عناوين الصحف

السيادة واستراتيجية بيع الوهم.. كيف يُنتج التضليل السياسي في لبنان؟

بعد أن تم الاتفاق على وقف إطلاق النار في الـ27 من أكتوبر بين المقاومة والكيان الإسرائيلي، تبنّى بعض القوى اللبنانية المعادية للمقاومة خطاباً تسويقياً استهدف الإيحاء بانتقال لبنان إلى مرحلة جديدة، عنوانها استعادة السيادة وقرارات الحرب والسلم، من دون أن ننسى تركيز هذه القوى على بدء مسار حقيقي للإصلاح.

وذلك من خلال اعتماد استراتيجية أعادت كل الأسباب التي أدت إلى تخلف الدولة وانتشار الفساد والانهيار الاقتصادي والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، إلى المقاومة وسلاحها.

فعلى الرغم من أن نشأة المقاومة في لبنان لم تكن إلا نتيجةً لتقاعس الدولة أو عجزها عن حماية أرضها وشعبها أو تآمرها في مراحل معينة، تلاقت القوى المعادية للمقاومة على اعتبارها مجرد أداة مهمتها تحقيق ارتهان لبناني قسري لقوى إقليمية، كانت تستهدف دائماً تنفيذ أجندات خاصة بها.

فمن خلال البحث في المصطلحات الأكثر انتشاراً منذ نهاية الحرب، برز مصطلح استعادة السيادة كأكثر المصطلحات تداولاً على الساحتين الإعلامية والسياسية، وذلك في إطار التصويب على المقاومة باعتبارها “عبثية” و”مدمّرة للبنان”.

فقد حاولت المنظومة المعادية للمقاومة التصوير بأن فاعلية الدولة كانت ملموسة، وحاولت ترجمة تعاطيها مع هذا المصطلح بطريقة توحي بقراءة قانونية أو وطنية، محاولةً التعمية على حقيقة مقاربتها لمفهوم السيادة على أنه مجرد جزء من خطاب سياسي إعلامي مسيّس، يستهدف تحقيق أجندات وأهداف ذات حسابات ضيقة.

ففي لحظة وطنية مهشمة بفعل الانقسام السياسي والمذهبي الحاد حول مختلف القضايا الآنية التي تواجه لبنان، بدءاً من غياب موقف وطني موحد من الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، مروراً بكيفية تحقيق تضامن وطني يشكل شرطاً أساسياً لإدارة الملف التفاوضي مع الكيان الإسرائيلي.

وصولاً إلى كيفية مقاربة ومعالجات الأزمات الدستورية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، جرى اختزال مفهوم السيادة الوطنية وتحويله إلى أداة خطابية تستهدف إلقاء اللوم على فئة معينة، وتحميلها مسؤولية أزمة عمرها من عمر الكيان اللبناني، مع الإشارة إلى أن نشأة هذا الكيان لم تكن نتيجة تفاعل داخلي أنتج بيئة مجتمعية صلبة وسلطة مؤسسة بطريقة عادلة وطبيعية.

وإنما كان نتيجة تسويات خارجية وتوازنات طائفية هشة، حالت دون قيام دولة تعبّر في جوهرها عن تضامن مجتمعي قادر على ممارسة سيادة حقيقية.

فمن خلال المسار الذي أنتج رئيساً للجمهورية بعد أكثر من سنتين من الفراغ، حيث انتهت ولاية الرئيس السابق ميشال عون في الـ31 من تشرين الأول 2022، ثم أدى بعد ذلك إلى تسمية الرئيس نواف سلام رئيساً للحكومة، بدا واضحاً أن الاستحقاقات الدستورية اللبنانية لا تعبّر في حقيقتها عن فعل سيادي مستقل، وإنما يمكن اعتبار نجاح لبنان في إنجازها، مجرد دليل على توافق دولي على إرساء استقرار مرسوم على قياس مصالح دولية متقاطعة، تتفق على منع الانهيار الشامل في لبنان.

وعلى ضرورة ملء فراغ أفرزته الحرب الأخيرة بطريقة لا تسمح باستعادة المقاومة لقوتها ودورها في التوازنات الداخلية.

وعليه، يمكن القول إن تواطؤاً بنيوياً عميقاً يمكن سبره في العلاقة بين المنظومة المعادية للمقاومة والقوى الدولية المعنية بترتيب الواقع اللبناني بعد الحرب. فبالتوازي مع الارتضاء بالخضوع لمسار دولي عنوانه الاستراتيجي إدارة الإنهيار.

أي ما يمكن توصيفه نظرياً بحالة اللااستقرار المُدار، الذي يمنع انهيار النظام ويسمح له بالاستمرار في حالة هشة، لا تُدار فيه الأزمات السياسية والأقتصادية والأمنية بطريقة حاسمة، ويفتقر إلى القدرة على تشكيل توجه وطني قادر على تطوير بنيان النظام ومرتكزاته، يجري العمل على إعادة تسويق السيادة بوصفها واقعاً بروتوكولياً مشروطاً بتحقيق بعض الإملاءات والشروط.

