خاص صدى الضاحيةسلايدر
الFPV تغير المعادلة … حرب الجنوب تدخل عصر الاستنزاف الذكي

لم تعد الحرب الدائرة في جنوب لبنان منذ عام 2023، والمتصاعدة بشكل غير مسبوق خلال عام 2026، مواجهة تقليدية تقوم على القصف المتبادل والتحركات البرية فحسب، بل تحوّلت تدريجياً إلى صراع تكنولوجي مفتوح تقوده المسيّرات بأنواعها المختلفة، من الطائرات المتطورة ذات القدرات الاستخباراتية العالية، إلى المسيّرات الصغيرة منخفضة الكلفة من نوع FPV التي دخلت بقوة إلى ساحة المعركة.
وفي وقت تواصل فيه إسرائيل الاعتماد على تفوقها الجوي والتقني، نجحت المقاومة في إدخال نماذج جديدة من المسيّرات التكتيكية التي تعتمد على المرونة والكلفة المنخفضة والقدرة على تجاوز أنظمة التشويش والرصد، ما أدى إلى تبدّل واضح في طبيعة الاشتباك ومعادلات الاستنزاف على الجبهة الجنوبية.
في هذا السياق، يؤكد العميد المتقاعد والخبير العسكري منير شحادة أن “المعركة الحالية لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم القوة النارية، بل بقدرة كل طرف على إدارة التكنولوجيا داخل الميدان”، مشيراً إلى أن المسيّرات أصبحت “العين والسلاح في آن واحد”.
وأوضح شحادة أن “العدو الاسرائيلي يمتلك تفوقاً واضحاً في مجال المسيّرات المتقدمة، سواء من ناحية أنظمة الاستطلاع أو الذكاء الاصطناعي أو القدرة على تنفيذ عمليات اغتيال دقيقة وجمع معلومات استخباراتية بشكل فوري”، لافتاً إلى أن “هذا التفوق ساهم في توسيع بنك الأهداف ومراقبة مساحات واسعة من الجنوب ومعظم الأراضي اللبنانية بشكل شبه دائم”.
في المقابل، أشار إلى أن “دخول مسيّرات FPV إلى المعركة شكّل تحولاً لافتاً، خصوصاً مع اعتماد بعضها على تقنيات الألياف الضوئية “Fiber Optic”، ما يجعلها أقل عرضة للتشويش الإلكتروني وأكثر قدرة على المناورة والطيران المنخفض”.
وأضاف: “أن هذه المسيّرات، رغم بساطتها مقارنة بالأنظمة الإسرائيلية المتطورة، أظهرت فعالية ميدانية كبيرة بسبب صغر حجمها وسرعتها وانخفاض كلفتها، فضلاً عن إمكانية استخدامها بكثافة دون أعباء مالية مرتفعة، الأمر الذي سمح بتحويل مجموعات قتالية صغيرة إلى وحدات استهداف دقيقة وقادرة على ضرب دبابات ونقاط مراقبة وتجمعات عسكرية”.
“وبحسب المعطيات الميدانية، فإن المسيّرات باتت تُستخدم بشكل شبه يومي في العمليات العسكرية على جانبي الحدود، ما أدى إلى انتقال المواجهة من حرب خطوط تماس إلى حرب استنزاف دقيقة ومستمرة تُدار من السماء أكثر مما تُدار من الأرض”.
واعتبر شحادة أن “هذا التحول ساهم في تراجع دور الاشتباك المباشر التقليدي، مقابل تصاعد الضربات السريعة والعمليات الاستخباراتية الفورية، بحيث أصبحت الجبهة مفتوحة بشكل دائم أمام أهداف يمكن استهدافها في أي لحظة دون الحاجة إلى تحريك قوات كبيرة.
“ورغم استمرار التفوق الإسرائيلي الجوي والتقني، إلا أن استخدام المسيّرات الصغيرة منخفضة الكلفة فرض تحديات متزايدة على منظومات الدفاع والرصد الإسرائيلية، خصوصاً أن بعض هذه المسيّرات يصعب اكتشافه أو اعتراضه بسبب حجمه المحدود وتحليقه المنخفض وسرعة حركته”.
وفي هذا السياق، أشار شحادة الى أن “المقاومة لم تخلق تكافؤاً عسكرياً كاملاً مع إسرائيل، لكنها نجحت في تقليص أثر التفوق الإسرائيلي ميدانياً عبر أدوات بسيطة وفعالة”، لافتا إلى أن “الاستنزاف منخفض الكلفة أصبح جزءاً أساسياً من المعركة”.
وتابع: “ان أخطر ما تحمله المرحلة المقبلة يتمثل في الدمج المتزايد بين المسيّرات والذكاء الاصطناعي، سواء عبر أنظمة التعرف التلقائي على الأهداف أو عبر تشغيل أسراب مسيّرات منسقة قادرة على اتخاذ قرارات شبه مستقلة داخل الميدان”.
وأشار إلى أن “انتشار التكنولوجيا الرخيصة سيجعل امتلاك المسيّرات الهجومية متاحاً أمام جهات متعددة، ما يعني أن الحروب المقبلة قد تصبح أكثر تعقيداً وأقل قابلية للسيطرة، مع ارتفاع مستوى الخطر على المدنيين والبنى التحتية”.
وختم شحادة بالتأكيد أن “ما يجري في الجنوب ليس مجرد تطور عسكري عابر، بل تحول بنيوي في طبيعة الحروب الحديثة”، حيث بات الابتكار التكنولوجي والقدرة على توظيف الأدوات منخفضة الكلفة عاملاً أساسياً في إعادة رسم توازنات القوة وفرض معادلات جديدة داخل الميدان”.
في المحصلة، تكشف حرب الجنوب أن المنطقة دخلت فعلياً عصر الحروب الذكية منخفضة الكلفة، حيث لم يعد التفوق مرتبطاً فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الأطراف على الابتكار السريع وتوظيف التكنولوجيا داخل الميدان. وبينما تواصل إسرائيل الاعتماد على تفوقها الجوي والاستخباراتي، نجحت المقاومة في فرض نمط استنزاف جديد قائم على المسيّرات الصغيرة والمرنة، ما أعاد خلط قواعد الاشتباك وفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الصراعات العسكرية.
ومع التسارع الكبير في تطور الذكاء الاصطناعي وانتشار التكنولوجيا الرخيصة، تبدو المنطقة أمام مشهد أمني أكثر تعقيداً، قد تتحول فيه السماء إلى ساحة المواجهة الأساسية في أي حرب مقبلة، وسط تساؤلات متزايدة حول شكل الحروب المستقبلية، وحدود السيطرة عليها، وقدرة الأنظمة الدفاعية التقليدية على مواكبة هذا التحول المتسارع.
خاص موقع صدى الضاحية – تحقيق الزميلة فاطمة عيسى
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



