أخبار لبنان

“الدولة العميقة” تضحك الآن كثيرا في سرِها…

القاضي نواف سلام أصدر القرار الموجع وعاد وبرر: لهذا فعلنا هذا. إحتجنا إلى 800 مليون دولار ولم يكن أمامنا حلاً سريعاً سوى توفير المبلغ من الناس. فهل إقتنع الناس بما قال؟ لا. الحكومة اللبنانية ليست في أمان.

حصل كل ما حصل، والإتحاد الذي أسس باسم الناس والعمال في “سابع نومة”. يستفيق قليلا ليعود ويغط في سبات عميق. بسام طليس مثلاً هدد: “سنتحرك في الشارع إذا لم نتوصل إلى حلول قبل الثلاثاء”. فلنتركه يرتاح مع حبة “فاليوم” إلى ذاك الحين. حكى رئيس الحكومة لكن كلامه حلّ في آخر العناوين. لم ينجح دولته في الشرح والتفسير وطلب الرحمة لحكومته: “لجأنا إلى الخيار الصعب لتوفير المال فوراً”.

هو حكى “صحّ”- وشرح العمل الجاري لتعزيز النظام الضريبي ومكافحة التهرب وتحسين الجباية الجمركية وتحصيل المال من المقالع والكسارات و.. و… لكن الناس- بلا شعبوية- يشعرون “بالسخن”.

وقع دولته- الذي هلل كثيرون لمجيئه- في المحاذير والمحاظير الشعبية. الضريبة المباشرة أصابت حكومته- كما أصابت فقراء البلد- في الصميم.

البنانيون تعبين، منهكين، محطمين، محبطين. فكيف سيستعيدون الثقة بحكومة إستسهلت مدّ اليد إلى جيوبهم؟ باللهِ عليكم، كيف لدولته أن يتخذ الآن بالذات هكذا قرار ضريبي مباشر؟ من يستفيد الآن من فقدان الثقة بحكومة إنتظرها كثيرون طويلاً وصفقوا لها مرحبين؟ دولة الرئيس نواف سلام أخطأ ولو عن غير قصد.

ألم يخبر أحد دولته عن حكومات فقد الناس الثقة بها فسقطت على وقع “طرطقة الطناجر”؟ عمر كرامي- دولة الرئيس الراحل- أسقطته “ثورة الجياع” في الشارع في أيار 1992. سبع حكومات لبنانية أسقطت في الشارع. ألم يُفكّر سلام بها يوم قرر ما قرر؟مارون الخولي، رئيس الإتحاد العام لنقابات عمال لبنان، أحد الوجوه النقابية التي بُحّت أصوات أصحابها لكثرة ما أنذروا وهددوا وتوعدوا وما أدهشنا أنه متفاجئ مثلنا. فماذا لديه ليقول اليوم؟ أجاب: “ما قامت به حكومة نواف سلام لم تقم به سواها.

قررت الحكومة من دون أن تنتبه لتداعيات خطوتها. إنها المرة الثانية التي تقوم بها بهكذا خطوة. في المرة السابقة عاد وأنصف مجلس شورى الدولة الناس ضد حكومة تجاوزت سلطتها وألغى الزيادة على ضريبة المحروقات. ألبرت أينشتاين قال: الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة. حكومة نواف سلام كررت الخطأ مرتين”.

أخطأ نواف سلام. هناك من دفعه ليُخطئ. ثمة أذناب في هذه الدولة العميقة يهمها أن يُخطئ فتخفّ عزيمته باتجاه ملفات تُقلقها. هناك من قرر- ونجح- في جعله يقع في متاهة الضرائب اللاشعبية ليُصبح من هو معه ضده ومن هو ضده يبتسم. نواف سلام رجلٌ تواق إلى إحقاق العدالة لكن من تمرسوا في البلد بإرساء الجور أقوى منه. جعلوه ينزلق ونجحوا. وهنا، لا بُدّ من السؤال، ماذا عن مستشاريه؟ ماذا عن حلقات الأصدقاء المحيطين به؟ ألم ينصحوه؟

في كلِ حال، في حساب سريع يُعطي مارون الخولي هذه المعادلة: “الزيادة الضريبية على البنزين نسبتها 21 في المئة. يعني من شأنها- عكس كل النظريات الاخرى- زيادة الغلاء بنسبة ثلاثين في المئة. وإذا كان الحدّ الأدنى اليوم هو 320 دولاراً، فهذا معناه أن الحكومة أخذت من جيب المواطن نحو مئة دولار. فكيف لمواطنٍ يئن يومياً أن يُسحب منه هذا المبلغ ويصمت؟”.

المواطن اللبناني تعب. يقولون أنه يتحرك على “الريموت كونترول” ويراهنون أنه اليوم لن يتحرك، لكنهم نسوا أنه لكثرة ما تعرض من ضربات ما عاد الحراك سهلاً عليه، لكن، الخوف- كل الخوف- من المياه الراكدة.

