مقالات
رؤية استشرافية لمستقبل قطاع غزة في العام ٢٠٢٦!
فيما ينتظر معظم دول العالم عاماً جديداً زاخراً بالأمن والسلام والرخاء، وفي الوقت الذي يخطّط الكثيرون من سكّانه على اختلاف مشاربهم وميولهم السياسية والدينية والاجتماعية لمستقبل أولادهم وأحفادهم بمزيد من الأمل والثقة، ينظر سكّان قطاع غزة المنكوب بفعل حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها بحقّه العدو “الإسرائيلي” إلى العام 2026 بكثير من الخوف والترقّب، الذي لا يخلو في بعض الأحيان من بعض الأمل والتفاؤل.
إذ إن ما عايشوه طوال عامين كاملين من العدوان “الإسرائيلي” الغاشم، وما تبع ذلك من خروقات واضحة وتجاوزات فاضحة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي يقترب من إتمام شهره الثالث، جعلهم يقفون في المنطقة الرمادية بين الأمل واليأس، وبين التشاؤم والتفاؤل، وبين الثقة فيما هو قادم والخوف منه، لا سيّما مع انخفاض مستوى التوقّعات بانفراجه قريبة تغيّر الحال، وتصلح جزءاً، ولو يسيراً، مما دمّره وخرّبه الاحتلال بفعل عدوانه الهمجي والبربري.
سنحاول في ما يلي الإشارة إلى 4 ملفات أساسية من المأمول أن تشهد حراكاً في العام الجديد، وهي ملفات تعني بالأساس سكّان غزة قبل غيرهم، لكونهم المتأثّرين المباشرين بها، وإن كان بعض تداعياتها يمكن أن يصل إلى جغرافيا أخرى في المنطقة والإقليم، مع الإشارة إلى أن هذه الملفات ليست جديدة ولا حديثة العهد، إنما هي امتداد لتلك التي انتظرها الفلسطينيون في غزة خلال أشهر العدوان الماضية، وإن كان البعض منها قد شهد حراكاً نسبياً، إلا أنه لم يبلغ نقطة الحسم حتى يومنا هذا.
ولكن قبل الخوض في تلك الملفات، دعونا نذكّر بمسألة في غاية الأهمية، وهي أن تطوّر الأوضاع في قطاع غزة الصغير والمُحاصر والمنكوب مرتبط بصورة أو بأخرى بتطوّر الأوضاع في العديد من ساحات الإقليم الأخرى، وأن ما يجري أو سيجري في غزة يمكن أن ينعكس على التطورات الإقليمية سلباً أو إيجاباً، وهو الأمر الذي يقابله بالضرورة تأثّر غزة بما يجري خارجها.
هذا الأمر تحديداً يجعل من فكفكة ملفات غزة العالقة أمراً في غاية الحساسية، وإن كان يمنحه في بعض الأحيان مرونة إضافية، وفي أحيان أخرى دفعة إلى الأمام تزيد من جرعة الأمل والثقة التي يحتاجها سكّان القطاع بشدّة.
أولاً /استمرار وقف إطلاق النار:
منذ التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام المنصرم، والذي جاء ضمن ما سُمّي بخطة الرئيس”ترامب” للسلام، لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية، بل وارتفعت وتيرتها خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، ولا سيّما على صعيد الزيادة الملحوظة في عمليات النسف والتدمير في المناطق الواقعة ضمن نطاق “الخط الأصفر”، أو في تلك القريبة منه.
إذ زاد عدد المنازل التي دُمّرت، ووصل إلى أكثر من 2200 منزل، بحسب إحصائية شبه رسمية، إلى جانب عمليات استهداف المواطنين الذين يحاولون تفقّد ما تبقّى من بيوتهم ومزارعهم في المناطق القريبة من وجود قوات الاحتلال، وهو الأمر الذي نتج منه سقوط نحو 400 شهيد منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ.
وكل ما سبق من عمليات تدمير وقتل، إضافة إلى تقييد دخول المساعدات واستمرار إغلاق المعابر، يُعتبر تجاوزاً واضحاً لاتفاق الهدنة الهش.
في العام الجديد، لا يوجد الكثير من الآمال حول حدوث تغيير جذري في هذا المشهد المعقّد رغم تصريحات ترامب الأخيرة، وإن كان البعض يعتقد أن الدخول في المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة يمكن أن يأتي بهذا الجديد، غير أن كل المعطيات على الأرض، سواء تلك المتعلّقة بتصريحات قادة الاحتلال، والتي يشير بعضها صراحة إلى رغبة في عدم الانسحاب من أراضي القطاع، أو تلك المتعلّقة بربط ذلك بمسألة نزع سلاح المقاومة، إلى جانب ما يقوم به جيش الاحتلال من إجراءات ميدانية، مثل توسيع المواقع العسكرية المنتشرة شرق القطاع وإنشاء أخرى، أو تحريك حدود الخط الأصفر باتجاه الغرب أكثر من مرة، وهو ما يعني اقتطاع مساحات إضافية من أراضي القطاع، كل ذلك يشير إلى وجود نيات إسرائيلية باستمرار الحال على ما هو عليه إلى أجل غير مسمّى إلا في حال حدوث تغيير حقيقي في الموقف الأميركي، إذ إنه الطرف الوحيد القادر على تشكيل ضغط جدّي على الجانب الإسرائيلي.
ثانياً /نزع سلاح المقاومة:
يمكن النظر إلى مسألة نزع سلاح المقاومة بأنها أكثر نقاط اتفاق التهدئة حساسية وتعقيداً، وربما تكون القشّة التي تكسر ظهر هذا الاتفاق، وتدفعه نحو الانهيار. وفي أحسن الأحوال، يمكن أن تجعله يقف عند المرحلة التي يمر بها الآن، وهي مرحلة ضبابية للغاية، ولا تلبّي أدنى متطلبات الشعب الفلسطيني التي دفع من أجلها عشرات آلاف الشهداء، ومثلهم وربما أكثر من الجرحى والمصابين.
في فصائل المقاومة، ينظرون إلى مسألة تسليم السلاح بأنها خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو التعاطي معه، مهما كانت التداعيات، ويعتبرون تسليمه أو التفريط فيه بمنزلة إعلان استسلام ورفع للراية البيضاء وانصياع تام لشروط العدو الصهيوني؛ هذه الشروط التي رفضت المقاومة القبول بها منذ أول ساعات العدوان، وقدّمت في سبيل ذلك تضحيات جسيمة من خيرة قادتها ومقاتليها.
في مقابل ذلك، يصرّ العدو الصهيوني على تنفيذ هذا الشرط قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
كان ذلك واضحاً في تصريحات نتنياهو قبل أيام أثناء لقائه الرئيس الأميركي، وهو في ذلك كمن يضع العصي في الدواليب، إذ إنه يعرف تماماً أن المقاومة لن تقبل بذلك، وبالتالي سيسعى لاستخدام هذه الورقة لتبرير استمرار خروقاته لاتفاق التهدئة، وربما توسيعها، وتنفيذ المزيد من الاغتيالات ضد كوادر المقاومة، كما جرى أكثر من مرة.
وعلى الرغم من هذا المشهد المتشائم، فإننا نعتقد بإمكانية التوصّل إلى حلول وسط في هذا الإطار مثل الاتفاق على “وضع السلاح”، أو تجميده بدلاً من نزعه، أو الحصول على “ضمانات” من المقاومة بوقف إنتاج الأسلحة “الهجومية”، وتحديداً الصواريخ طويلة المدى، إذ يمكن أن يشكّل مثل هذا التوافق حلاً مرضياً لكلا الطرفين.
ثالثاً/ تشكيل حكومة “التكنوقراط”:
على الرغم من اللقاءات والنقاشات التي عُقدت من أجل تشكيل لجنة مؤقتة من “التكنوقراط” تتولّى إدارة شؤون قطاع غزة، فإن كل تلك المحاولات باءت بالفشل، ولم تجد طريقها نحو التنفيذ، بل وتم وضع عراقيل كثيرة من أطراف مختلفة في طريق التوصّل إلى مثل هذا الاتفاق الحيوي والمهم لكل سكّان القطاع.
إحدى أكثر الجهات وضعاً للعراقيل إلى جانب “دولة” الاحتلال هي السلطة الفلسطينية، وفي المقدمة منها رئيسها محمود عباس، الذي ما زال يعتقد أن بإمكانه الانتقام من حركة حماس رداً على طردها لسلطته من قطاع غزة في العام 2007، إذ ما زال هاجس الانتقام، كما يبدو، يسيطر على عقل رئيس السلطة، الذي لا يكاد يترك وسيلة أو أداة إلا ويستخدمها في محاول الوصول إلى مراده، والأمثلة كثيرة ومتعددة.
في العام الجديد، من المُتوقّع أن يشهد هذا الملف تحديداً حراكاً نسبياً، يمكن أن يُفضي إلى توافق من نوع ما، ولا سيما مع وجود إجماع لدى الكثير من الدول الإقليمية، مثل مصر وقطر وتركيا، على الوصول إلى حل سريع لهذا الملف، وهو ما يتوافق أيضاً مع الرؤية الأميركية المعلنة.
رابعاً/ إعادة الإعمار
منذ اليوم الأول لبدء العدوان على قطاع غزة وحتى يومنا هذا، لم تتوقف عمليات الهدم والتدمير التي يقوم بها العدو الصهيوني ضد بيوت الفلسطينيين ومنشآتهم في القطاع، وهي العمليات التي استهدفت أيضاً كل المؤسسات الصحية والتعليمية والإغاثية، وجميع البنى التحتية على اختلاف أشكالها وأنواعها، إذ تجاوزت نسبة الدمار الكلي، بحسب الكثير من الإحصائيات الرسمية، نسبة 80%، فيما أصيبت النسبة المتبقية بأضرار جزئية بليغة.
وبالتالي، باتت مسألة إعادة الإعمار تقف على رأس قائمة اهتمامات المواطنين في قطاع غزة، وهي بالنسبة إليهم مسألة حياة أو موت، إذ إنه من دون بيوت ومنشآت وبنى تحتية تصبح غزة مكاناً غير صالح للسكن، كما هي عليه الحال اليوم، وهذا هو أحد أهم الأهداف التي أراد العدو الوصول إليها من خلال هذا التدمير الممنهج والمبرمج.
مسألة إعادة الإعمار لن تكون سهلة على الإطلاق، إذ ترتبط بشكل مباشر بقضايا أخرى من اتفاق التهدئة، مثل تشكيل حكومة “التكنوقراط”، ومسألة نزع السلاح، وقضية فتح المعابر، إضافة إلى قضية توفير الدعم المالي، وهي الأهم، من أجل البدء بهذه العملية المعقّدة، التي يمكن أن تصل تكاليفها بحسب تقديرات أممية إلى ما يزيد على 80 مليار دولار.
في حال تم تجاوز المعوقات سالفة الذكر أو جزء منها، ولا سيّما تلك المتعلّقة بتوفير الدعم المالي وفتح المعابر، يمكن أن نشهد حركة نشطة باتجاه البدء بتنفيذ هذا الملف، وخصوصاً على مستوى قضية رفع الأنقاض، والتي تُعتبر في حدّ ذاتها تحديّاً كبيراً، نظراً إلى حجمها الهائل الذي يتجاوز مئات آلاف الأطنان.
على كل حال، وبما أنه ليس من السهل أن نتوقّع أو نستشرف مآلات الأوضاع في العام الجديد، ولا سيّما في ظل هذا العالم المتغيّر والمتقلّب، فإن كل ما أشرنا إليه أعلاه يمكن أن يصبح حقيقة واقعة، ولكنه في المقابل يمكن أن يذهب أدراج الرياح، ففي أيامنا هذه أصبحت التقلّبات أكثر من الثوابت، وباتت المتغيّرات أسرع من تغيّر الليل والنهار، إلا أن الثابت الوحيد الذي لا نشك لحظة واحدة في حدوثه هو أن النصر والغلبة لن يكونا أبداً في مصلحة العدو المجرم، ولا في مصلحة قوى الشر في العالم، حتى لو كانت الأوضاع الحالية تشير إلى غير ذلك، إلا أن سنن التاريخ تخبرنا بأن الانتصار في جولة لا يعني الانتصار في المعركة، وأن النشوة التي يشعر بها محور الشر في هذه الأوقات ستزول قريباً، إذ إن التداعيات الاستراتيجية لـ”طوفان الأقصى” لم تظهر بعد، وهي ما زالت في مرحلة التشكّل والتبلور.
وعند اكتمال ظهورها، سيكتشف العالم أن “المستوطنة” المسمّاة “إسرائيل” تعرّضت لخسائر استراتيجية فادحة، يعرفها قادة الكيان أكثر من غيرهم، وهو ما قد يساهم لاحقاً في فكفكة مجمل المشروع الصهيوني في المنطقة، ورحيله عنها مرة واحدة وإلى الأبد.
احمد عبد الرحمن – الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



