مقالات
حين تُفاوض إيران من ميادين القوة وتصرخ “إسرائيل” في أنفاق مأزقها

في خضم التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما يرافقها من مواقف وتصريحات صادرة عن الرئيس ترامب، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمدى انسجام هذه السياسات مع النيات الصادقة لإنهاء حالة الحرب التى بدأت في الـ28 من شباط الماضي نهائياً.
فلم يعد السؤال اليوم: هل تندلع الحرب مجدداً بعد انتهاء مدة الهدنة؟ بل: من الذي يملك قرار إنهائها إذا ما تجددت نيرانها؟
في لحظة مفصلية من تاريخ الصراعات الكبرى، يتكشّف مشهد غير مسبوق: الولايات المتحدة مترددة وتترنح في خطواتها إلى الخلف وتسجل تراجعات عديدة ، لا رغبةً، بل عجزًا عن فرض معادلاتها السياسية والاقتصادية بالقوة، أو بغِلظة ونفور تغريدات قادتها، فيما تمضي إيران بثبات نحو فرض واقع جديد في أحد أخطر شرايين العالم وأكثرها حيوية مضيق هرمز.
هنا، يبدأ الحديث عن إرادة إيرانية صلبة وعن خطة ليست عابرة، بل مصممة بهدف كسر تدريجي لاحتكار الهيمنة البحرية خاصة التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية التي حكمت العالم لعقود.
فبات العالم كله يرقص أمام مشهد درامي في فيلم تنتجه إيران يحظى لغاية تاريخه بأعلى نسبة مشاهدات عالمية، فإيران أصبحت “تتحكم في الاقتصاد العالمي” بشكل كامل عبر مضيق هرمز، أو بالحد الأدنى باتت تفرض مشاركتها في هذا الاقتصاد وتسعى إلى تغيير قواعد اللعبة وتضبطها وفقاً لمحفظتها المالية، كأنها تقول حان وقت إنزال القصاص بالعقوبات الظالمة المفروضة عليها منذ عقود.
هذا المضيق بالفعل يشكل ورقة ضغط استراتيجية خطيرة، لأنه يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، لكن التحكم فيه ليس مطلقًا، بل هو محكوم بتوازنات دولية معقدة تشمل قوى بحرية كبرى ومصالح متعددة.
إيران تستخدم هذا الموقع كورقة ردع، وأكثر من ذلك، تعلن أنها وضعته تحت سيطرة إدارة ذكية من قواتها البحرية لعبور السفن، وباتت تفرض رسوم مرور على السفن وتتجرأ بقوة إعلان إنزال هذه الرسوم في حسابات البنك المركزي الإيراني، يعني أنه بعد الحرب المفروضة عليها جعلته أداة عقاب وسيطرة دائمة بوجه أعدائها.
وهي تفتحه وتغلقه وفقاً لتحقيق مصالحها، وعلى ما يبدو أنها تنجح في ذلك، فأي محاولة لإغلاقه بالكامل ستؤدي إلى عاصفة واسعة لا تخدم مصالح العالم الاقتصادي، لذلك هي توظفه ضمن سياسة “حافة الهاوية” لتعزيز موقعها التفاوضي، وجعله كأمر واقع دائم تحت سيطرة قواتها البحرية.
وبالتالي، هي لم تعلن استجابتها بعد لخوض جولة مفاوضات ثانية مع المفوض الأميركي في إسلام آباد رغم الساعات القليلة المتبقية من مدة هدنة وقف إطلاق النار، ما يطرح احتمالات عودة الصراع والضربات العسكرية، وكذلك احتمالات انهيار الهدن الهشة في الإقليم.
فيما يخص لبنان، فالوضع أكثر تعقيدًاً. الحديث عن “منطقة عازلة” يعكس هدفًا إسرائيليًا تقليديًا لأسباب تدعوها أمنية، لكن تخفي أطماعاً قديمة لها علاقة بـ “إسرائيل” الكبرى، لكن تحقيقه ليس سهلًا كما أشرت. فوجود المقاومة، وتركيبة الجغرافيا، والتوازنات الإقليمية، كلها عوامل تجعل أي تغيير ميداني جذري مكلفًا جدًا وسيسقطه الميدان، والتجربة ليست بعيدة.
في المقابل، ملف لبنان حاضر بقوة على المسار التفاوضي في إسلام آباد، ويشكل أبرز نقطة خلاف إلى جانب الملف النووي، بحسب أقوال المسؤولين الباكستانيين وهنا تبرز قوة وأهمية الميدان الذي تخضعه المقاومة لإرادتها وتسيّله مادة على طاولة أهم مفاوضات نتائجها سترسم مستقبل العالم.
لماذا يكون جلب الملف اللبناني إلى المسار السياسي الباكستاني مهماً لأنه يكون تحت مظلة أوراق قوة في حوزة المفاوض الإيراني وأيضا تحت رعاية باكستان التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل”.
فإيران، وعلى عكس الصورة التي يُراد تسويقها، لا تتحرك بمنطق المغامرة، بل بمنطق إدارة القوة. هي لا تغلق مضيق هرمز، لكنها تجعل العالم كله يفكر بما سيحدث لو فعلت. لا تعلن الحرب، لكنها تضع خصومها على حافة حساباتها. هذا النوع من القوة هو الأخطر: قوة الاحتمال، لا قوة الفعل فقط.
أما في لبنان، فالمشهد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. يسعى الاحتلال إلى فرض “منطقة عازلة يسميها الخط الاصفر” كتعويضٍ عن عجزه في تحقيق نصر حاسم، لكنه يصطدم بواقع ميداني صلب: مقاومة لم تنكسر رغم الاستهداف، وبيئة لا تقبل بإعادة إنتاج معادلات قديمة سقطت منذ زمن.
الرهان الإسرائيلي اليوم ليس على الحسم، بل على الاستنزاف. والرهان الأميركي ليس على الحرب، بل على إخضاع إيران عبر الضغط المركب. لكن في كلتا الحالتين، تصطدم الحسابات بحقيقة واحدة: أن ميزان الردع لم يعد أحادي الاتجاه. و “إسرائيل”، رغم تفوقها العسكري، تجد نفسها أمام معضلة استراتيجية: كيف تنتصر على خصم لا يُهزم بالضربة القاضية.
في هذه اللحظة بالذات، يبدو أن المنطقة لا تتجه نحو انفجار شامل، بل نحو شيء أكثر تعقيدًا: توازن قلق، تُدار فيه الحروب تحت سقف الانفجار، وتُكتب فيه التسويات على حافة الهاوية وهذا سيظهر للعالم في الأيام المقبلة.
عباس دبوق-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



