أخبار لبنان
كم راتبك؟ 100 دولار…قال العامل البنغلادشي

ذلك الشاب البنغلاشي العشريني، العامل في تعبئة السلع والمشتريات في أكياس النايلون، عند صندوق المحاسبة في التعاونية الكبيرة، والذي يسارع كل مرة لنقل مشترياتي إلى السيارة المركونة في المرآب، صار بيننا شيء من الود، وأثار فضولي ذات مرة وسألته: كم راتبك في الشهر؟ ابتسم وقال: 100 دولار، مشيراً إلى أن أصحاب الشركة لا يدفعون. وفي الشغل عليه أنْ يتدبّر أمره من البقشيش أو البراني..
هل تستفيد في هذا المجال؟ سألته، أجاب أيام الذروة وزحمة الزبائن لا تصل يوميته إلى عشرة دولارات، وأضاف إنه يسكن مع ثلاثة عمال من مواطنيه في بيت واحد، أجرته 200 دولار، حصته منها خمسون دولاراً.
لم أسأله كيف يتدبرّ أمره في الأكل ونحوه، لكني فكرت: كيف هو حال اقتصاد بلاده حتى يسافر آلاف الأميال ليصل الى لبنان، من أجل راتب وضيع وبخس في بلد غارق بالأزمات والخواء والنكبات والحروب والصراعات والموفدين.
ذلك الحديث العابر ذكرني بالتعابير الماركسية وما يسمى “الوعي الطبقي”، ولفت انتباهي بأن في لبنان جيوشاً من العمال والعاملات تشبه أحوالهم/ هن أحوال صديقنا البنغلادشي، سواء في محطات الوقود أو المطاعم أو المقاهي أو التعاونيات الضخمة أو في شركات النظافة أو شركات توزيع المياه أو تحميل البضائع نقلها، أو في المنازل حيث العاملات من جنسيات مختلفة (فلبينية، أثيوبية…)، يتعرضن للاستغلال المميت، يلجأ بعضهن للانتحار بسبب المعاملة السيئة…والكثير من العمال ينتظرون البقشيش، منظّفو زجاج السيارات في المحطات أو حاملو قناني المياه إلى البيوت.
أحوال العمال القاسية لا تتعلق بالأجانب فحسب، هناك لبنانيون على هذا النحو، خصوصاً في المطاعم والتعاونيات والمقاهي، بعضهم يصمد وبعضهم يبقى لأيام ويذهب بحثاً عن سبل أخرى للعيش.
نقيب أصحاب المطاعم طوني الرامي، ناشد قبل مدّة الزبائن أن يتركوا على الطاولة “إكرامية” تصل إلى 15 في المئة من قيمة الفاتورة. وقد عنونت “المدن” تعليقاً عليه “مطاعم لبنان: الأرباح للمالك… والموظف يعيش على البقشيش”. بدا الرامي كأنه يتنصل من دوره في تأمين الرواتب لعماله، و”يشجع” الناس على أمر لا علاقة لهم به، بل كأنه يقترح “ضريبة قيمة مضافة” أخرى على المواطن لمجرد أنه يذهب لتناول الطعام في مكان ما.
لا يفكر الكثير من أصحاب المؤسسات السياحية إلا في الأرقام وتكديس الثروات وشراء العقارات، وكيف يستغلون أكبر عدد من الأيدي العاملة الرخيصة، من الفجر إلى النجر.
نكتب عن صديقنا البنغلادشي ووضعه المعيشي وتفكيره في العودة إلى بلاده حاملاً ما جناه من البقشيش، ونسمع بعض المسؤولين والموفدين الدوليين يتحدثون عن رواتب الجيش القوى الأمنية في لبنان بل رواتب الأستاذة والمتقاعدين، والحكي الدائم عن المساعدات والتحفيزات و100 دولار من هنا و100 دولار من هناك، ونقول بكل صراحة لسنا أحسن حالاً من صديقنا البنغلادشي. كأن جمهوريتنا ودولتنا ومنطقنا، كله يقوم على سياسة البقشيش بل الاستعطاء ومن مال الله يا محسنين.
محمد حجيري – المدن
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



