مقالات
مفاوضات جنيف والإعلام الذي يشتهي الحرب

مثّلت مفاوضات جنيف محطّة جديدة في رحلة “فكّ العُقد المركّبة”. رحلة أجاد الإيرانيون التعامل معها بدقّة، بين المرونة المدروسة من جهة، وعدم العودة خلف الخطوط الحمر من جهة أخرى.
في المستوى الأول تمكنّت إيران من حصر إطار التفاوض في الملف النووي، بعيداً عن الضغوط المتعلّقة بالعلاقة مع الحلفاء والبرنامج الصاروخي.
وفي المستوى الثاني، تحاول ضبط التفاوض في الملف النووي نفسه، من دون أن تُفسح المجال لاقتراحات تفكيك المنشآت النووية أو وقف التخصيب بشكل نهائي أو نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب خارج إيران.
مزيج السيادة والمرونة في العملية التفاوضية يبدو معقّداً، وتسير إيران باستخدامه على جسر ضيّق بين احتمالات الحرب ونجاح الاتفاق.
الثبات الإيراني عند الخطوط الحمر يحمي السيادة من جهة، ويمنع الانفلات الأميركي باتجاه الصيغ المطلقة (تفكيك المنشآت، الوقف النهائي للتخصيب) .
المرونة النسبية ، حتى حول الخطوط الحمر، أمر ممكن، من دون أن يطغى ذلك على عنصر السيادة (تخفيض أعلى لنسب التخصيب، أو وقفه لفترة مؤقتة مثلاً).
في التغطية الإعلامية لجولة المفاوضات، أصرّ عدد كبير من وسائل الإعلام على تجاهل الصيغة المركبة للتفاوض، واستبعاد مطلق لاحتمالات الوصول إلى اتفاق، ونزع باتجاه تعميم الأخبار التي تعزّز خيار الحرب.
لا يتعلّق الأمر هنا، بالحرص على صدق التحليل والاستشراف، إنما بمحاولة خلق مناخ متوتر يعزّز احتمال الحرب، المطروح بطبيعة الحال.
منطق عمل هذه الجهات سار على سكّة ما وصفه جان بودريار، بالإعلام الذي يحاول صناعة الحدث (حدث الحرب)، بدلاً من نقله (الاحتمالات الممكنة للمفاوضات)، وليس أدلّ على ذلك من اختلاف لغة الأخبار العاجلة ومساحات التحليل بين انعقاد الجلسات وما تلاها من التصريحات ، ولا سيما تصريحات وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي.
أثناء التفاوض جرى التركيز على مجموعة من الأفكار، منها:
1. شعور ويتكوف وكوشنر بخيبة أمل من جولة المفاوضات الصباحية.
2. التركيز على تحليل تحرّكات القطع البحرية الأميركية، في إشارة إلى الاستعداد للحرب (وصول جيرالد فورد نهاية الأسبوع إلى الشرق الأوسط، تحرّك حاملة الطائرات أبراهام لينكولن من اليونان إلى حيفا، تحرك سفن أميركية تابعة للأسطول الخامس باتجاه عرض البحر، استعداد وحدة المسيرات الانتحارية الأميركية في حال تقرّر ضرب إيران).
3. فتح مساحات الحوار بشأن احتمالات ما سمّته هذه الجهات “خوض إيران حرباً على جبهات متعددة” و “احتمالات دخول حزب الله على خط الحرب”.
وجرى التركيز على نقل مواد الإعلام الإسرائيلي، الساعية أصلاً إلى إفشال أي فرصة لنجاح التفاوض.
4. احتمالات اتخاذ قرار بالحرب في حال إبلاغ ويتكوف وكوشنر لترامب عدم إحداث “اختراق” في المفاوضات.
5. التركيز على مطالب أميركية، لم يثبت طرحها جميعاً.
6. التحليل المستفيض بخصوص الخطط العسكرية المطروحة على طاولة ترامب، والموّزعة على مروحة من “ضربة محدودة” إلى “إسقاط النظام في إيران”.
7. تخفيف مفرط من درجة الخلاف داخل الولايات المتحدة الأميركية، تحديداً بين المستويين السياسي والعسكري (البيت الأبيض والبنتاغون).
لا يتعلق الأمر هنا ، بنقل هذه الأخبار من عدمه، ولكن المسألة تتعلق بالتوقيت والتركيز الكمّي عليها على حساب أخبار أخرى، أو بمعنى آخر تخصيص الحصة الأكبر من حزمة الأخبار والتحليل لحساب احتمالات الحرب على حساب احتمالات نجاح التفاوض.
هو ببساطة مشهد مشابه لليلة وقف إطلاق النار للحرب على لبنان عام 2024، عندما كان عدد من وسائل الإعلام، في الأغلب نفسها، يحاول تعزيز احتمالات الفشل واستمرار الحرب!
بعد اختتام المفاوضات، حدثت إزاحة في آلية المعالجة للاتساق مع التصريحات، التي اعتبرها بعضهم مفاجئة؛ أن الجولة المقبلة تتضمن نقاشاً في التفاصيل التقنية، التي لا يمكن أن تحدث في ظلّ تصلب غير قابل للحل في نقاش المبادئ، وتحوّل صورة هذه الجولة من مفاوضات النافذة الأخيرة، إلى تمهيد للمفاوضات التقنية، وارتفاع منسوب الجدّية الأميركية في التفاوض.
في منطق التحليل العام، يبدو الأمر غير عقلاني في استبعاد احتمال الحرب، وتبقى الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات:
1. حرب مستعجلة تقطع طريق المفاوضات.
2. حرب مؤجلة بسبب عدم نضوج إمكاناتها الآن، واتباع سياسة هنري كيسنجر في ال”خطوة -خطوة” ، والتنقل التدريجي من الملف النووي إلى الملفات الأخرى، التي تمكنت طهران من وضعها على الرّف أثناء التفاوض الحالي (العلاقة مع الحلفاء، البرنامج الصاروخي)
3. الاتفاق الكافي لإفساح طريق أوسع للدبلوماسية.
لا تتعلق المسألة هنا بالحوار العلمي بشأن الاحتمالات، وهذا مطلوب، ولكنها تتعلق بتفسير هذه الحماسة لعدد من الجهات الإعلامية لاحتمال الحرب المستعجلة، بتقاطع، يحدث كثيراً، بصدفة وغير صدفة، مع التوجهات الإسرائيلية!
محمد فرج-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



