مقالات
حين يصبح الاعتراف سلاحًا: الكيان الصهيوني، أرض الصومال، وإعادة رسم القرن الأفريقي
لم يكن إعلان دولة الاحتلال، يوم الجمعة 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، اعترافها بـ”جمهورية أرض الصومال” حدثًا مفاجئًا من حيث المبدأ لأي متابع حصيف للتطورات في الصومال أو في القرن الأفريقي الكبير.
إذ تعود النزعة الانفصالية في الإقليم إلى ما يزيد على ثلاثة عقود، مدفوعة بانهيار الدولة الصومالية المركزية عقب سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، غير أن توقيت هذا الاعتراف من قبل أول دولة في العالم يحمل دلالات سياسية وأخلاقية شديدة الحساسية.
خصوصاً في ظل العزلة المتزايدة التي تواجهها “إسرائيل” دوليًا عقب حرب الإبادة على قطاع غزة منذ أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واتساع نطاق التعاطف الشعبي العالمي مع القضية الفلسطينية، وفي وقت بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، بل حتى بعض الحكومات، في مراجعة سياساتها الداعمة للاحتلال.
لقد اصطدمت مساعي أرض الصومال، طوال العقود الماضية، بثوابت راسخة في النظامين الإقليمي والدولي– من وجهات النظر الرسمية للمنظمات والدول – أبرزها مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار.
ويأتي هذا الاعتراف ليشكل سابقة خطيرة تنتهك هذه القواعد، وتؤشر على تحولات جيوسياسية أوسع في بنية النظام الدولي والإقليمي.
عدالة القضية وسياق أزمة الدولة الوطنية
تندرج قضية “أرض الصومال” في إطار أزمة الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار في أفريقيا وفشلها في بناء وحدة وطنية تستند إلى اندماج وطني حقيقي بين مكونات هذه الدول ومجتمعاتها المتنوعة، وإرساء أنظمة حكم راشدة تحقق العدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد.
بناءً على ذلك، وصف تقرير لجنة الاتحاد الأفريقي عام 2005 إقليم أرض الصومال بأنه “حالة فريدة ومبررة ذاتيًا”، نظرًا إلى ما حققه من قدر نسبي من الاستقرار وبناء مؤسسات فاعلة مقارنة بالحكومة الفيدرالية الصومالية المتعثرة في مقديشو. وأوصت اللجنة برئاسة ثابو أمبيكي (الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق) بمعالجة هذه المسألة في إطار أفريقي توافقي، وهو ما لم يُنفذ حتى اليوم، إلا أن توصيات التقرير بقيت حبيسة الأدراج.
نجح الإقليم، مقارنة بالحكومة الفيدرالية في مقديشو، في بناء مؤسسات أكثر فاعلية وتحقيق قدر من الاستقرار والأمن وشبكة علاقات خارجية رغم عدم الاعتراف به، مستفيدًا من موقعه الجغرافي الحيوي في القرن الأفريقي. كما ترسّخ في الذاكرة الجماعية لسكانه شعور عميق بالخذلان والعنف والاضطهاد- ولا سيما ما تعرضوا له من قمع ومجازر في عهد نظام سياد بري – أبرز مرتكزات الخطاب الانفصالي ورفض العودة مجددًا إلى نموذج الوحدة الصومالية بين 1960 و1991.
ونتيجة لذلك، ركزت نخب الإقليم على تسويق نموذج “أرض الصومال” في تمتعه بـ “الاستقرار مقابل الفوضى” في مضطربة ومأزومة، وكذلك نحاجه في بناء شبكات ضغط ولوبيات، لا سيما داخل الولايات المتحدة وبقية عواصم صناعة القرار الدولي، للترويج لهذا النموذج الذي توج حاليًا بنيل الاعتراف، وإن جاء ذلك عبر بوابة الكيان الإسرائيلي.
المأزق الأخلاقي للاعتراف الإسرائيلي
بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الصومالانديين، يمثل الاعتراف الدولي غاية بحد ذاته، بغض النظر عن هوية الجهة التي تمنحهم أول اعتراف بدولتهم، غير أن اقتران أول اعتراف بـ”جمهورية أرض الصومال” بكيان استيطاني متورط في جرائم إبادة وتطهير عرقي، يقوّض أخلاقيًا سردية الاستقلال القائمة على ادعاء المظلومية.
فعندما يكون الاعتراف آتياً من دولة تمثل أحد أكثر نماذج الاستعمار الاستيطاني عنفًا وعنصرية في التاريخ المعاصر، يفرغ خطاب الانفصال عن الصومال لدى الصومالانديين من ادعاءاته الحقوقية ومبرراته السياسية كحق مشروع لأي شعب على أراضيه.
إضافة إلى ذلك، يزداد هذا المأزق حدة في ظل غموض طبيعة الصفقة التي رافقت الاعتراف، تشمل توظيف الموقع الاستراتيجي للإقليم، وخصوصاً مع بروز تساؤلات حول احتمال ارتباطه بمخططات أميركية–إسرائيلية تتعلق بتهجير سكان غزة وإعادة توطينهم خارج وطنهم في دول ستقبل بذلك مقابل وعود وإغراءات في هذا الصدد.
إن أي تورط من هذا النوع سيشكّل وصمة تاريخية خطيرة تقدح في الشرعية الأخلاقية “للجمهورية” الوليدة داخليًا وخارجيًا.
الأبعاد الجيوسياسية
يظل الموقع الجغرافي لأرض الصومال، قرب باب المندب وخليج عدن، العامل الحاسم في هذا الاعتراف. فتصاعد التهديدات للملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتنامي نشاط الجماعات المسلحة في شمال الصومال، جعلا الإقليم محط اهتمام القوى الدولية، وفتحا المجال لغضّ الطرف عن التمدد الإسرائيلي في هذه المنطقة الحيوية، وهو ما يخدم مصالح دولية وإقليمية حليفة لدولة الاحتلال، ولا سيما أطراف “اتفاقيات أبراهام”، إذ ترى تل أبيب في موقع هذا الإقليم منصة متقدمة لتعزيز نفوذها الأمني والعسكري، بما يخدم مصالحها في هذه المنطقة الحيوية وإعادة صياغة الشرق برمته تحت زعامتها المطلقة.
يمثل الاعتراف بـ “جمهورية أرض الصومال” جبل الجليد، إذ لا يمكن فصل هذا التطور عن سياق المتغيرات الإقليمية الأوسع، ولا سيما الصراع على مستقبل حوض البحر الأحمر، وتصاعد الخلاف المكتوم بين السعودية والإمارات حول ملفات إقليمية حساسة، خصوصًا في السودان واليمن.
تندرج هذه التحركات ضمن مساعٍ لإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، تؤدي فيها أبو ظبي دورًا محوريًا من خلف الكواليس، ويبدو بوضوح أنها كانت القوة الدافعة لتشجيع قيادة إقليم أرض الصومال على الإقدام على هذه الخطوة.
وبناءً عليه، فإن ما جرى في أرض الصومال يُعد تطورًا استباقيًا وموازيًا لما يشهده السودان منذ نيسان/ أبريل 2024، وكذلك التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة في اليمن، ومحاولات شرعنة كيان انفصالي في شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر منذ إطلاقه “عملية الكرامة” في أيار/ مايو وتموز/ يوليو 2014، فضلًا عن مساعٍ لدعم توجهات انفصالية في سوريا مؤخرًا.
نحو نظام إقليمي جديد
يأتي الاعتراف في سياق مشروع إقليمي أوسع يقوم على تفكيك الدولة الوطنية وتشجيع قيام كيانات وظيفية من خلال العمل على تفكيك الدول الوطنية وتشجيع النزعات الانفصالية والهويات الفرعية، ووأد مسارات الديمقراطية والإرادة الشعبية الحقيقية التي برزت في مرحلة “الربيع العربي” ما هدد أركان النظام الإقليمي.
كما يبدو، فقد استشعرت دول مثل السعودية ومصر وتركيا خطورة هذا المسار، وهو ما يفسر صدور مواقف وبيانات حازمة رافضة للاعتراف المتبادل بين “إسرائيل” وأرض الصومال، باعتباره جزءًا من مخطط أوسع يهدد هذه الدول عبر تطويقها وإضعافها كقوى إقليمية فاعلة في محيطها الاستراتيجي.
وفي هذا الإطار، لن ينظر إلى الكيانات الجديدة – بما فيها “جمهورية أرض الصومال” – بوصفها دولًا ذات سيادة فعلية، بل ستغدو مجرد أدوات مرتبطة عضويًا بإرادة القوى التي صنعتها في إطار صراعات النفوذ الإقليمي والدولي، كما أنها ستكون أنظمة بدون إرادة شعبية أو نظام ديموقراطي حقيقي.
أثر الدومينو والمآلات المحتملة
رغم الاعتراف الإسرائيلي، لا يتمتع إقليم أرض الصومال بتماسك داخلي كامل على صعيد مكوناته أو حدوده النهائية، وكشفت صراعات لاسعانود وبوراما مؤخرًا عن هشاشة البنية السياسية والعشائرية، وعن حدود النموذج الديمقراطي المروَّج له. وسيؤدي هذا النموذج (الاعتراف بالانفصال وإعلان دول جديدة)، إن جرى تعميمه – وما لم يتم التصدي له بقوة- إلى تشجيع نزعات انفصالية أخرى على سلوك المسار ذاته ويفاقم الانقسامات الداخلية، وخصوصاً في قارة أفريقيا، ما يهدد استقرار القارة برمتها.
وتشير تجارب إريتريا وجنوب السودان إلى أن الانفصال لا يفضي بالضرورة إلى الاستقرار أو الديمقراطية أو الازدهار، ومن ثم، يظل السؤال مفتوحًا: هل يكون نموذج أرض الصومال استثناءً حقيقيًا أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة تفتيت الدولة الوطنية في أفريقيا؟
عباس محمد صالح – الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



