متفرقات
عيد الحب في لبنان 2026: لماذا ارتفع سعر الوردة الحمراء؟

في بلدٍ يعيش على إيقاع الأزمات المتلاحقة منذ بداية الانهيار النقدي والمصرفي عام 2019، يبقى الرابع عشر من شباط موعداً ثابتاً في روزنامة السوق اللبنانية للاحتفال بـ«عيد الحب» أو «الفالنتاين». غير أن واجهات المحال الملونة باللون الأحمر تخفي عوامل اقتصادية ذات أثر واضح على المستهلك، فالورود مستوردة ومدفوع ثمنها بالدولار، والجمارك متشدّدة، وسلوكيات الزبائن متغيّرة، فيما يحاول الباعة الحفاظ على التوازن بين الجودة والسعر، وبين الربح والزبون.
وفي هذا الوقت من كلّ عام، يتصدر سؤال إلى الواجهة، يتمحور حول سعر الوردة الحمراء وأسباب ارتفاعه عن العام الماضي، علماً أنه لم تُفرض رسوم جمركية جديدة محددة على الزهور المستوردة في عام 2025 أو 2026، وأن التعديلات الحكومية الأخيرة جاءت قطاعية وطالت سلعاً محددة.
من يتحمل تحولات السوق المفاجئة؟
على الأرض، الصورة أكثر تعقيداً، عباس عاصي، صاحب متجر «وردات» في منطقة الصفير في الضاحية الجنوبية، يوضح أن التاجر يعيد ارتفاع أسعار الورد هذا الموسم إلى التشدّد الجمركي، «عم ياخدوا عالورد والطول»، يقول عاصي.
وهنا يتدخل أحد عناصر الجمارك، الذي كان ينتظر تسلم باقة من الورد الأحمر، مؤكّداً «عدم وجود تعرفات إضافية، لكن هناك تدقيق كبير بسبب الإصلاح الحكومي».
الورد المستورد من كينيا يتصدر الأسواق من حيث الجودة فيما لا يشكل المنتج الهندي رغم التدني النسبي في سعره، مصدر ربح لأنه سيئ الجودة
ويشرح عاصي معادلته التجارية قائلاً: «أشتري الوردة بدولار وربع وأبيعها بدولارين»، لافتاً إلى أن بعض التجار أضافوا نحو 25 سنتاً على سعر الوردة. ويؤكد أن الورد المستورد من كينيا يتصدر الأسواق من حيث الجودة، فيما لا يشكل المنتج الهندي، رغم التدني النسبي في سعره، مصدر ربح لأنه «سيئ الجودة ولا يتحمل، وجذعه رفيع ووردته صغيرة لا تجذب الزبون»، مشدداً على أن «أولويتنا الحفاظ على الزبائن».
ويلفت إلى أن بعض المستهلكين يكتفون بوردة واحدة مزينة مع تغليف، بينما يختار آخرون باقة كاملة، في ظل تبدل القدرة الشرائية، إلا أن التحضيرات قائمة، والبضاعة متوفرة، ولا مشكلة في تأمين الكميات، «لكن هناك استغلال من بعض التجار للمناسبة لأنها ملزمة باللون الأحمر، خلافاً لباقي المناسبات حيث تكون الورود مشكلة».
من جهته، يقول علي حرقوص من متجر «أزهار الغبيري» في منطقة الغبيري إن الوردة تُباع بنحو 200 ألف ليرة، وترتفع إلى 250 ألفاً مع «اللف أو الإكسسوارات»، مضيفاً: «غيرنا يبيع بخمسة دولارات، نحن نبيع برخيص». ويؤكد أن الزيادات في الأسعار طالت منتجاتهم المستوردة منذ مطلع السنة، لا مع الموسم فقط، مستنكراً تحميل البائع كامل الكلفة من قبل التجار المستوردين.
بعض أنواع الورد المستورد وخصوصاً الكيني أو الإثيوبي ذي الجودة الأعلى زادت كلفتها بين 20 و25 سنتاً للوردة تبعاً للطول
وبرأيه، الحرص على عدم استغلال المناسبة يبقى أولوية حفاظاً على الزبائن، خصوصاً أن الإقبال جيد نسبياً، لكن الاختيار بات يقتصر في كثير من الأحيان على عدد محدد من الورود بدل الباقات الكبيرة. ويوضح أن السوق يعتمد على الاستيراد الذي يبدأ من تشرين الأول وينهي في نهاية نيسان، ثم يبدأ الإنتاج المحلي الذي يمتد من أواخر نيسان حتى نهاية أيلول، حينها تنخفض الأسعار.