الدولة هيبة. فلتستعد دولتنا هيبتها سريعاً. نواف سلام صارح اللبنانيين مؤكدا المضي نحو نظام ضريبي جديد يُخفف العبء عن أصحاب الدخل المحدود. هو صادق في ما قال لكن الناس بحاجة إلى خطوات اليوم لا غدا. إنهم يأكلون الضربات المتتالية ويقولون لهم: غداً أفضل. لذا، ما عادوا يصدقون. اللبنانيون الكادحون رأوا دولتهم البارحة تمدّ يدها إلى جيوبهم لتمويل كادحين آخرين. وهذا- في علم الإقتصاد- غباء.

سؤالٌ يطرح اليوم، في ظلِّ كل “المعمعة” التي نعيشها: أين الإتحاد العمالي العام؟ أين بشارة الأسمر؟ هو التقى نواف سلام وخرج ليقول: الواقع سيء للطبقة العاملة… وموقفنا رافض كإتحاد لكل الرسوم والضرائب التي طُرحت”. كلام دُرر. وماذا لو لم تستجب الحكومة؟ أجاب: “يبنى على الشيء مقتضاه”. جوابٌ “مبكل”.

 الأسوأ في كل ما حصل أخيراً أنه أكد للناس- للبسطاء من الناس بالتحديد- أن كل التغيير الذي أرادوه مع مجيء العهد الجديد لم ينطلق بعد. فيدّ الحكومة لا تزال “طويلة” عليهم. وثمة من يعمد- على الدوام- إلى إلهائهم ليسهل عليه تمرير ما يريد. وما يفعل بهم ذلك كرره أيضاً مع نواف. ألا تتذكروا آخر مشهد مباشر من آخر موازنة منقولة تلفزيونياً؟ هل نسيتم علي حسن خليل يحكي باسم الطبقة الكادحة من موظفي الدولة والعسكريين والمتقاعدين حاشراً الحكومة في الزاوية؟ حُشر نواف سلام فأخطأ التصرف.

الناس- يا حكومة- ما عادوا قادرين على الهدوء والصمود. الضرائب تلاحقهم “متل الشتي”. قبل شهرٍ وصلت “إيميلات” إلى كثير من الكادحين تطالبهم فيها وزارة المال بسداد رسوم تهربوا منها قبل خمسة عشر عاماً. كيف؟ أين؟ لماذا؟ لا يهم. وزارة المال ستحيلهم إلى النيابة العامة المالية إذا لم يفعلوا في غضون أيام. الكادحون عادة لا يتهربون. لذلك، خافوا فهرولوا إلى ماليات المناطق وسددوا من فتات ما صمد من عرق الجبين. هذا ترشيد؟ هذه عدالة؟ يا حرام، سدد هؤلاء عن ما لا يدرون. فهل أخبر وزير المال دولة الرئيس بذلك؟

هل ينتبه دولة الرئيس ووزير المال والدولة بأمها وأبيها إلى مئات آلاف المسنين في البلد ممن ليس لهم معيل؟ هؤلاء يا سادة ما زالوا في دولة تقول أنها تعمل على “الترشيد” يموتون في فراشهم. هؤلاء ما عادوا حتى يجرؤون على مراجعة طبيب كي لا يصف لهم دواء وعلاج. تفرضون ضرائب؟ تطالبون الناس بالقيام بواجباتهم؟ ماذا عن واجباتكم أنتم. سمعنا نوابنا الكرام يتحدثون عن أشياء كثيرة في جلسات الموازنة لكن لم نسمع حرفاً عن من ليس لهم أحد إلا السماء. فمن أين يسددون؟ وعلام يحصلون؟ تذكروهم قبل أن يرحلوا.

للدولة حقوق يا دولة الرئيس القاضي نواف سلام وعليها واجبات. لا تنسى هذا. ولا تستسهل مفاعيل مدّ اليد على من لم يبق لديهم شيء يخسروه سوى ملاليم راتب آخر الشهر هذا إن وُجد.

ماذا بعد؟ هل إنتهت الأمور عند هذا الحدّ؟ هل سيُطوى الملف أمام ملف آخر يقترب؟

هناك من ينغل اليوم في الأقبية العمالية- لا الإتحاد العمالي العام طبعا- لجعل الحكومة تتراجع عن قرارها. وماذا لو لم تفعل؟ هناك شيه حسم بأن الشوارع ستتحرك. ستتفاجأ الحكومة بتحركات غير متوقعة أشبه بقرارها الفجائي. ويقول أحد متابعي ملفات الكادحين: لا نريد أن يتدخل الطابور الخامس في ما سنفعله لهذا نأخذ اليوم كل التحركات المقبلة بكثير من العناية. سننشط على الأرض على مستوى كل لبنان بشكلٍ موجع. تحركاتنا ستكون مثل قراراتهم موجعة.

نصدق؟ صدقاً لا. لأننا مدركين أن الدولة العميقة ما زالت حاضرة. أقل قوة لكنها حاضرة. هي تريد اليوم إسقاط الحكومة لا إستعادة الحقوق. نواف سلام اخطأ لأنه واضح وصادق كي لا نقول ما قاله لنا احد الناشطين: هجين بين القوة والغباء (وعذراً دولة الرئيس). إستدرجت فأخطأت. وأكثر من يضحك الآن في سرهم هم من يريدون إقحامك لإخراجك. فإذا خرجت سالماً مما حصل فاحسب خطواتك المقبلة جيداً.

نوال نصر – ليبانون ديبايت

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى