مقالات

عامٌ على انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة.. هل تراجعت الإيجابية؟

بعد عام على انتخاب الرئيس الجديد في لبنان وتشكيل الحكومة، لا تبدو الأمور بالإيجابية نفسها التي كانت عليها الأجواء منذ عام أو التي يتكلم عنها المسؤولون اليوم.

في الموضوع المعيشي والاقتصادي، الأمور على حالها تقريباً إن لم تكن أصعب.

متقاعدون ومتعاقدون في المؤسسات الرسمية يشكون من عدم الاستماع إلى مطالبهم وعدم تحقيق الوعود المعطاة لهم، وقصص حزينة كثيرة تُسمع في المجتمع بشكل يومي عن معاناة المواطنين، وخصوصاً من هم في الأسلاك الأمنية والعسكرية.

في المقابل، تعيينات كثيرة في الفئة الأولى والهيئات الناظمة قيل إنها ستتم وفق منصة علمية وآلية شفافة، لكنها في الحقيقة يبدو أنها لم تخرج عن الطرق التقليدية السابقة في المحاصصة والمحسوبية والمعايير الغامضة الملتبسة.

كثير من الأسماء المعيّنة أيضاً أثار ردود فعل غاضبة بسبب ماضٍ شائك غير شفاف أو شبهات فساد.

هناك أيضاً قانون الفجوة المالية الجدليّ. آلاف المودعين لا يزالون يعانون من حجز أموالهم، وكل يوم يمر تتناقص قيمة هذه الأموال بطريقة غير عادلة، بما يفيد المصارف عبر شطب قسم كبير منها بغير قيمتها الفعلية.

ست سنوات مضت على بداية الانهيار المالي الكبير في لبنان والحكومات والمجالس النيابية لا تزال عاجزة عن إطلاق عجلة الحل فيما يبدو كأنه تواطؤ مقصود لتقليل خسائر المصارف وقيمة الودائع الفعلية.

قانون الفجوة جيد كمبدأ لأنه يضع طريقاً للحل، لكنه يطرح أيضاً العديد من الأسئلة والتساؤلات عن عدالته، وأهمها مبلغ الـ100 ألف دولار كسقف للودائع التي سيتم دفعها بشكل مباشر في السنوات المقبلة، وهو مبلغ صغير وغير عادل يجب أن يرتفع ليشمل الودائع إلى حد الـ200-300 ألف دولار أو حتى وصولاً إلى 500 ألف دولار.

أيضاً على المصرف المركزي رفع قيمة السحب الحالية لتصل إلى 1500 – 2000 دولار شهرياً لكي ترتاح الناس ولتجنب اضطرابات اجتماعية مقبلة.

في الأمن والعسكر، قال رئيس الجمهورية إن ما حققه لبنان يفوق ما تحقق في الأربعين سنة الماضية (على صعيد حصر السلاح بيد الدولة).

صحيح أن الجيش يقوم بعمل جبار في هذا الملف الحساس – وخصوصاً جنوب الليطاني – رغم القدرات المحدودة، وهذا الأمر يرحب به الجميع، بما فيهم الأحزاب والقوى المقاوِمة والأهالي، إلا أنّ الدولة أيضاً مقصرة كثيراً في حماية البلدات والمدن والناس وأرزاقهم ومنازلهم.

الهجمات الإسرائيلية لم تتوقف يوماً منذ اتفاق وقف اطلاق النار (رغم التزام لبنان الكامل بعدم الرد وبالبنود الأُخرى) والدولة التي تتكلم اليوم عن “استعادة” قرار “الحرب والسلم” لم تؤمن سلماً ولا أماناً للجنوبيين (والبقاعيين) الذين يشاهدون قراهم ومنازلهم ومصالحهم تُستهدف دون رادع.

قبل أيام، تم استهداف منازل تبين أن بعضها مدني بالكامل. وهذا حصل سابقاً أيضاً مع أبنية ومنازل ومصانع ومعدات تبين أنها مدنية، وذلك باعتراف مؤسسات حقوقية دولية في بيانات رسمية لها، بينما الدولة اللبنانية لا تشرح لمواطنيها بدقة عن نوعية الأماكن المستهدفة.

هل هي مراكز عسكرية؟ وان لم تكن كذلك، وكانت أماكن مدنية، فلماذا لا تقول وتشرح الدولة ذلك بوضوح وتحدد طبيعة الأماكن المستهدفة وتدافع عن مالكيها وأصحابها؟ لماذا لا تُقدَم شكاوى ويُرفع الصوت بهذا الشأن؟ لماذا هذا الاستخفاف بمصالح وأرزاق الناس في البقاع والجنوب؟

هنا يبرز أيضاً موضوع وزير الخارجية الذي يلاقي أداؤه انتقادات كثيرة.

