مقالات

حافة الهاوية: بين عقل التاجر الأميركي وصاحب البازار الإيراني

بالتزامن مع المفاوضات الأميركية الإيرانية، يضج الإعلام العبري والأميركي بالتهديد بعمل عسكري ضد إيران، إضافة إلى تحديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فترة أيام محدودة لتوقيع الاتفاق وإلا.

هذه التهديدات والحشود المتزامنة مع المفاوضات، تجعلنا أمام مواجهة فريدة من نوعها؛ حيث تتصادم “عقلية تاجر العقارات” التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع “ثقافة البازار” المتجذرة في السياسة الخارجية الإيرانية.

في هذا السياق، يكون التهديد والتحشيد الأميركي خياراً عسكرياً يستخدمه ترامب كأداة ضغط “تفاوضية” لدفع إيران إلى تقديم تنازلات مؤلمة لا يمكنها أن تقدمها إلا إذا شعرت بالتهديد (بحسب تصوره).

وعلى هذا الأساس، فإن التفاوض الدائر حالياً بين الولايات المتحدة وإيران، يعكس صراع إرادات بين مدرستين في التفاوض: ثقافة “البازار” مقابل ثقافة “تاجر العقارات”. ورغم اشتراك النموذجين في “البراغماتية النفعية”، إلا أنهما يفترقان جوهرياً في تعريف “القيمة” ووحدة القياس الزمني وتكتيكات التفاوض، ويمكن مقارنتهما على الشكل التالي:

أولاً: فلسفة الزمن وإدارة التفاوض

في الوقت الذي ينظر فيه تاجر العقارات إلى الوقت بوصفه “كلفة”، حيث يمثل الركود تآكلاً لرأس المال وضياعاً للأرباح المفترضة؛ يبرز مفاوض البازار باستراتيجية “النفس الطويل”. ففي البازار، يُعد الصبر أداة استنزاف، ويتحوّل عامل الزمن من عبء اقتصادي إلى ضغط استراتيجي يُجبر الطرف الآخر على تقديم تنازلات لإنهاء حالة الجمود.

على سبيل المثال، حدد الرئيس ترامب مهلة زمنية قاطعة تراوح بين 10 إلى 15 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي، مهدداً بعمل عسكري “محدد وصادم” في حال تجاوز هذا التاريخ.

يرى ترامب أن بقاء الأساطيل الأميركية (مثل حاملتي الطائرات أبراهام لينكولن وجيرالد فورد) في حالة استنفار بالخليج يمثل كلفة تشغيلية وسياسية باهظة لا يمكن تحملها من دون “إغلاق” الصفقة بطريقة رابحة.

بالنسبة إليه، كل يوم يمر من دون توقيع هو “خسارة” تمنح إيران فرصة لترميم اقتصادها المنهار أو امتصاص ضغط الشارع، لذا يضغط للحسم السريع لتحويل “الاستثمار العسكري” إلى “ربح سياسي” قبل الدخول في معارك دولية أخرى.

بدلاً من الرضوخ، تعمد طهران إلى رفع “قيمتها السوقية” عبر خطوات تصعيدية مدروسة (المناورات البحرية)، محولةً التهديد العسكري إلى وسيلة لرفع ثمن “تخفيض التوتر”. في البازار، يُعد عرض “الهدوء” سلعة ثمينة لا تُمنح إلا مقابل تنازلات اقتصادية سيادية، كرفع العقوبات الشامل.

غير أن استراتيجية “النفس الطويل” ليست بلا كلفة حالياً. فالإفراط في المماطلة ومع ترامب تحديداً، قد يحوّل الزمن من أداة ضغط إلى عامل استنزاف داخلي بسبب سياسة العقوبات القصوى. كما أن إطالة أمد التفاوض قد تدفع ترامب إلى تفعيل الخيار العسكري خاصة في ظل الضغوط الإسرائيلية التي تسعى لهذا الخيار، وهو ما حصل خلال جولة التفاوض الأولى التي انتهت بحرب حزيران 2025.

