مقالات
نتنياهو يخرج من الحفرة إلى الركام: ارتباك القيادة في تل أبيب بعد زلزال بات يام

لم يكن مشهد بنيامين نتنياهو وهو يتجول بين أنقاض مدينة “بات يام” عادياً. فالزعيم الذي لطالما تماهى مع صورة القائد الحازم، خرج اليوم من مخبئه مثقلاً بالخوف، محاطاً بعشرات العناصر الأمنية، وعيناه تائهتان في وجوه الحاضرين لا في الدمار من حوله. كان المشهد أشبه بخروج اضطراري لا بطولي، فرضته عليه صورة داخلية مهزوزة، ورسائل إقليمية نارية لا تحتمل التجاهل.
في “بات يام”، إحدى مناطق تل أبيب الأكثر كثافة واكتظاظاً، تهاوت الليلة الماضية أسطورة القبة الحديدية أمام وقع الصواريخ الفرط صوتية الإيرانية. هي ليست فقط ضربة عسكرية دقيقة، بل زلزال سياسي وأمني امتد صداه إلى عمق عقل المؤسسة الإسرائيلية، فأربك أولوياتها وقلب مفاهيم الردع التي طالما تباهت بها.
نتنياهو، الذي لزم الصمت طوال الساعات الأولى عقب الهجوم، خرج في ظهوره الأول ليحاول ترميم صورته لا الأبنية. لكن المفارقة كانت فاضحة: رجل يرتجف بين الركام، لا قائد يزرع الطمأنينة. لم ينبس بكلمة قوية، ولم يحمل خطابًا وطنيًا، بل اكتفى بحركات باردة وسط حضور أمني مفرط، وكأنه في ساحة معركة لا مدينة مدنية.
ليس من السهل على تل أبيب أن تعترف بأن قواعد الاشتباك قد تغيرت. فالصواريخ التي اخترقت عمقها ليلًا لم تكن فقط أدوات تدمير، بل رسائل مدروسة بعناية. إيران، عبر هذا الهجوم، أعلنت أنها باتت لاعبًا صريحًا في معادلة الردع، وأن الزمن الذي كانت فيه الجغرافيا تحمي “إسرائيل” قد ولى.
المفارقة أن “بات يام” التي نُظر إليها طويلاً كمنطقة هامشية خارج دوائر الصراع، باتت اليوم في قلب المشهد. الدخان المتصاعد من شوارعها لا يختنق برائحة البارود فقط، بل برائحة الهزيمة السياسية التي تحاول حكومة الاحتلال التستر عليها خلف العبارات المعلبة والتصريحات العسكرية الجوفاء.
ربما الأهم في كل ما يجري أن الشارع الإسرائيلي لم يعد يثق لا بالحكومة ولا بالجيش. فمشاهد الهلع، وصفارات الإنذار المتكررة، وغياب الثقة بالإعلام الرسمي، كلها مؤشرات على تصدّع داخلي آخذ في التوسع.
ما حدث في بات يام ليس نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة. مرحلة تعيد رسم خرائط الردع، وتفضح هشاشة الداخل الإسرائيلي الذي طالما حاول إخفاءه خلف أدوات القمع والتفوق التكنولوجي.
اليوم، ونحن نراقب ارتباك نتنياهو وارتعاشاته وسط الركام، نوقن أكثر من أي وقت مضى أن كيان الاحتلال لم يعد آمناً، لا في غلاف غزة، ولا في قلب تل أبيب.
بقلم: حسين صدقة – مدير مركز صدى للإنتاج الإعلامي
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