في هذا الإطار، تبرز استراتيجية بيع الوهم بوصفها ركناً أساسياً لكيفية مقاربة هذه المنظومة للتحديات التي تواجهها السلطة اللبنانية، حيث تحاول أن تُقدم جلوس السلطة إلى طاولة المفاوضات مع الكيان الإسرائيلي، وقدرتها على اتخاذ قراراتها بمعزل عن المقاومة أو أي فاعل داخلي آخر، باعتباره فعلاً سيادياً مكتمل الأركان.

غير أن الإيحاء بالجدية في إدارة الملف التفاوضي، لا يكفي بحد ذاته لإثبات فعل سيادي ما دامت الدولة عاجزة عن فرض معادلات تمنع الاعتداءات الإسرائيلية بصورة مطلقة، وتكتفي في أحسن الأحوال بادّعاء النجاح في منع توسع المواجهة فقط.

كما أن الادّعاء بالقدرة على حماية لبنان وتجنيبه حرباً إسرائيلية شاملة من خلال الدبلوماسية فقط، وفي ظل غياب أي جهد لوضع استراتيجية دفاع وطني، يمكن من خلالها تحديد وظيفة الدولة كفاعل مستقل، قادر على الحماية والاكتفاء حصراً بإدارة التوازنات الخارجية، ومقاربة العلاقة مع الكيان في إطار تقني منفصل عن السياق السياسي للصراع، يكشف الطابع الوهمي لمفهوم السيادة.

فالسيادة بمفهومها العام لا تُقاس بمدى إدارة الدولة للمخاطر أو قدرتها على احتواء التصعيد، وإنما بقدرتها على تحديد دورها كفاعل مستقل يمتلك أدوات الحماية والردع.

 تزداد إمكانية التدليل على هذا الخلل عند مقاربة العلاقة مع الكيان الإسرائيلي ضمن إطار تفاوضي تقني معزول عن السياق السياسي العام للصراع.

فإهمال الأبعاد السياسية والاستراتيجية للتفاوض واعتباره مجرد مساحة لإدارة الصراع ضمن موازين القوة التي يعمل الكيان على تثبيتها، بما قد لا يراعي متطلبات السيادة الحقيقية، سيظهر سقف تحرك السلطة على أنه محدد بالعمل على التكيف مع سقوف مفروضة بدل اجتهادها في تحديد وفرض هذه السقوف، من خلال ترجمة صريحة للإرادة الوطنية الحقيقية.

يبقى أن نشير في هذا الإطار إلى استراتيجية هذه المنظومة في مسار الإصلاح ومحاربة الفساد وإعادة بناء الدولة. فعلى المستوى المالي، أوحت هذه المنظومة بإمكان اجتراح حلول من المفترض أن تعالج عقماً مؤسساتياً عمره من عمر الكيان اللبناني.

غير أن واقع الحلول التي تبنّتها الحكومة، لم تخرج عن الشروط التي فرضتها المؤسسات المالية. ورغم أن القرارات المالية تُعد اليوم من أبرز تجليات السيادة بمفهومها المعاصر، ساعدت هذه المنظومة في منع تحول الارتهان لشروط المؤسسات المالية، إلى محور نقاش سيادي، وجرى تقديم هذا الواقع على أنه لا يمس جوهر السيادة الاقتصادية.

يبقى أن نشير إلى الحرص البنيوي على عدم المساس بجوهر النظام الطائفي وآليات المحاصصة، التي تشكل الرافعة الفعلية لآليات الانتقاص من السيادة اللبنانية.

فالواضح اليوم أن المنظومة المعادية للمقاومة تستهدف توجيه الخطاب السيادي نحو قضايا خلافية لا تتصل بملف الإصلاح البنيوي للنظام السياسي اللبناني.

الذي يؤكد تاريخه أن أزمة السيادة والنظام لم تكن ناجمة في بداياتها عن إشكالية سلاح أو خيار سياسي دون غيره، وإنما كانت دائماً  نتيجة مرتكزات بنيوية مشوّهة لنظام سياسي غير قابل للتطوير، إذ إن المساس بالتوازن الطائفي فيه يمس بتوازنات ومصالح إقليمية إن لم نقل دولية.

وعليه، يمكن اعتبار مصطلح استعادة السيادة بمنزلة شعار ترويجي يُستخدم لإدارة انقسامات ستبقى حكماً ضمن إطار طائفي مقنّن.

وبالتالي ستظهر استراتيجية بيع الوهم على أنها مرتكز رئيسي لاستراتيجية إعلامية متكاملة، تهدف إلى التعويض عمّا تقترفه هذه المنظومة من تفريغ ممنهج لمفهوم السيادة من مضمونه، وتحويله إلى مجرد أداة للاستهلاك السياسي.

وسام اسماعيل – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى