مقالات

وزارة التربية تعمّق اللامساواة وتزيد العبء في زمن الحرب :النازحون ليسوا “غير مجتهدين”.. بل غير قادرين

في بلد يتعرّض لحرب مفتوحة، لا يبدو أنّ وزارة التربية تعترف بأنّ التعليم لم يعد شأناً إدارياً عادياً، بل أصبح جزءاً من معركة اجتماعية مفتوحة. ومع ذلك، تصرّ على التعامل مع العام الدراسي وكأنّ البلاد تعيش حالة استقرار طبيعي: امتحانات في موعدها، مناهج تُستكمل، وتلامذة يُطلب منهم أن “يتكيّفوا”.

لكن مع ماذا يتكيّفون؟ مع النزوح؟ مع فقدان المنازل؟ مع القلق اليومي؟ أم مع انعدام أبسط شروط التعلم؟

في هذا السياق، ظهرت وزيرة التربية ريما كرامي، وهي أستاذة للعلوم التربوية في الجامعة الأميركية وعضو مؤسس في الجمعية اللبنانية للعلوم التربوية، في فيديو من أحد مراكز النزوح، لتقول لتلميذ في المرحلة الابتدائية: “لن أنجّحكم بسبب الحرب، ولن أعطي إفادات، عليك أن تشاهد الدروس على الهاتف وتدرس وتفهم وتنجح”.

ليست هذه مجرد عبارة عابرة، بل تلخيص صريح لمقاربة كاملة: نقل عبء الأزمة من الدولة إلى التلميذ.

وفي مقابلة على شاشةLBCI قال مدير التعليم الأساسي جورج داوود: “نحنا كوزارة وإدارة بهذا الاتجاه، ما عندنا سبب يخلّينا ما نعمل الامتحانات الرسمية… ومنح إفادات دون امتحانات دفعنا ثمنها نحنا والهيئة التعليمية والتلاميذ”.

وأضاف: “التلميذ المجتهد لازم تعطيه فرصة تحفّزه، وغير المجتهد لازم تعطيه فرصة يرجع يجتهد ويتقدّم”.

بهذا المنطق، يُختزل الواقع كلّه في ثنائية مبسّطة: مجتهد وغير مجتهد. لكن هذه الثنائية تنهار فوراً أمام الواقع. لأنّ السؤال الحقيقي ليس: من اجتهد؟ بل: من استطاع أن يجتهد؟

فالقرار الذي تتحمّله الوزيرة ريما كرامي، ويُسهم في صياغته مستشارها الدكتور عدنان الأمين، وهو من أبرز من كتبوا عن التفاوت الاجتماعي والتربوي في لبنان، يتجاهل أنّ التلامذة لا ينطلقون من النقطة نفسها. فكيف يمكن لقرار يُصاغ داخل هذا المستوى من الخبرة أن يتعامل مع واقع غير متكافئ وكأنه متساوٍ؟

في الحقيقة، ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن البنية الطبقية للمجتمع. فالامتحان في هذه الظروف لا يقيس مستوى التحصيل العلمي بقدر ما يكشف موقع التلميذ داخل طبقته الاجتماعية. التلميذ الميسور، الذي يملك غرفة خاصة، وإنترنتاً، وجهازاً شخصياً، يستمرّ في التعلم. أما التلميذ النازح، الذي يعيش في غرفة مكتظة أو مركز إيواء، أو يتشارك جهازاً مع إخوته، أو يفتقد إلى اتصال ثابت، أو فقد بيته وأحبته، فيجد نفسه خارج اللعبة من الأساس.

هنا، لا تعود المدرسة أداة لتقليص الفوارق، بل تتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاجها. ينجح أبناء الطبقات الأكثر استقراراً، ويتراجع أبناء الطبقات المتضرّرة، ثم تُقدَّم النتيجة وكأنها نتيجة “جهد فردي”، لا نتيجة موقع اجتماعي.

وتضيف الوزارة تبريراً آخر: أنّ بعض الجامعات في الخارج لا تعترف بالإفادات، وتريد شهادات رسمية وعلامات. لكن هذا التبرير يكشف البعد الطبقي للقرار أكثر مما يبرّره. لأنّ السؤال البسيط هو: من هو التلميذ الذي يسافر إلى الخارج؟ هل هو التلميذ النازح الذي يعيش في مركز إيواء، أم التلميذ الميسور الذي يملك القدرة المادية أصلاً؟

بهذا المعنى، يصبح القرار منحازاً، ولو بشكل غير معلن، إلى مسار طبقة محدّدة، فيما تُترك الطبقات الأكثر تضرّراً لتواجه مصيرها.

الأخطر أنّ الوزارة تتحدث عن “خطط” للنازحين، فيما تعلن في الوقت نفسه أنّ تحديد الدروس التي ستُجرى الامتحانات على أساسها سيصدر في شهر أيار، أيّ في نهاية العام الدراسي. أيّ أنّ التلميذ يُطلب منه أن يدرس طوال العام من دون أن يعرف ما هو المطلوب، ثم يُفاجأ في اللحظة الأخيرة. هذا ليس فقط خللاً إدارياً، بل فوضى تربوية تعمّق الفوارق بدل أن تعالجها.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: ليست المشكلة في الامتحانات بحدّ ذاتها، بل في العشوائية التي تُدار بها العملية التعليمية، وفي غياب الوضوح والمعايير المستقرة.

فالامتحان، لكي يكون عادلاً، يحتاج إلى وضوح في المنهج، واستقرار في القرار، وتكافؤ في الشروط.

أما حين يصبح التلميذ غير قادر حتى على معرفة ما سيُمتحن فيه، فإننا لا نكون أمام تقييم تربوي، بل أمام حالة ارتباك مؤسساتي يدفع ثمنها التلامذة، وخصوصاً الأكثر ضعفاً منهم.

وفي موازاة ذلك، يتمّ تسويق القرار سياسياً عبر عرض مواقف ثلاثة أحزاب فقط: الحزب التقدمي الاشتراكي، حزب الكتائب، والحزب الديمقراطي اللبناني.

هذه الأحزاب لا تمثّل بالضرورة المليون نازح ولا البيئات الأكثر تضرراً في الجنوب والضاحية. ومع ذلك، يتمّ تقديم مواقفها وكأنها تعبّر عن “إجماع وطني”، فيما الصوت الفعلي للفئات المتضررة غائب تماماً.

في المحصّلة، لا يجري امتحان التلامذة، بل يجري فرز طبقي مقنّع. من يملك القدرة والظروف ينجح، ومن فقدها يُقصى، ثم يُقال له إنه لم يجتهد.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: النازحون ليسوا “غير مجتهدين”… بل غير قادرين.

وحين تصرّ الدولة على تجاهل هذه الحقيقة، فهي لا تمارس العدالة، بل تعمّق اللامساواة نفسها، باسم العدالة.

في النهاية، لن يكون السؤال: من نجح ومن رسب؟

بل: إلى أيّ طبقة ينتمي… ومن كان يملك فرصة أصلاً؟

د. محمد موسى علوش – صحيفة البناء

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى