سلايدرمقالات

بين الميدان والسياسة: كيف تُدار معركة الاستنزاف وتُعاد صياغة موازين القوة

كتب الاعلامي حسين صدقة لم تعد المواجهة الجارية تُقرأ بمنطق الحروب التقليدية، حيث جبهات ثابتة وخطوط تماس واضحة، بل باتت أقرب إلى حرب ذكية تُدار بعقل استنزافي طويل النفس.

في هذه المعركة، كما سابقاتها، لا تتصرّف المقاومة كجيش نظامي يدافع عن حدود جغرافية، بل كقوة مرنة تعتمد تكتيك الكرّ والفرّ، والمجموعات الصغيرة، والضربات الدقيقة التي تُربك العدو وتُفقده توازنه.

من هنا، يصبح واضحًا أن هدف المقاومة ليس منع أي تقدّم بري بشكل مطلق، وفي هذا تكتيك مفيد وضروري، بل التعامل معه ببراغماتية ميدانية: تمنعه حيث تستطيع، وتشتبك معه حيث يتموضع، وتحول كل خطوة يتقدمها إلى عبءٍ عسكري وبشري كبير عليه.

هذه المقاربة أثبتت فعاليتها، خاصة بعدما سارع العدو في الأيام الأولى إلى الإعلان عن اجتياحات برية متكررة، قبل أن تتعثر تلك الاندفاعة وتخضع لإعادة تقييم تحت ضغط المواجهة وما يرافقها من خسائر يتكبّدها.

جوهر الخطة يقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آن: منع الاحتلال من الاستقرار. أي قوة غازية تحتاج إلى تثبيت مواقعها كي تحوّل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي، وهنا تحديدًا تضرب المقاومة.

فهي لا تكتفي بالمواجهة على خطوط الاشتباك، بل تنقل المعركة إلى العمق، مستهدفة مناطق تجمع الجنود والمستوطنات أو المواقع المستحدثة، لتجعل الخلفية نفسها ساحة تهديد دائم. بهذه الطريقة، يصبح الاحتلال عبئًا متحركًا لا يمكن تثبيته أو حمايته.

في المقابل، يعتمد العدو على رواية إعلامية موازية ومرتبكة، تُخفي خسائره الحقيقية وتُضخّم إنجازاته. فالإقرار بحجم الخسائر كفيل بإسقاط سردية “التفوق” التي يحاول تسويقها، وهو ما يفسّر التباين بين الوقائع الميدانية والخطاب الرسمي.

هذه الفجوة ليست تفصيلًا، بل جزء من إدارة المعركة، حيث تُستخدم المعنويات كأداة قتال بحد ذاتها.

سياسيًا، تتجاوز المعركة حدود الجغرافيا اللبنانية، ذلك أنّ إدراج الجمهورية الإسلامية في إيران للبنان ضمن معادلة وقف إطلاق النار لا يُقرأ كعبء، بل كعنصر قوة. هذا الربط يرفع من موقع لبنان التفاوضي ويمنع عزله عن أي تسوية محتملة، ويضع الملف اللبناني ضمن سلة أوسع تفرض نفسها على طاولة القرار الدولي.

الأهم من ذلك، أن هذا الترابط يخلق ضغطًا إضافيًا على الولايات المتحدة، التي تسعى أساسًا إلى احتواء التصعيد. فربط أي اتفاق بلبنان يعني أن واشنطن تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا، تدفعها للضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف الحرب، بدل تركها مفتوحة على استنزاف طويل لا يخدم مصالحها.

وفي هذا السياق، يسقط خطاب أن لبنان يخوض حربًا نيابة عن الآخرين.

الوقائع تشير إلى عكس ذلك: إدخال لبنان في أي تسوية إقليمية هو خدمة مباشرة له، لأنه يمنحه غطاءً سياسيًا ويمنع استفراده. هنا تتحول المعادلة من تبعية مفترضة إلى شراكة تفرض توازنًا جديدًا.

أما على مستوى القيادة الإسرائيلية، فتتكشف الصورة بشكل أوضح. بنيامين نتنياهو، الذي حاول بعد حرب 2024 أن يظهر بمظهر المنتصر، وأن يبني لنفسه صورة القائد الذي لا يُهزم عبر تعدد الجبهات، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف. فالمعركة الحالية أعادته إلى حجمه الطبيعي: رئيس وزراء يواجه أزمة داخلية متفاقمة، وانتقادات سياسية وعسكرية تتصاعد مع كل يوم استنزاف، فضلاً عن قضايا الفساد التي حاول التهرُّب منها تباعاً.

لقد حاول نتنياهو أن يصنع مجده الشخصي من خلال الحروب، من غزة إلى لبنان وصولًا إلى ساحات إقليمية متعددة، لكن الضربات التي طالت عمق فلسطين المحتلة، والتنسيق الواضح بين قوى المواجهة، أسقطت هذه الرواية. بدل صورة “ملك الحروب”، برزت ملامح قائد مأزوم، تتآكل قدرته على فرض معادلاته.

في المحصلة، ما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك. المقاومة تُدير معركة استنزاف تُفرغ التقدّم من مضمونه، والسياسة تواكب الميدان عبر توسيع دائرة التأثير ومنع العزل.

وبين الاثنين، تتغير موازين القوة تدريجيًا، ليس بضربة قاضية، بل بتراكم محسوب يعيد رسم المشهد بالكامل.

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى