اخبار اقليمية
قواعد الاشتباك الجديدة في الحرب.. بين انهيار الردع وخطر الانفجار الإقليمي

مع تصاعد المواجهة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي من حرب الظل إلى صدام عسكري مباشر، بدأت قواعد الاشتباك التي حكمت العلاقة بين الجانبين لسنوات تتآكل، بل وتنهار أمام الضربات الصاروخية والهجمات الجوية العابرة للحدود.
ومنذ سنوات، اعتمد الطرفان على ضربات محدودة وغير مُعلنة ضمن “حرب الظل”، حيث قصف الاحتلال الإسرائيلي أهدافًا إيرانية في سوريا، وردت إيران عبر وكلائها، لكن ومع الضربات الإيرانية المباشرة في أبريل 2024، والهجمات الإسرائيلية المضادة داخل العمق الإيراني، أصبح الصراع مكشوفًا، والأدوات أكثر علنية من أي وقت مضى.
في الأشهر الأخيرة خلال معركة طوفان الأقصى، تغيّر المشهد جذريًا، استهدف الاحتلال الإسرائيلي مواقع عسكرية في قلب إيران، من بينها قواعد في أصفهان وبوشهر، بالمقابل أطلقت إيران صواريخ مباشرة من أراضيها، وتبنتها رسميًا.
هذا التطور كسر “الخطوط الحمراء” التي وضعتها تل أبيب وطهران على مدى سنوات، وفتح الباب أمام مواجهة مباشرة، غير مسبوقة، محفوفة بالمخاطر، وبذلك فإن مستقبل قواعد الاشتباك سيُرسم على أرض المعركة.
ووفق محللين، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية الإيرانية لم تعد محكومة بقواعد اشتباك تقليدية، بل تتجه نحو نموذج مفتوح، متقلب، وغير قابل للتنبؤ، وهي سابقة من نوعها في تاريخ الصراع بين الطرفين، تنذر بأن “الحرب الكبرى” لم تعد مجرد احتمال، بل سيناريو مطروح بقوة على الطاولة.
هل نحن أمام قواعد اشتباك جديدة؟
وذكر محللون سياسيون، أن هذه الجولة بين الاحتلال وإيران تشير إلى تحوّل واضح في قواعد الاشتباك، فلم تعد إيران تستخدم وكلائها، بل استخدمت صواريخها ومسيّراتها من أراضيها في هجوم مباشر، من جانب آخر أثبت الاحتلال الإسرائيلي أنه لا يزال يملك قدرة دفاعية متعددة الطبقات، لكنها ليست منيعة بالكامل.
وما يضيف بُعدا أخطر هو أن هذه المواجهة لم تجرِ في فراغ، فكل ضربة أصبحت تمر عبر حسابات واشنطن، ومواقف موسكو، وسقف طاقة الخليج، وتهديدات البحر الأحمر، وفق محللون.
كما أثبتت الجولة الأخيرة -وفق محللين- أن التكنولوجيا العسكرية الإيرانية لم تعد مجرد دعاية، فالمسيرات باتت سلاح التشويش الإستراتيجي، وأصبحت الصواريخ تحمل رسائل الردع الثقيلة، لكن وفي المحصلة، لم يُحسم شيء، الصراع تحوّل إلى مباراة أعصاب، وأي طلقة مقبلة قد تفلت من منطق “الحسابات”، وتفتح باب التصعيد الكبير.
وأشار محللون، إلى أنه لا نشهد حربا بين جيشين فقط، بل بين مدرستين في الحرب، مدرسة الضربة القاضية التي يمثلها الاحتلال الإسرائيلي، ومدرسة الاستنزاف الطويل التي تمثلها إيران، ولفهم هذه المواجهة ضمن أطر أوسع، لا بد من النظر في الفارق الجوهري بين المدرستين العسكريتين لكل من الاحتلال وإيران، فلا يكفي تحليل الأسلحة، بل يجب التوقف عند العقيدة القتالية التي تقف خلفها.
ومع تصاعد التوترات بين إيران والاحتلال، وتبادل الضربات غير المسبوقة على مستوى الدولة، يبرز فارق جوهري في طبيعة الإستراتيجية العسكرية التي يعتمدها كل طرف، ليست الحرب بينهما فقط حربَ صواريخ ومسيّرات، بل مواجهة بين مدرستين عسكريتين مختلفتين الضربة الكاسحة في مقابل الاستنزاف التدريجي.
انعكاسات وتأثيرات خطيرة ومن جانبه، قال الباحث في مركز الجزيرة للدراسات الدكتور لقاء مكي، إن الحرب بين إيران و”إسرائيل” باتت تشكّل منعطفا خطيرا بالمنطقة، وسط مؤشرات على اتساع رقعتها وتهديدها المباشر لحياة الناس واستقرار دول الإقليم، مؤكدا أن تطورها قد يعني دخول أطراف دولية كبرى واندلاع مواجهة إقليمية شاملة.
وأوضح مكي، أن الرد الإيراني غير المسبوق، والذي استهدف العمق الإسرائيلي بعشرات الصواريخ، أظهر تحول المواجهة من مجرد عمليات محدودة إلى ما يبدو أنه بداية لحرب فعلية، منبها إلى أن الانعكاسات الفورية لهذا الصراع بدأت تظهر في غلق أجواء 5 دول وتعطيل النشاط الاقتصادي.
وأضاف مكي أن اتساع رقعة القصف قد يشمل مدنا وعواصم في المنطقة، وأن احتمالية دخول الولايات المتحدة على خط المواجهة قائمة، رغم محاولاتها التحفظ على المشاركة المباشرة. وفي حال تحقق ذلك، فإن قواعدها ومصالحها في المنطقة ستكون عرضة للاستهداف، سواء من إيران نفسها أو من حلفائها الإقليميين.
وأشار مكي إلى أن الخليج العربي يشكّل شريانا نفطيا حيويا للعالم، وأن غلق مضيق هرمز -وهو أمر متوقع إذا استمر التصعيد- قد يحرم الأسواق العالمية من نحو 60% من الإمدادات، فضلا عن احتمالية تعرض منشآت نفطية ومرافق للطاقة إلى ضربات مباشرة، مما يهدد بانفجار أزمة اقتصادية عالمية.
الآثار الإستراتيجية وحول الآثار الإستراتيجية بعيدة المدى للحرب، حذر مكي من أن الهدف الإسرائيلي لم يعد يقتصر على تحجيم القدرات الإيرانية، بل يمتد إلى محاولة إسقاط النظام في طهران، معتبراً أن هذا التوجه خطير، لأنه سيفتح الباب أمام سيناريوهات صراع داخلي وانهيارات محتملة، في حال تمكّن الاحتلال الإسرائيلي من تحقيق هذا الهدف بدعم غربي.
ولفت الباحث إلى تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي إسرائيل كاتس، التي قال فيها إن طهران تجاوزت الخط الأحمر باستهدافها المدنيين، معتبرا أن تلك التصريحات تمهيد صريح لضرب المنشآت الاقتصادية الإيرانية، وعلى رأسها الموانئ ومواقع إنتاج النفط، مما ينذر بتدهور خطير في طبيعة المواجهة.
وفي إشارته إلى آفاق هذه الحرب، قال مكي إن قدرات الطرفين على الصمود والتصعيد تجعل من الصعب التنبؤ بنهاية قريبة للصراع، مرجحا أن تستمر العمليات ما لم يُمارس ضغط دولي وإقليمي حاسم على الطرفين.
وأكد أن إيران تسعى لتحقيق ردع واضح ومؤثر، إذ إن مجرد إطلاق الصواريخ لا يكفي في حسابات صورتها أمام شعبها والعالم.
ورأى أن المعركة بين إيران و”إسرائيل” لا تُفهم فقط من منطلق الرد والردع، بل هي صراع على مستقبل الدور الإقليمي، إذ تسعى “إسرائيل” لتكريس وجودها كقوة مهيمنة لا تُردع، وإذا نجحت في تحقيق نصر مباشر على إيران -بدعم غربي- فستصبح لها اليد الطولى في المنطقة، وهو أمر خطير برأيه.
واعتبر أن فشل “إسرائيل” في كبح جماح طموحاتها في المنطقة، وامتلاكها القدرة على استخدام القوة دون ضوابط، سيعرّض دولا أخرى في الإقليم إلى مصير مشابه لما يُراد لإيران، في ظل خطاب سياسي إسرائيلي يعتبر بعض دول المنطقة كيانات قابلة للتفتيت والإزاحة.
ولفت إلى أن طهران قد تكون مضطرة للانكفاء مؤقتا، خصوصا مع ضغوط الساحة السورية واللبنانية، إلا أن هذه الضربات المتتالية ستدفعها للرد مجددا قبل التوقف، حفاظا على هيبتها، مؤكدا أن تصريحات عباس عراقجي الرافضة للدعوات لضبط النفس تعكس إصرارا على الرد بقوة قبل أي تهدئة.
وحسب تقديرات مكي، فإن قدرة الأطراف الفاعلة على التأثير في هذا المسار تبدو محدودة ما لم تكن مدفوعة بإرادة سياسية حازمة من واشنطن وحلفائها، مشددا على أن استمرار الوضع على ما هو عليه يعني أننا أمام فصل جديد من الصراع الإقليمي، أكثر اتساعا وخطورة من كل ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية.
شهاب
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