بالطبع، يحق لحزب هذا الوزير أن يكون له تمثيل واسع في الحكومة كنتيجة للتمثيل النيابي – في وزارة الخارجية وغيرها من الوزارات – لكن كان يمكن لهذا الحزب أن يختار شخصية أفضل تلائم المنصب أكثر من حيث الخبرة والشخصية الدبلوماسية والحنكة، فبعض المواقف للخارجية اللبنانية تبدو اليوم “حزبية” سياسية أكثر من كونها وطنية دبلوماسية جامعة كما كانت تاريخياً.

أيضاً، باقي الوزراء لا يبدو أنهم أفضل بكثير ممن سبقهم في وزاراتهم، بل إن التجربة تراجعت مع البعض. تكلمنا عن الخارجية، وهناك أيضاً التربية، حيث تتعالى أصوات ناقدة للوزيرة من قبل المعلمين والمعنيين بملفات التربية.

في الأشغال والنقل، لا تطورات كبيرة، فقط إصلاح طرق عند “المواسم”، وقبل زيارات المسؤولين الأجنبيين، بينما الحفر في الطرق تعاظمت، وخصوصاً بعد العواصف الأخيرة، دون حلول سريعة، وبطريقة أدت إلى حوادث ومشكلات للسائقين والسيارات.

في الصحة، يُقال إن تجربة الوزير الحالي أقل إيجابية ممن سبقه من الخط السياسي نفسه، حيث كان التعاطي أسرع والخدمة أفضل. وفي الاقتصاد والبيئة والاتصالات وغيرها، كلام كثير وأفعال قليلة، ولا تغيير كبير عن مرحلة الوزراء السابقين.

بينما في الطاقة والمياه، الأمور على حالها، لا بل تراجعت عن السابق رغم وعود الفريق السياسي الحالي الممسك بالوزارة بتحسين الأمور جذرياً وانتقاداته المستمرة للفريق السابق الممسك بالوزارة.

وفي الداخلية، “احتفال” بإزالة عوائق مرورية من أمام مبنى حزبي (وهو بالمبدأ أمر مطلوب قانوناً على أن يُطبق على الجميع دون استنسابية أو انتقائية سياسية)، بينما الأهم والمطلوب حقيقةً هو الذهاب إلى أملاك الدولة “الدسمة” (البحرية وغيرها) واستيفاء رسوم أكبر من شاغليها لتعزيز الإيرادات، كما المطلوب تخفيف عدد العناصر الأمنية والمواكب الموزعة على رؤساء الأحزاب والسياسيين والإعلاميين والمحظيين يميناً ويساراً، وتنظيم عمل شركات “الفاليه” وإزالة المحميات والمربعات الأمنية في كل المناطق دون تفرقة سياسية، وغيرها من الأمور الحقيقية المهمة.

إذاً، بعد مرور عام على “العهد” الجديد في لبنان، هناك بعض الأمور الجيدة التي حصلت، لكنها لا ترقى إلى حد وصفها بالإنجازات.

وقد ترافقت معها وعود كثيرة وكلام كبير لم يثمر واقعاً على الأرض. وعلى أبواب انتخابات نيابية، يبدو أن الكلام المعسول والوعود الكبيرة ستستمر، لأنها أساساً جزء من الموسم الانتخابي.

لكن بعد الانتخابات يجب أن تهدأ الأمور إعلامياً، وأن يأخذ “العهد” منحى أكثر جدّية وواقعية وأقل كلاماً ووعوداً. وعلى الحكومة المقبلة أن تكون (رئيساً ووزراء) أكثر إدراكاً للواقع الحقيقي وأقل ارتباطاً بالخارج وبالمؤسسات الدولية وبأعمال الوزراء الخاصة وجنسياتهم الثانية الأجنبية.

مرة جديدة، ندرك عبر التجربة في لبنان أن ليس المهم (بالضرورة) في عملية اختيار المسؤولين أين درسوا أو اسم جامعتهم أو تحصيلهم العلمي أو جنسيتهم الأجنبية أو الـcv وفي أي شركات عملوا سابقاً.

الأهم هو نوعية الشخصية المنتقاة وأخلاقها وشفافيتها واستقلاليتها وحقيقة أولوياتها، وأن تكون مسيسة، وتفهم الواقع اللبناني جيداً.

هل ستدافع عن البلد ومصالحه ومصالح مواطنيه عند الامتحان أم أنها ستختار مصالحها الخاصة والمصالح الخارجية؟

بلال الخوري-الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى