مقالات
تغيير الأسماء لا يغيّر الدم
في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد الإبادة سرا تخفيه الدول، فقد استطاعت الرأسمالية تحويل ممارسة الإبادة إلى سلوك وطني مقبول تحت شعارات من قبيل “حماية الأمن الوطني”، و “جلب الحرية والديمقراطية” وغيرها، ولم يعد قتل المدنيين يستدعي محاكمات كتلك التي صنعها الحلفاء في نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية.
اليوم تفرض الرأسمالية على العالم اتفاقيات تحمي جنودها من المساءلة إذا ما ارتكبوا مجازر صنفت يوما بأنها جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية.
اعتبر العالم مقتل حوالي 300 ألف مواطن ياباني في الهجوم النووي الأميركي على هيروشيما وناغازاكي، نصرا للحلفاء الذين دمروا القوة العسكرية اليابانية، مع بعض الأضرار الجانبية تمثلت بقتل “بعض” المدنيين، هذه الأضرار الجانبية ستصل إلى أكثر من نصف مليون إنسان على مدى السنوات التي تلت الهجوم بسبب اختلاطات التسمم الشعاعي.
لم يكد العالم ينسى ما حدث في اليابان حتى جاءت حرب فيتنام التي كلفت الشعب الفيتنامي حوالي 2.5 مليون قتيل، ومئات الالاف من مواطني كمبوديا ولاوس. مرة أخرى استخدمت الإمبريالية شعارات “حماية الأمن الوطني” و”حماية المصالح الوطنية الأميركية”.
رغم أن معظم المدنيين قتلوا حرقا بقنابل النابالم التي ألقتها قوات التحالف الاستعماري وبشكل خاص الجيش الأميركي، إلا أن العالم ساده صمت القبور تجاه هذه المجازر، وبدلا من محاكمة مرتكبيها حوّلتهم هوليوود إلى أبطال لأفلامها، ومصدرا لتحقيق المزيد من الأرباح على حساب الدم الفيتنامي.
تكرر مشهد المجزرة والصمت، مرات ومرات حتى أن أجيالا جديدة لم تعرف أن هناك آليات لمحاكمة مرتكبي المجازر، لأن من اخترع هذه الآليات وسيطر عليها بعد الحرب العالمية الثانية، هو نفسه من يرتكب المجازر.
وأن القوى الاستعمارية طوّرت وسائل جديدة للإبادة تتجاوز القتل المباشر من خلال الحصار الاقتصادي، الذي يعمل على قتل الأفراد بحرمانهم من الغذاء والدواء، وإبادة الدول اقتصاديا من خلال حرمانها من فرص النمو الاقتصادي.
حقيقة أن هذا النهج استخدم ضد الدول المعادية للامبريالية مثل كوبا، وإيران، والعراق، وسوريا، لا تمنع أن الدول الدائرة في الفلك الاستعماري وقعت ضحية هذه الإبادة الاقتصادية من خلال ربط اقتصاداتها بشروط المؤسسات المالية الدولية التي حولتها إلى دول فاشلة اقتصادية، تعاني من مشاكل مديونية وفقر وبطالة غير قابلة للحل.
في العام 2006 أعلن الكيان الصهيوني تطبيق حصار شامل على قطاع غزّة.
حسب “الانكتاد” بلغت الخسائر الإقصادية نتيجة الحصار (ما بين عامي 2005 و 2020) إلى 16.7 مليار دولار.
في الوقت الذي تراجعت فيه جميع الخدمات الأساسية، فعلى سبيل المثال عانى سكان القطاع من انقطاع الكهرباء من 6 – 12 ساعة يوميا، وانخفض عدد الأسرة الطبية المتاحة من 3/1000 مواطن عام 2005، ليصل إلى 1.4/1000 مواطن عام 2020.
