مقالات

“أبطال بلا دروع: حين تتحول المستشفيات إلى أهداف”

في قلب الحرب الدائرة في سوريا، حيث يذوق المواطنون أشكال الألم والجراح كل يوم، كان يومًا آخر من أيام التضحية على أرض المستشفيات، تلك الأماكن التي يفترض أن تكون ملاذًا للشفاء والإنسانية. ولكن في مشفى الكندي في حمص، حدث ما يجعل الجرح أكبر من أن يُشفى.

أربعة شهداء سقطوا، ليس على جبهات المعارك، بل في مكانٍ يُفترض أن يكون بعيدًا عن الصراع.

في المشفى، حيث كانت أيدي الأطباء والممرضين تغمرها الأمل في شفاء المرضى، كانت رصاصات الإرهاب تطلق من مسلحين مجهولين، وتستهدف من كان لهم فقط شعار الإنسانية درعًا وحيدًا.

شهادة لم تُكتب على الورق

شهيدٌ آخر، شهيد ذو الفقار زاهر، الطبيب الذي قضى سنوات حياته بين المرضى، لا يتوقف عن مداواة الجروح الجسدية والنفسية في وقتٍ أصبحت فيه حياة المواطن السوري أغلى من أن تُعطى.

إلى جانبه، استشهد المهندس علاء ونوس، الذي كان يسعى بكل ما يملك من قدرات لتطوير البنية التحتية للمشفى، لتكون مكانًا ملائمًا للشفاء.

السائق مازن الأسمر، الذي لا يهمه سوى نقل المرضى إلى بر الأمان، والممرضة ليال سلوم، التي كان قلبها أكبر من أي مهمة تقوم بها، جميعهم استشهدوا في لحظة لم يتوقعوها. كانت هذه اللحظة، التي اتخذت فيها رصاصات الإرهاب مكانًا بين ثنايا أبطال الإنسانية.

هذه الجريمة الإرهابية، التي استهدفت أفرادًا كانوا في قلب معركة الحياة، ليست حادثة منفردة.

إنها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الهجمات على المستشفيات والمرافق الطبية في سوريا، حيث أضحى حتى الأطباء والكوادر الطبية ليسوا في منأى عن آلة القتل. ففي سوريا، أضحى الشخص الذي يُفترض أن يكون صانعًا للحياة هدفًا مشروعًا للقتل.

رسالة تتجاوز جراحًا

هكذا يُقتل الأمل، ليس فقط عبر القنابل أو الرصاص، بل عبر الاعتداء على أبطال الحياة في أماكن كان من المفترض أن تكون خطًا فاصلاً بين الحياة والموت.

المستشفيات، التي كانت ملاذًا للمواطنين، تحولت إلى ساحات استهداف، بينما يتساءل الشعب السوري، هل في وسط هذا كله من أمل؟

بينما يتنقل المواطنون بين الحروب الداخلية والمعاناة الاقتصادية، وفي حين أن جرح الوطن أصبح عميقًا، يبقى هذا السؤال: إلى متى ستظل سوريا تحت وطأة هذا الصراع؟

الأطفال في السويداء يقفون على حافة الهاوية، وحلب تعاني من موجات التهجير القاسية، في وقتٍ لا تلوح فيه أي بارقة أمل في الأفق.

الشعب السوري يعاني ليس فقط من نقص في الغذاء والمأوى، بل من تدمير للمستشفيات، ومن غياب لقاعدة إنسانية في زمنٍ يتسابق فيه الجميع نحو استغلال الدماء من أجل مصالحهم الخاصة.

إلى متى؟

ما الذي سيُبقي الأمل على قيد الحياة في قلوب هؤلاء الذين يذوقون يوميًا مرارة الفقدان؟ ما الذي يمكن أن يُنجّي سوريا من الدمار، إذا كان كل ما يتمناه الناس هو حياة كريمة بعيدًا عن الموت؟ إن لم يكن هناك إصلاح حقيقي، وإن لم تتحرك الأطراف الدولية والمحلية لإنهاء هذه المعاناة المتواصلة، فإن المستقبل سيبقى ضبابيًا، ولا أحد يعلم إلى أين ستقود هذه الفوضى.

فقط الشعب السوري اليوم يعرف أن من يرفع شعار الحياة في هذا الزمن، سيكون الأكثر عرضةً للموت.

ريم سلمان

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى