً، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع. وفي هذا الإطار، تعززت قوة المقاومة داخل لبنان، وصولاً إلى انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000، وهو حدث يُعتبر في نظر كثيرين نقطة تحول مفصلية في ميزان القوى داخل البلاد.
ما بعد عام 2000:
بعد الانسحاب، ترسخت معادلة جديدة في لبنان. وفي هذا السياق، يُقرأ هذا الدور باعتباره ساهم في تثبيت حضور قوة عسكرية وسياسية داخل الساحة اللبنانية، ما انعكس على التوازنات الداخلية وعلى موقع لبنان داخل الصراعات الإقليمية الأوسع.
حرب تموز 2006:
مثّلت حرب تموز محطة مفصلية أعادت تثبيت هذه المعادلة. إذ لم تكن المواجهة عسكرية فقط، بل رافقها مسار سياسي وإعمار واسع، عزز موقع هذا المحور في الداخل اللبناني، ورسّخ معادلات ردع جديدة في مواجهة إسرائيل.
السنوات اللاحقة:
مع توسّع ساحات الصراع في الإقليم من سوريا إلى العراق واليمن، دخل لبنان في مرحلة أكثر تعقيداً، وأصبح جزءاً من شبكة توازنات إقليمية مترابطة. خلال هذه المرحلة، استمر هذا الدعم ضمن هذا الإطار، سواء على المستوى السياسي أو في سياق توازنات الردع الإقليمي.
الأزمات الأخيرة:
في السنوات الأخيرة، ومع الانهيار الاقتصادي الحاد والأزمات السياسية المتتالية، تراجعت قدرة الدولة اللبنانية على إدارة ملفات أساسية، بينما بقيت الاصطفافات الداخلية على حالها، ما جعل النقاش حول الدور الخارجي أكثر حدة ووضوحاً داخل المشهد اللبناني.
الأشهر الخمسة عشر الماضية:
وخلال هذه المرحلة الحساسة، ومع تصاعد الضغوط العسكرية والاستهدافات المتكررة، عاش لبنان على إيقاع احتمالين متناقضين: الانفجار أو الاحتواء. وفي هذا السياق، برزت مقاربة تعتبر أن إدارة المواجهة اتسمت بالحذر لتفادي حرب شاملة، مع إعطاء مساحة أكبر للدولة اللبنانية لتكون في الواجهة السياسية والدبلوماسية، ضمن توازنات إقليمية شديدة الدقة.
وفي موازاة ذلك، يبرز طرح أوسع يرى أن هذا الدور لم يكن معزولاً عن شبكة التفاهمات الإقليمية، بل جزءاً من توازنات معقدة تُدار بين أكثر من طرف، حيث يُنظر إليه كفاعل أساسي في ضبط إيقاع التصعيد في لحظات حساسة، ومنع تمدد الحرب إلى مستوى أوسع في الداخل، في لحظة كانت فيها المنطقة على حافة انفجار شامل.
من هنا، فإن الحديث عن شكر إيران في هذا السياق لا يُقدَّم كشعار عاطفي، بل كجزء من قراءة تعتبر أن العلاقة طويلة ومعقدة، تراكمت عبر محطات الحرب والسلم، والدعم والأزمات، وأن تقييمها لا يمكن اختزاله بلحظة واحدة أو حدث منفصل.
لكن في المقابل، تبقى هذه القراءة جزءاً من جدل سياسي واسع داخل لبنان والمنطقة، حيث تختلف التفسيرات حول طبيعة هذا الدور وحدوده وتأثيره، بين من يراه دعماً استراتيجياً ساهم في تغيير موازين القوى، ومن يعتبره جزءاً من صراع إقليمي أوسع أعاد تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية.
وفي النهاية، يبقى لبنان، بحكم موقعه وتعقيد تركيبته الداخلية، ساحة تتقاطع فيها كل هذه العوامل، ما يجعل أي قراءة لهذا الدور مرتبطة بالسياق الكامل، لا يمكن فصلها عن التاريخ الطويل والتوازنات المتراكمة التي صنعت هذا المشهد، ولا عن الواقع الراهن الذي ما زال يحدد ملامح المستقبل.
فاطمة عيسى
جاري تحميل الخبر التالي...