في محلّة المشرفية، ينهمك حسن حمدان في تلبية الإقبال الكثيف والإجابة عن الاستفسار حول الأسعار، ويقول إن المبيع في متجره «غاردن ستايت» تحسن بنحو 35% مقارنة بالسنة الماضية، رغم أن الأسعار ارتفعت بنسبة تراوح من 20% إلى 25%.
ويشير إلى أن بعض أنواع الورد المستورد، وخصوصاً الكيني أو الإثيوبي ذي الجودة الأعلى، زادت كلفتها بين 20 و25 سنتاً للوردة تبعاً للطول، فكلما زاد الطول ارتفع السعر، شارحاً أن الوردة بطول 40 سنتيمتر تباع بدولارين ونصف، و60 سنتيمتر بين دولارين و75 سنتاً إلى 3 دولارات، وكلما قل الطول انخفض السعر.
(من الويب)
(من الويب)
ويوضح حمدان أن التحدي الأكبر يكمن في التقلبات المفاجئة، إذ قد ترتفع الأسعار بنسبة 30% عند دخول الموسم، من دون قدرة كاملة على عكسها فوراً على المستهلك. يروي مثالاً: «اشتريت وردة إكوادورية بـ1.15 دولار، انقطعت من السوق، فاضطررت لشرائها بـ1.5 دولار، لكني لا أستطيع وضع ربح إضافي عليها بسبب ارتفاع سعرها الأساسي».
أما إلهام عواد صاحبة متجر «أزهار لارا»، في الجناح، فتعتمد استراتيجية «بيع كثير وربح قليل»، لكنها تشير إلى أن المبيعات هذا العام تضاعفت مقارنة بالسنة الماضية، وكذلك الأسعار «بسبب التدقيق الجمركي». وتقول: «يفتحون الكرتونة ويقيسون الوردة، لم يعد هناك مهرب كما في السابق»، في إشارة إلى أن احتساب الرسوم بات أكثر دقة.
وتلفت إلى أن ارتفاع أسعار الذهب جعل الورد يتصدر خيارات الهدايا، متوقعة زيادة مبشرة تتراوح بين 60 و70% عن العام الماضي استناداً إلى حجم الطلبيات قبل يوم العيد.
الورد والرمزية الاجتماعية
إلى جانب الوضع الاقتصادي، يكشف السوق بعداً اجتماعياً لافتاً يعكس تحوّل رمزية الورد في السنوات الأخيرة. فبحسب عواد، لم يعد الورد الأحمر محصوراً في المناسبات العاطفية فقط، بل يُستخدم أيضاً في الوداع والذاكرة الجماعية، إذ تشير إلى أن «الورد الأحمر يمكن أن نجده على المقابر وقبور الشهداء والنعوش»، ما يوضح أن الورد يتجاوز دوره التجاري ليصبح جزءاً من التعبير الاجتماعي.
وبين عام 2019، الذي شهد بداية الانهيار الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية، مروراً بالحرب المدمرة عام 2024 وصولاً إلى عام 2025 الذي سجل تحسناً نسبياً في حركة السوق، تبدو سلوكيات الشراء قد تغيرت: عدد أقل من الورود أحياناً، لكن تمسّك أكبر بالرمزية الاجتماعية للهدية، ما يجعل الورد مؤشراً ليس فقط على التجارة بل أيضاً على الهوية الاجتماعية كنمط للتعبير عن العلاقات.
يتقاطع معظم التجار عند خلاصة واحدة تشير إلى أن أزمة 2019 كانت أشد وطأة على السوق من حرب 2024، وفي ظل إنتاج محلي محدود شتاءً، وغياب دعم زراعي فعلي، تبقى المنافسة شبه معدومة في المواسم الأساسية. وإذا ثبتت أي زيادة فعلية على الوردة المستوردة، فقد يصبح الإنتاج المحلي أكثر تنافسية، لكن ذلك يتطلب بيئة إنتاجية مدعومة لا تزال غائبة، بينما يبقى المستهلك الحلقة الأهم في المعادلة. فالورد الأحمر، في نهاية المطاف، ليس مجرد سلعة موسمية، بل رمز يتقدم في سوق تحكمه المناسبة على حساب هدايا أخرى.
الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