ثانياً: استراتيجية “الاستحواذ الكلّي” مقابل “البيع بالقطعة”

يسعى ترامب إلى عملية “استحواذ عدائي” وفرض استسلام كامل على إيران، مستغلاً الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية في إيران لفرض اتفاق شامل ينهي الملفات العالقة كافة دفعة واحدة. هذه العقلية تفضل الخروج بنتيجة نهائية وحاسمة.

على الضفة الأخرى، ترفض إيران “الصفقة الشاملة” وتتمسك بـ “المقايضة الجزئية”. بالنسبة إلى المفاوض الإيراني، إن بيع الأوراق “جملة واحدة” يعني فقدان القدرة على المناورة مستقبلاً.

لذا، يقدم تاجر “البازار” تنازلات تكتيكية (مثلاً تعليق مؤقت لبعض أجهزة الطرد المركزي) مقابل مكاسب تكتيكية مقابلة، مع الحفاظ على “أصول القوة” الاستراتيجية بعيداً عن طاولة التفاوض النهائي.

ثالثاً: اختلاف التكتيكات وتصوّر النتيجة

تعتمد عقلية تاجر العقارات على “تحسين الأصول” القائمة لرفع سعرها. في المقابل، توظّف ثقافة البازار استراتيجية “حافة الهاوية”؛ فهي تستخدم الأزمات لخلق “قيمة تفاوضية” من العدم، ثم تقايض التراجع عن هذه الخطوات التصعيدية بمكاسب سياسية أو اقتصادية ملموسة.

وفي وقت يحتاج فيه تاجر العقارات إلى “شفافية مشروطة” تؤدي في النهاية إلى عقد ملزم ونهائي، يستخدم مفاوض البازار “الغموض البنّاء”.

هذا الغموض هو مساحة المناورة بين الثوابت الأيديولوجية والضرورات البراغماتية. وينعكس هذا التباين أيضاً في دور الوسطاء؛ فبينما يراهم التاجر مجرد “سماسرة” وظيفتهم تقنية لجلب أعلى عرض، تحولهم ثقافة البازار إلى “قنوات متعددة” لخلق منافسة دبلوماسية تمنع احتكار طرف واحد لعملية الوساطة.

ويكمن الفارق الجوهري أيضاً في الغاية النهائية التي يريدها كل طرف من التفاوض، فبينما يبحث تاجر العقارات عن “استراتيجية خروج” رابحة ونهائية، يستميت صاحب البازار في سبيل “استراتيجية استمرارية”.

التاجر قد يبيع العقار ويغادر السوق إذا ساءت الظروف، لكن مفاوض البازار لا يترك “دكانه” أبداً؛ هو يعيد ترتيب البضائع على الرفوف، ويغير واجهة العرض، ويستثمر في الجمود كآلية للبقاء، محولاً الضعف المادي إلى قوة تفاوضية صلبة.

وعليه، إن جوهر الصراع حالياً بين الأميركيين والإيرانيين هو صراع بين “منطق النتيجة” (ترامب) و”منطق العملية” (إيران).

التاجر يريد العودة بـ “صك ملكية” نهائي لإعلان انتصار سياسي سريع، بينما صاحب البازار يريد من التفاوض الحفاظ على الدولة وتحييد الخيار العسكري والتوصل الى “اتفاق” يمنحه وقتاً لترميم جبهته الداخلية وتحسين الوضع الاقتصادي.

وفي النهاية، لتحقيق نتيجة مناسبة وتجنّب الحرب، يبقى المشهد التفاوضي رهناً بقدرة الطرفين على إيجاد “نقطة توازن”؛ حيث يقبل التاجر بـ “عقد إيجار” طويل الأمد للاستقرار بدلاً من “صك ملكية” كامل، ويقتنع صاحب البازار بأن ثمن الحفاظ على “الدكان” يتطلب أحياناً التضحية ببعض “البضائع النفيسة”.

ليلى نقولا – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى