مقالات
شباط الشهادة وجردة حساب وطنية
تمتلئ ذاكرة شهر شباط/فبراير في لبنان بروح التضحية التي شكّلت القوة الدافعة للمقاومة. هذه الروح تجسّدت في تقديم المقاومة قادتها شهداء على طريق تحرير الأرض والدفاع عن البلاد.
فمن 12 شباط/فبراير، ذكرى شهادة القائد الجهادي الكبير عماد مغنية، مرورًا بـ16 شباط، ذكرى شهادة الأمين العام السيد عباس الموسوي والشيخ المقاوم راغب حرب، وصولًا إلى 23 شباط، حين ودّعت المقاومة ولبنان والعالمان العربي والإسلامي وقوى التحرر العالمية الأمينين العامين لـحزب الله، سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين.
ومن المناسب أن يكون هذا الشهر فرصة لجردة حساب وإجراء مقارنة بين مرحلتين في لبنان: مرحلة ما قبل 7 تشرين الأول 2023، حين كانت المقاومة تتقدّم على الدولة، ومرحلة ما بعد اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، عندما قررت المقاومة أن تقف خلف الدولة.
خلال المرحلة الأولى التي بدأت عام 1982، انطلقت المقاومة في ظل الغياب شبه الكامل للدولة، وفي ظل احتلال العدو للعاصمة اللبنانية، فجسّدت إرادة شعب يرفض الخضوع للاحتلال أو القبول به. واستمرت على هذا النهج، محققة إنجازات متلاحقة تمثلت في إجبار العدو على الانسحاب تدريجيًا من بيروت والجبل وصيدا وصور والبقاع الغربي.
وفي عام 2000، استكملت المقاومة إنجازاتها بتحرير معظم الأراضي اللبنانية، واستعادة الأسرى من سجون الاحتلال، وترسيخ معادلة ردع امتدت لأكثر من 18 عامًا، حالت دون تنفيذ العدو أي اعتداء واسع على الأراضي اللبنانية.
لكن بعد الحرب الأخيرة، التي استخدمت فيها “إسرائيل” قوة نارية مفرطة ودقيقة، معتمدة على قدرات استخبارية واسعة، ما أدى إلى تعرض المقاومة لاستهدافات قاسية ومؤثرة، فانتقلت من موقع التقدّم على الدولة إلى موقع الوقوف خلفها.
وقد جاء هذا الـقرار انطلاقًا من رغبة المقاومة في تعزيز الشراكة الوطنية، والأخذ في الاعتبار آراء مختلف اللبنانيين، الذين يُبدي بعضهم تفضيلًا لاعتماد السبل الدبلوماسية وتولّي الدولة مسؤولية الحماية واستعادة الأرض وتحقيق السيادة. فكان قرار منح فرصة لأصحاب هذا الرأي حرصًا على الوحدة الوطنية، ومدّ اليد إلى جميع المكونات اللبنانية، والتأكيد أن المقاومة هي في صلب مشروع بناء الدولة.
اليوم، في ذكرى الشهداء القادة، تُفتح المقارنة بين المرحلتين:
في المرحلة الأولى، وتحديدًا بعد تحرير عام 2000، كانت “إسرائيل” تتجنب استهداف أي مقاوم لبناني، سواء على الأراضي اللبنانية أو حتى السورية. كما خلت السجون الإسرائيلية من الأسرى اللبنانيين، واستُعيدت جثامين الشهداء. ولم يكن العدو يجرؤ على التقدم ولو مترًا واحدًا داخل الأراضي اللبنانية، وتمكّن لبنان من تثبيت حقه في النفط والغاز.
وكانت صرخة الرائد في الجيش اللبناني الشهيد محمد فرحات كافية لإعادة جنود العدو إلى الخلف عندما حاولوا التقدم خطوات داخل الأراضي اللبنانية، فيما لا تزال قصة «الخيمة» الشهيرة راسخة في الأذهان.
أما اليوم، في المرحلة الثانية، فنشهد تراجعًا كبيرًا وغير مسبوق في مختلف المكتسبات التي تحققت. إذ يعمد العدو الإسرائيلي إلى اغتيال مواطنين لبنانيين بأسلوب الإعدام بدم بارد عبر الطائرات المسيّرة، في مناطق لبنانية متعددة، من دون أي اعتبار للمعايير الإنسانية أو القانونية. ويستهدف جرحى وأطفالًا ونساءً وأعضاء مجالس بلدية وإعلاميين ورجال دين.
كما تستهدف الطائرات الحربية أملاك المواطنين ومنازلهم والمصالح الاقتصادية والمؤسسات العامة. وفوق ذلك، يُقدم العدو على خطف مواطنين لبنانيين من داخل الأراضي اللبنانية، ويحتجز آخرين في سجونه من دون السماح حتى للصليب الأحمر بزيارتهم أو الاطلاع على مصيرهم.
ويواصل اعتداءاته المفتوحة على القرى اللبنانية بهدف إفراغها من سكانها ومنع إعادة إعمارها. والأخطر من ذلك تصاعد الحديث عن نيات استيطانية في الأراضي اللبنانية، ومحاولات اختراق الحدود من قبل مستوطنين في أكثر من نقطة، وهي من الأساليب الصهيونية المعهودة في سياسات التوسع وفرض الوقائع.
إن جردة الحساب هذه تكشف بوضوح الفارق الواسع بين المرحلتين، وتجعل كل مواطن لبناني حر، ولا سيما أبناء الجنوب، يشعر بأن زمن المقاومة كان زمنًا شعر فيه اللبناني عمومًا بفائض من الكرامة، استند إلى إنجازات ملموسة جعلت الدولة والشعب يقفان بشموخ وعزة. فقد كان لبنان محاطًا بقوة ردع شكلتها المقاومة وسلاحها وإرادتها ودماء شهدائها، قادةً ومقاومين.
هذه الحقيقة، المبنية على التجربة والوقائع الميدانية، تفرض على الدولة والسلطات اللبنانية إجراء مراجعة شاملة لأدائها. فالمقاومة التي ارتضت، عن قناعة كاملة، تعديل سلوكها وأعلنت بوضوح أنها تقف خلف الدولة، إنما فعلت ذلك إدراكًا منها للتحولات التي طرأت على الواقع. لكنها في الوقت نفسه مقاومة مسؤولة، معنية بأمن شعبها وحماية وطنها وصون إنجازاتها، وليست في وارد التفريط بها تحت أي نوع من الضغوط أو التهديدات أو التحديات. وكل ما تطلبه أن تواكبها الدولة بأداء مسؤول ومتوازن يجمع بين الشجاعة والحكمة.
في المرحلة الأولى، قدمت المقاومة نموذجًا متقدمًا تكاملت فيه ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة. ورغم امتلاكها هامشًا من المبادرة الذاتية خفّف الأعباء عن الدولة في تحمّل تبعات العمل المقاوم، فإنها حرصت في الوقت عينه على ألا تحلّ محل الدولة، وألا تصادر وظائفها أو تعطل دورها. وقد تجلى ذلك في أداء سياسي اتسم بالتوازن والدقة، إذ أعلنت مرارًا أن القرار النهائي في ملفي الحدود البرية والبحرية يعود إلى الدولة، وأن مسؤولية الأمن الداخلي وضبط الاستقرار تقع على عاتقها.
كما عملت على إحياء المؤسسات الوطنية وتفعيلها، وانطلاقًا من إدراكها لخصوصية الواقع اللبناني وطبيعة تكوينه السياسي، وكذلك محدودية موارد دولة صغيرة كلبنان، وسعت إلى الإبقاء على الدولة قائمة والمساهمة في تقويتها قدر المستطاع. وشاركت بفاعلية في السلطة، سواء عبر المجلس النيابي أو في الحكومات، لا سيما بعد عام 2005.
في المقابل، يتطلع جمهور المقاومة اليوم إلى الدولة بقلق وترقب.
الدولة في هذه المرحلة معنية بإيجاد صيغة تُمكّنها من أداء واجباتها في حماية البلاد وتحرير الأرض وتحقيق السيادة، مستندةً إلى عنصر القوة المتمثل بالمقاومة. غير أنّها ارتكبت خطأً فادحًا عندما أدارت ظهرها لأربعين عامًا من الإنجازات، فبدل الاعتراف بما حققته المقاومة في مجالي التحرير والردع والبناء عليه، ذهبت بعيدًا في إرضاء الرغبات والإملاءات الخارجية، وسعت إلى تقديم أوراق اعتماد لدى الولايات المتحدة الأميركية عبر التنكر لتاريخ لبنان المقاوم وتحرير أرضه، والانخراط في تنازلات متتالية جعلتها أسيرة مفاهيم تفقد معها عناصر قوتها من دون أن تجني في المقابل أي مكسب حقيقي.
إن جرس الإنذار الخطير المتمثل في تحركات المستوطنين الصهاينة على الحدود الجنوبية يجب أن يوقظ الدولة من سبات الاستكانة للمطالب الأميركية والإسرائيلية، ويدفعها إلى تحرك جدي وفاعل، يتسم بالمسؤولية الوطنية، لوقف مسار التنازلات المجانية.
كما يفترض بها إعادة ترتيب أولوياتها وفق ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري، من خلال إلزام العدو بتطبيق مندرجات اتفاق وقف إطلاق النار: الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، وقف الاعتداءات، إطلاق الأسرى، إعادة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.
هذه الخطوات تشكل المدخل الحقيقي لتولي الدولة مسؤولياتها والتقدم في موقعها أمام المقاومة. وإلا فإنها ستكون مسؤولة عن إضاعة الفرصة التي منحها إياها الشعب اللبناني، الذي أظهر حرصًا استثنائيًا على دولته.
لقد استقبل أبناء الجنوب رئيس حكومتهم بحفاوة لافتة، تعبيرًا عن توقهم إلى دولة تتحمل العبء الذي حملوه لأكثر من سبعين عامًا، جيلًا بعد جيل. فالأرض والكرامة والحرية كانت ولا تزال خطوطهم الحمراء، وقد قدموا في سبيلها الغالي والنفيس. واليوم، تقع على عاتق الدولة مسؤولية إثبات استعدادها لتحمل هذه الأمانة.
وإلا، فقد تجد البلاد نفسها مجددًا أمام واقع تتقدم فيه المقاومة على الدولة. وعندها سيكون على جميع المكونات اللبنانية تقبل نتائج هذا المسار وظروفه، إذا ما ثبت عجز الدولة عن أداء واجباتها تجاه شعبها. فمن يتحدث عن الكلفة العالية لخيار المقاومة، عليه أيضًا أن يقرّ بأنها حققت فائضًا من الكرامة الوطنية؛ في حين أن تقصير الدولة يكلّف لبنان أثمانًا باهظة، ويعرّض أرضه وسيادته لمخاطر جدية، في ظل شعور متنامٍ بالإهانة الوطنية، وهو أمر لا يمكن أن يستمر.
ولطالما أكد الأمين العام لـحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أن «لكل شيء حدًا». وعليه، فإن على المسؤولين استيعاب خطورة المرحلة، والعمل على تصويب أدائهم، وإلا فإن المقاومة ستكون معنية بوضع حد لما تعدّه استباحة يومية للبلاد والعباد.
بثينة عليق – الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



