اقتصاد
اقتصاد لبنان بين الانهيار الممتد والتعافي المشروط

في ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان منذ الثاني من آذار-مارس الماضي، يعود الاقتصاد اللبناني إلى واجهة الخطر، ليس بوصفه قطاعًا مستقلًا، بل كمرآة مباشرة لتداعيات الحرب على مختلف مفاصل الدولة والمجتمع.
لا تقتصر تبعات الحرب على الأبعاد الأمنية فحسب، بل تمتدّ إلى البنية الاقتصادية الهشّة، حيث يتأثر موسم السياحة، وتتراجع الاستثمارات، وتتقلّص حركة الاستهلاك، في وقت يعتمد فيه لبنان بشكل كبير على تدفقات الدولار من الخارج.
ومع غياب الاستقرار، تتحوّل هذه التدفقات إلى عنصر متقلّب، ما يضع ضغوطًا إضافية على سعر الصرف، والاحتياطات النقدية، والقدرة الشرائية للأسر. فإلى متى يمكن لهذا الاقتصاد أن يصمد؟ وما هي الكلفة الحقيقية إذا طال أمد الحرب؟
في قراءة دقيقة لمشهد الاقتصاد اللبناني، يضع الخبير الاقتصادي وليد بو سليمان الإصبع على جوهر الأزمة، لأنّ أي تعافٍ بعد الحرب لن يكون ممكنًا من دون استعادة الثقة ضمن مسار إصلاحي حقيقي.
تحمّل قصير الأجل
ينطلق بو سليمان من توصيف دقيق لقدرة الاقتصاد اللبناني على التحمّل، معتبرًا أنّ “قدرة الاقتصاد اللبناني على الصمود موجودة، لكنها قدرة دفاعية لا تعني مناعة.
فلبنان يملك بعض عوامل التحمّل القصير الأجل، أبرزها الاقتصاد النقدي، والتحويلات من الخارج، ومرونة الاستيراد عبر قنوات خاصة، لكن استمرار الحرب يعني تآكل هذه الهوامش تدريجياً، خصوصًا إذا تراجع موسم السياحة أكثر وتباطأت التدفقات المرتبطة بالاغتراب والاستثمار والاستهلاك”.
مضيفًا أن “المشكلة الأساسية هي أن السياحة ليست قطاعًا منفصلًا، بل محرّكًا لقطاعات مترابطة مثل النقل، والمطاعم، والفنادق، والتجارة، والخدمات، وبالتالي فإن ضربها ينعكس مباشرة على السيولة بالدولار، وفرص العمل، والاستهلاك الداخلي.
لذلك، إذا طال أمد الحرب، فالأرجح أن نكون أمام اقتصاد قادر على الاستمرار شكليًا، لكن بكلفة أعلى، ونمو أضعف، وضغط أكبر على الأسر والمؤسسات الصغيرة، لا أمام اقتصاد قادر على امتصاص الصدمة من دون خسائر متراكمة”.
أولويات مصرف لبنان
ينسجم هذا التقدير مع تقييم البنك الدولي، بأن الصراع أدّى إلى انكماش الناتج الحقيقي في العام 2024 بنسبة 7.1%، وأن السياحة والاستثمار والنشاط الاقتصادي ما زالت تتأثر سلبًا بالتوترات الأمنية الإقليمية.
وفيما يتعلّق بالسياسة النقدية، يضع بو سليمان إطارًا واضحًا لأولويات مصرف لبنان، مشددًا على أن “أولوية مصرف لبنان يجب أن تكون الحفاظ على الاحتياطي لا استنزافه في دفاع مفتوح عن سعر الصرف.
التدخل يمكن أن يخفف التقلّبات الحادة ويمنع الفوضى في السوق، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع استقرارًا دائمًا إذا كانت مصادر الدولار تتراجع والثقة العامة ضعيفة.
الأهم هو التمييز بين إدارة التقلبات وبين تمويل سعر صرف غير مستدام، فالأول مفهوم، أما الثاني فيستهلك ما تبقى من أدوات الحماية من دون معالجة أصل المشكلة”.
خسارة ثلثي احتياطي العملات الأجنبية
تُظهر الأرقام الرسمية أن الأصول الأجنبية السائلة لدى مصرف لبنان، باستثناء الذهب، بلغت نحو 11.8 مليار دولار في شباط 2026، بعد سنوات من التراجع الكبير في الاحتياطيات، فيما كان صندوق النقد قد أشار سابقًا، إلى أن المصرف المركزي خسر نحو ثلثي احتياطاته من العملات الأجنبية منذ بداية الأزمة.
لذلك، في ظل أي تصعيد طويل، وبرأي الخبير الاقتصادي، “يصبح ترشيد استخدام الاحتياطي أهم من محاولة تثبيت مصطنع ومكلف لسعر الصرف، لأن الاحتياطي اليوم ليس فقط أداة نقدية، بل هو أيضًا خط الدفاع الأخير عن الحد الأدنى من الاستقرار المالي والاستيراد الأساسي.”
أما فيما يخص مرحلة ما بعد الحرب، فيرى وليد بو سليمان أن “التعافي لا يمكن أن يقوم على مقاربات سطحية، بل يتطلب إعادة بناء الثقة من جذورها.
ويوضح أنه إذا توقفت الحرب قريبًا، فالأولوية ليست لحملات ترويجية، بل لخطة سريعة ومركّزة تعيد الثقة، تبدأ بتثبيت الاستقرار الأمني والسياسي، باعتباره العامل الحاسم لقرارات السائح والمستثمر”.
كما يشدد على ضرورة اتخاذ خطوات عملية، مثل “إعادة تشغيل الخدمات والممرات اللوجستية، التواصل مع المغتربين، دعم القطاع السياحي بحوافز مدروسة، وتسهيل بيئة الأعمال للمؤسسات الصغيرة.
إلا أن هذه الإجراءات تبقى غير كافية ما لم تندرج ضمن مسار إصلاحي أوسع، إذ إن أي انتعاش سيظل هشًا من دون إصلاحات مالية ومصرفية ومؤسساتية تعيد الثقة وتجذب الرساميل”.
بهذه المقاربة، يضع بو سليمان الاقتصاد اللبناني أمام معادلة واضحة: صمود ممكن، لكن بثمن متزايد، واستقرار مشروط بإصلاحات لا يُمكن تأجيلها.
سمر يموت – ليبانون ديبايت
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