خلال الحصار الذي استمر 17 عاما شن العدو أربع عمليات عسكرية سنوات 2008 عملية الرصاص المصبوب، و2012 عملية عمود السحاب، و2014 عملية الجرف الصاعد، و2021 عملية حارس الأسوار، حصدت هذه العمليات أرواح 4317 شهيدا، ودمرت 7500 منزلا بشكل كامل.
رأى العالم كل هذه المجازر بعين الحرب على الإرهاب، ولأن المستعمر الأبيض لا يرى للآخر دورا غير دور الضحية، استيقظ صباح السابع من اكتوبر، ليملأ الفضاء بالحديث عن ضحايا اسرائيليين، بلغ عددهم 1200 قتيلا ثبت لاحقا أن معظمهم قتل بواسطة الهجمات التي شنتها الطائرات العمودية الإسرائيلية.
حالة من الرعب من قدرة الضحايا على التحول إلى مقاومين دفعت الدول الغربية للاصطفاف خلف نتنياهو في المجزرة التي شرع بارتكابها منذ فجر اليوم التالي.
أمام عدسات الكاميرات ارتكب الاستعمار واحدة من أبشع المجازر في التاريخ البشري. كل صاروخ أو قذيفة سقط على غزة ساهمت فيه الدول الاستعمارية وحلفاؤها المحليون مجتمعة، تمويلا وتصنيعا ونقلا وموافقة.
كشف هول المذبحة الوجه الحقيقي للحرب على الإرهاب أمام المجتمعات الغربية نفسها، فخرجت المظاهرات في معظم مدن العالم الغربي، لتعبر عن حالة وعي غير مسبوقة منذ مظاهرات الطلاب عام 1968.
وجد الاستعمار نفسه أمام أزمة مفاهيميه تتطلب تغيير روايته العسكرية، فبدأ توهج الحرب على الإرهاب يخفت لتبرز مصطلحات الحرب الجديدة:
– الحرب على المخدرات
– الحرب على الهجرة
– السلام بالقوة
في الحرب على المخدرات تشن الولايات المتحدة على الدول والأنظمة المعارضة لها في أميركا اللاتينية حملة اتهامات طالت المرشحة الرئاسية في هندوراس وتشيلي، والرئيس الكولومبي إضافة إلى الرئيس الفنزويلي الذي تتعرض بلاده لحصار بحري خانق، ويقوم الاسطول الأميركي بقصف قوارب فنزويلية وقتل من فيها تحت عنوان “الاشتباه بتورطها بتهريب المخدرات” وقد تم تدمير 30 قاربا وقتل أكثر من 70 فنزويلي دون محاكمة أو تأكيد من أن هؤلاء ليسوا صيادين، أو مهربين عاديين.
وكما حدث في الحرب على الإرهاب تجري هذه الإعدامات الميدانية وسط صمت عالمي مطبق.
أما الحرب على الهجرة، فقد أعلنت الولايات المتحدة أنها تمكنت خلال عام 2025 من طرد 2.1 مليون مهاجر، غادر 1.6 مليون منهم طوعا، و526 ألفا تم ترحيلهم قسرا، وسط ترحيب من الشركاء الاوروبيين الذين يشنون بدورهم حربا مشابهة على الهجرة في معظم الدول الاوروبية.
في مجال فرض “السلام بالقوة” تبرز خطتا ترامب لوقف الحرب في غزّة وأوكرانيا، إذ تشترط الخطتان فتح غزّة واوكرانيا للاستثمارات الأميركية، مع جمع الاتاوات سواء من الأصول الروسية المجمدة والتي تقترح خطة ترامب تخصيص 100 مليار منها لإعادة البناء، وبضعة مليارات أخرى تجمع من الدول المانحة لإعادة إعمار غزة وفي الحالتين تتم إعادة الإعمار بإشراف هيئة دولية يرأسها ترامب نفسه.
رغم تغيير التسميات، تستمر الحروب الاستعمارية على الشعوب، وساذج من يصدق أن الوحش الاستعماري تحول إلى حمل وديع، بل هو أكثر شراسة وتوحشا مما كان عليه في الماضي.
عماد الحطبة – الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



