أخبار عالمية
كيف يخفي البنتاغون عدد القتلى الأميركيين في الحرب على إيران؟

كشف موقع “ذا إنترسبت” الأميركي أن البنتاغون يحذف أسماء جنود أميركيين جرحى من قائمة إصابات الحرب على إيران.
وأشار إلى أن الحكومة الأميركية قامت بتغيير إحصاءاتها للخسائر الأميركية، وحذفت بشكل غير مسوغ أسماء 15 جنديًا جريحًا من قائمة الإصابات.
كيف تلاعبت الإدارة الأميركية بأعداد القتلى؟
قال الموقع: “في ظلّ هدنة هشة في الحرب الأميركية على إيران، تؤدي وزارة الحرب الأميركية لعبة أرقام في ما يتعلق بإحصاءات القتلى والجرحى الأميركيين بإضافة أعداد وحذفها؛ مع تزايد التساؤلات عن الكلفة البشرية”.
وبحسب قوله، في اليوم الذي دخلت فيه الهدنة بين إدارة ترامب وإيران حيّز التنفيذ، كان عدد القتلى والجرحى الأميركيين 385.
على الرغم من توقف الأعمال القتالية، ارتفع العدد تدريجيًا ليصل إلى 428 بحلول يوم الاثنين المنصرم، وفقًا لإحصاءات البنتاغون.
لكن يوم الثلاثاء، انخفض عدد الجنود المصنفين “جرحى في المعارك” بمقدار 15 جنديًا من دون أي تعليق علني من وزارة الحرب، ما خفّض الإجمالي إلى 413.
بقي الرقم ثابتًا يوم الأربعاء، باستثناء إحصاء واحد صادر عن وزارة الحرب وضع “المجموع الكلي” للجرحى والقتلى عند 411.
جاء هذا التناقض في أرقام الخسائر، في الوقت الذي قام فيه الرئيس دونالد ترامب بتمديد الهدنة مع إيران يوم الثلاثاء، قبل ساعات فقط من موعد انتهائها، وفقاً للموقع.
وأشار إلى أن متحدثين باسم البنتاغون قالا إنهما غير قادرين على الإجابة عن أسئلة تتعلق بحذف 15 إصابة من سجلات الخسائر، مشيرين إلى أن “الضابط المناوب” وحده يمكنه الرد، لكنه غير موجود.
وقال أحدهما: “عند مجرد عودة الضابط المناوب إلى مكتبه، يمكنني إيصال الأمر إليه”.
وبعد مرور يوم، ومع عدة محاولات للمتابعة، لم تتلقَّ “ذا إنترسبت” أي تفسير عن سبب شطب 15 جنديًا جريحًا من سجلات الخسائر التابعة لوزارة الحرب.
“تغطية على الخسائر”
بصرف النظر عن الرقم الحقيقي، تمثل الإحصاءات الرسمية للبنتاغون عن عدد القتلى والجرحى العسكريين تقليلًا كبيرًا للواقع، بحسب ما وصفه أحد المسؤولين الحكوميين الأميركيين بأنه “تغطية على الخسائر”. إذ إن نظام تحليل الخسائر الدفاعية، والمعروف باسم DCAS الذي يتتبع “القتلى والجرحى، والمرضى” من العسكريين لصالح الكونغرس والرئيس، يفتقد مئات الإصابات المعروفة. وقال ذلك المسؤول: “هذه الأرقام، من الواضح، مهمة. ورفضهم إتاحة المعلومات للجمهور يقول شيئًا. هذا هو تعريف التستر”.
كما تحدث “ذا إنترسبت” إلى شخصين عملا سابقًا في نظام DCAS، وقالا إن الفجوة الزمنية بين وقوع الإصابة في الميدان وتسجيلها في النظام كانت تاريخيًا قصيرة جدًا. وقالت جوان كرينشو، والتي عملت في النظام خلال حرب الإرهاب: “كنا نحصل عليها بسرعة. كان بإمكاننا الإبلاغ عن عدد الخسائر بسرعة كبيرة”، مشيرة إلى أن البيانات كانت تُحدّث يوميًا.
