أخبار عربية
ماذا تفعل «السلفية الجهادية» في معرض دمشق؟

يقطع الزائر لـ «معرض دمشق الدولي للكتاب» مسافة تزيد عن ٣٠ كم، ليجد نفسه أمام خيار قسري بركن سيارته في مرآب ترابي، ليسلك طريقاً ترابية سيراً على الاقدام وصولاً إلى باب المعرض الذي لن يكون مفاجئاً بالمطلق وجود رقابة أمنية مشددة لحمايته.
لن يكون مدهشاً بالنسبة للسوريين أن يرى الحجم الأكبر من الكتلة البشرية الحاضرة في مدينة المعارض وقد اتجهت إلى المطاعم والباحات التي تجاور أجنحة معرض الكتاب، بينما أقلّ من الثلث يتجول بين الدور العارضة ليقرأ عناوين تحضر للمرة الأولى في دمشق لمحمد بن عبد الوهاب وابن تيمية وبن عثيمين، وغيرهم من الاسماء المثيرة للجدل.
وبرغم أنّ المعروض من الكتب الدينية يشكل السواد الأعظم من العناوين المطروحة بما في ذلك كتب الأطفال والناشئة، إلا أنّ دور النشر قد تكون قد مارست رقابة ذاتية مشددة على ما تعرضه في هذا الجانب من مطبوعاتها، فلم تطرح أي كتاب قد يكون ثمة «فيتو» ديني على طرحه من قبل «الانتقالية»، فكلمة ممنوع لم تنته في مرحلة ما بعد الأسد من قاموس السوريين، لكن تغيير شكل ما يندرج تحتها على ما يبدو، ولا يحتاج الأمر لقرار معلن بل مجرد فهم لطبيعة المرحلة من قبل العارضين.
بين الأجنحة الوزارية، يحضر جناح وزارة الدفاع ليثير الجدل، فالمعروض كتب تمجد «السلفية الجهادية»، وأسلحة استخدمت من قبل الفصائل قبل أن تصبح جيشاً بسقوط الأسد. وفي مقطع فيديو متداول عبر مواقع الاجتماعي، يظهر أحد العارضين وهو يحدث مجموعة من طلاب المدارس الصغار في السنّ عن فعل «مدفع جهنم» الذي يعرض بجانب أسلحة، ومدى تأثير قذيفته المصنوعة من اسطوانة غاز منزلي حين كانت تسقط على «مناطق النظام».
والمفارقة أن أطفال المدارس الدمشقية كانوا يعيشون في شتى المناطق الذي قصفت بهذا السلاح.
في جناح وزارة الإعلام، توزع صحيفة «الثورة» السورية وهي «تحديث لصحيفة «الثورة» الحكومية، أعداد مجانية على المارة، وقبل أن يصل الزائر إلى جناح الصحيفة سيكون قد مرّ بجناح مؤسسة الداعية السعودي عبد الله المحيسني الذي كان يعيش في كنف «جبهة النصرة» في إدلب قبل أن ينتقل إلى كنفها الجديد في دمشق حين باتت تشكل نواة الحكومة الانتقالية ورأسها القوي، ويعمل العارضون في هذا الجناح على توزيع نسخ مجانية من القرآن والتعريف بأنشطة المؤسسة الدعوية.
خصّص المعرض جناحاً للكتب الكردية في المعرض، في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ السوري.
والمعروضات نسخ قليلة أو وحيدة من كل عنوان، وسيكون مفاجئاً أن يعرف الزائر بأن الكتب المعروضة ليست للبيع وإنما للعرض فقط والفتاة الأنيقة بفستانها التراثي الكردي ستجيب من يسأل عن أماكن بيع هذه الكتب أو آلية الحصول عليها من خارج المعرض، قائلةً: «لا أعرف»، ليكون الجناح الكردي خافت الحضور كصوت آلة «البزق»، التي يعزف عليها شاب كردي ضمن الجناح في المعرض الصاخب.العناوين الثقافية والآداب حاضرة في المعرض لكن السؤال عن الكتب التي كانت ممنوعة في زمن الأسد مثل رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة، سيلاقي جواب «عدم توفرها» مع العلم أنها رواية تتخذ مكانها من «سجن تدمر» سيء الصيت وزمانها يمتد على ثلاثة عشر عاماً من اعتقال البطل. وكأن هذا النوع لم يجد طريقه للقارىء السوري برغم كل ما حدث من تغيير في سوريا، لكن ذلك لا يعني ألا ممنوعات جديدة على ما يبدو، فمثلاً في كل المعرض لم يشاهد مراسل الأخبار أي كتاب لنزار قباني، أو محمود درويش، ربما لأن منشوراتهما تحتوي على «ما يخدش الحياء العام» بصورته الجديدة.
الأسعار المخفضة في المعرض تقف عند حد ٢٥ ألف ليرة سورية (2.4 دولار أميركي).
قد يبدو السعر معقولاً أول الأمر، لكن حين التذكير بأن متوسط راتب الموظف الحكومي يقف عند عتبة ٨٥ دولاراً، سيكون سعر الكتب غير منخفض البتة.
وعموماً، فإنّ المعروض من العناوين المخفضة قليل جداً، وأسعار الكتب ليست في متناول الجميع.تخرج غالبية الزوار من دون أن تشتري كتاباً واحداً، وفي الباحات سيكون طبيعياً بالنسبة للسوريين أن يجدوا حلقةً من الشبان يرددون أناشيد جهادية يفصل بين الواحد منها والآخر هتافات تكبير، هذه الصورة ربما تختصر كل حكاية المعرض في عيون من اعتادوا التنوع الثقافي.
المصدر: الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