كذلك لم ترد وزارة مكتب وزير الحرب على أسئلة تتعلق بالتباطؤ في تراكم الأرقام، خلال أسبوعين أو سبب زيادة عدد الجرحى في المعارك بمقدار 43 أو 28 أو 26، منذ وقف الأعمال القتالية في 8 أبريل/نيسان الحالي. ومنذ أن بدأ “ذا إنترسبت” بطرح أسئلة عن التقليل من أعداد القتلى والجرحى وتأخير نشر الإحصاءات وأخطاء الحساب وإجراءات عدّ الخسائر المعقدة، التزمت القيادة المركزية الأميركية ومكتب وزير الحرب الصمت، ولم يقدما إجابات أو يسمحا بإجراء مقابلات مع خبراء. يأتي ذلك امتدادًا لجهود طويلة من ترامب لتضليل الرأي العام الأميركي بشأن الخسائر العسكرية الأميركية.
الإحصاءات الرسمية تقدم صورة مشوهة عن الحرب
بعيدًا عن مسألة اختفاء أعداد الجرحى، تقدم الإحصاءات الرسمية للبنتاغون صورة مشوهة عن الحرب. بينما يوفر نظام DCAS عددًا مستمرًا من الوفيات “غير القتالية” – أي الناتجة من حوادث أو أمراض – فإنه لا يشمل الإصابات “غير القتالية”. وتشير بيانات DCAS إلى أن ما لا يقل عن 63 عنصرًا من البحرية أصيبوا في المعارك. لكن ما لا يُضمن هو أكثر من 200 بحار تلقوا علاجًا بسبب استنشاق الدخان أو إصابات وجروح نتيجة حريق اندلع في 12 مارس/أذار على متن حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد”، والتي كانت تنفذ عمليات طيران على مدار الساعة، بحسب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، بهدف “إظهار القوة القتالية”.
وقالت كرينشو إن بيانات DCAS، في العقد الأول من الألفية، كانت تتضمن أعداد الجرحى والمصابين والمرضى. وتساءلت عن سبب غياب إصابات استنشاق الدخان على متن “فورد” من البيانات المنشورة علنًا. وقالت: “كان يجب إدخال ذلك في DCAS. ما يقلقني هو لماذا هذا الجزء مفقود الآن”. وأعرب شخص ثانٍ، عمل سابقًا في DCAS – تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته – عن مخاوف مماثلة، متسائلًا عمّا “يخفيه” البنتاغون.
جدير بالذكر أنه على مدى أسابيع، لم يرد البنتاغون على طلبات متكررة للتعليق على سبب تقديم DCAS أعداد الوفيات غير القتالية في مناطق الحرب، لكنه لا يقدم أعداد الإصابات أو الأمراض غير القتالية. ومن المعروف أن ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية يؤدي إلى تدهور صحة الجنود الجسدية والنفسية. لقد أظهرت دراسات عسكرية “التأثير العميق للأمراض والإصابات غير القتالية (DNBI) على أيام فقدان الخدمة والقدرة القتالية العامة”.
خلال الحرب على أفغانستان والعراق، شكّلت الإصابات غير القتالية 80 إلى 85% من حالات الإجلاء الطبي، متجاوزة بكثير الإصابات القتالية حتى خلال التصعيد العسكري. ووجدت دراسة عسكرية أخرى أن أكثر من ثلث الإصابات، ونحو 12% من جميع وفيات الجنود في العراق وأفغانستان بين عامي 2003 و2014، كانت بسبب هذه الأسباب.
كما أشارت مراجعة علمية، في العام 2024 في مجلة “الطب العسكري”، إلى أن “الأمراض والإصابات غير القتالية كانت تاريخيًا النوع السائد من الخسائر بين العسكريين في الحروب، وتشكل مشكلة صحية رئيسة”. وإضافة إلى تجاهل أعداد غير معروفة من المرضى والجرحى، أخفى البنتاغون أيضًا عدد القتلى في الحرب على إيران.
يعرض نظام DCAS أيضًا 13 وفاة قتالية وغير قتالية للقوات الأميركية، خلال الحرب، ويذكر أسماءهم. لكن من بين هؤلاء لا يظهر اسم الرائد سورفلي دافيوس، وهو ضابط اتصالات في الحرس الوطني لولاية نيويورك، وكان يخدم في مقر الفرقة 42 مشاة، وتوفي كما يبدو بسبب مرض مفاجئ في أثناء الخدمة في معسكر بويرينغ في الكويت في 6 مارس/أذار 2026، بحسب الصحيفة.
على مدى أسابيع، تجاهل البنتاغون طلبات التعليق على سبب غياب دافيوس من سجلات الخسائر. وخلال مقابلة يوم الثلاثاء، كرر ترامب أن 13 عسكريًا فقط قتلوا خلال العملية، قائلًا: “لقد فقدنا 13 رجلًا”، لكن، وفقًا لبيانات DCAS، فإن ثلاثة من القتلى هم نساء: الرائد أريانا غابرييلا سافينو والرقيب الفني آشلي بروك برويت والرقيب أول نيكول ماري أمور.
تقويض الشفافية المتعلقة بخسائر الجيش الأميركي
قبل نحو عقد من الزمن، بدأت إدارة ترامب اتخاذ خطوات لتقويض الشفافية المتعلقة بخسائر الجيش الأميركي؛ فبعد وقت قصير من تولّيه منصبه لأول مرة في العام 2017، أوقفت وزارة الحرب نشر المعلومات الفورية عن وفيات القتال الأميركية في أفغانستان، وهو تغيير غير معلن في السياسة التقليدية، أدى إلى تأخير الإعلان عن الخسائر لعدة أيام. وجاء ذلك بالتزامن مع تصاعد العنف في النزاع.
يذكر أنه بعد هجوم صاروخي إيراني على قاعدة الأسد الجوية، في العراق في 8 كانون الثاني/ يناير 2020، قدّم ترامب رواية غير صحيحة تمامًا للرأي العام. قال آنذاك: “لم يُصب أي أميركي في الهجوم الذي شنّه النظام الإيراني. لم نسجّل أي خسائر”، لكن لاحقًا اعترف البنتاغون بأن هناك إصابات بالفعل، وبدأ في تعديل الرقم بالزيادة خمس مرات على الأقل، إذ أقرّ في النهاية بأن القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) اعترفت بإصابة 110 جنود بإصابات دماغية رضّية (Traumatic Brain Injuries).
كما أشار تقرير صادر عن المفتش العام، نُشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، إلى أن عدد الإصابات الدماغية ربما كان أعلى من ذلك، لأن “وزارة الحرب لا تستطيع تحديد ما إذا كان جميع أفراد الخدمة يتم تشخيصهم وعلاجهم بشكل صحيح من إصابات الدماغ الرضّية في مناطق الانتشار”.
لاحقًا؛ كشفت أليسا فرح، وهي المتحدثة السابقة باسم البنتاغون، لاحقًا في بودكاست أن البيت الأبيض في عهد ترامب مارس ضغطًا على الجيش للتقليل من حجم إصابات الجنود. وقالت: “تلقّينا بالفعل اعتراضات من البيت الأبيض من نوع: هل يمكنكم الإبلاغ عن هذا بشكل مختلف؟ هل يمكن أن يكون كل 10 أيام أو أسبوعين، أو أن نصدر ملخصًا بعد انتهاء الأمر؟ البيت الأبيض كان يفضّل ألا تُنشر تحديثات منتظمة”. وأضافت: “وأعتقد أن ذلك أدى في النهاية إلى طمس حقيقة أن تلك كانت إصابات خطيرة جدًا لجنود أميركيين”.
ترامب يروج معلومات مضللة
خلال حملته الانتخابية، في العام 2022، روّج ترامب أيضًا لمعلومات مضللة بشأن الخسائر، مدعيًا أنه خلال 18 شهرًا من رئاسته لم يُقتل أي جندي أميركي في أفغانستان. وقال: “خلال 18 شهرًا في أفغانستان، لم نفقد أحدًا”، لكن تحقيقًا لوكالة “أسوشيتد برس” خلص إلى أنه خلال تلك المرحلة سُجّل 45 قتيلًا في صفوف القوات الأميركية في أفغانستان، إضافة إلى 18 وفاة “غير قتالية”.
وفي الربيع الماضي، أفادت “ذا إنترسبت” بأن القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) والبنتاغون والبيت الأبيض عملوا على إبقاء خسائر الحرب الأميركية ضد اليمن بعيدة عن العلن. كان ذلك خروجًا عن نهج إدارة بايدن، حيث كانت وزارة الحرب وقيادة CENTCOM تقدّمان بيانات مفصلة عن الهجمات على القواعد العسكرية في “الشرق الأوسط”، ومنها أعداد الهجمات، بحسب الدول وإجمالي الإصابات. لقد كانت القيادة المركزية تقدم أيضًا تفاصيل شاملة عن الهجمات، ومنها عددها وتوزيعها الجغرافي والعدد الإجمالي عن المصابين.
العهد
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



