أخبار لبنانمقالات

مع سيمون كرم، الكيان يفاوض نفسه..!

 

يطرح قرار تكليف سيمون كرم بمهمات التفاوض مع إسرائيل أسئلة جوهرية حول طبيعة القرار السياسي في لبنان، ومعايير اختيار الشخصيات المكلّفة بإدارة ملفات سيادية شديدة الحساسية. فهذه المهمة لا تتعلق بإجراء تقني أو بروتوكولي، بل بملف يرسم الحدود ويحدّد السيادة ويؤسس لمعادلات قوة تستمر لعقود. لذلك، فإن اسم المفاوض ليس تفصيلاً، بل هو جزء من مضمون التفاوض نفسه، وجزء من الرسالة التي توجهها الدولة إلى الداخل والخارج في آن.

  

من هنا تنبع الإشكالية العميقة في تسليم هذا الملف إلى شخصية مثل سيمون كرم الذي يملك تاريخاً معروفاً من التواصل والتنسيق مع المخابرات العسكرية الإسرائيلية خلال فترة احتلال جزين، وتاريخاً آخر من العداء العلني والفعلي للمقاومة ولأي نشاط مسلح ضد الاحتلال في المنطقة التي كان يشرف عليها.

 

والسؤال الذي يطرحه هذا التعيين ليس فقط: «من هو الرجل؟»، بل: «ماذا يعني أن تختار الدولة اللبنانية شخصاً كهذا ليمثلها في اشتباك تفاوضي مع عدو لا يزال يحتل أرضاً لبنانية، وينتهك السيادة أسبوعياً، ويرفض الاعتراف بحقوق لبنان البحرية والبرية؟».

 

أولاً: المفاوض كصورة عن الدولة

تقوم الفلسفة السياسية للتفاوض على مبدأ أن المفاوض يجسّد إرادة الدولة وموقعها في موازين القوة. فالمقاومة، بما أنجزته من تحرير وفرض معادلة ردع، شكّلت على مدى العقدين الماضيين الركن الأساسي في تغيير قواعد اللعبة مع الكيان. وقد أدّى ذلك إلى إنتاج موقع جديد للبنان: بلد ليس عاجزاً ولا خاضعاً بالكامل، بل يمتلك أدوات قوة فعلية تمنع فرض الشروط عليه من دون ثمن.

  

حين تختار دولة ما مفاوضاً، فإنها تختار صورة لها، وتختار الموقع الذي تريد أن تظهر به. اختيار شخصية ليست فقط بعيدة عن هذا الموقع الجديد، بل معادية له، يطرح احتمالاً خطيراً: هل هو تخلٍّ عن موقع القوة الذي راكمه لبنان؟ أم هو محاولة للعودة إلى زمنٍ كانت فيه الدولة تدير علاقتها مع الاحتلال من موقع الضعف، أو من موقع الانقسام الداخلي الذي يجعلها بلا مرجعية سيادية موحدة؟

 

ثانياً: التفاوض مع “إسرائيل” أم مع الذات؟

تعبير «إسرائيل تفاوض نفسها» ليس مجرد مجاز، بل يمكن قراءته كتحليل سياسي. فالمفاوض الذي يحمل تاريخاً من التعاون مع العدو، أو من الانسجام مع منظومته الأمنية، يُنظر إليه – في علم التفاوض – بوصفه طرفاً غير محايد وغير قادر على ممارسة الضغط أو إنتاج ميزان قوى فعلي.

 

“إسرائيل” لا تحتاج إلى مفاوض يوافقها، بل تخشى المفاوض الذي يرفض شروطها ويُحسن إدارة أوراق القوة. وهنا مكمن الخلل في تعيين كرم: أنه يرسل إلى الطرف الإسرائيلي رسالة مفادها أن لبنان يأتي إلى الطاولة منشطراً على ذاته، وأنه يقدّم للمحتل طرفاً لطالما رفض المقاومة، أي رفض المصدر الوحيد الذي فرض على إسرائيل التراجع.

  

المفاوض الذي يحمل تاريخاً من التعاون مع العدو، أو من الانسجام مع منظومته الأمنية، يُنظر إليه في علم التفاوض بوصفه طرفاً غير محايد في تجارب الدول التي تفاوضت على حدود أو سيادة – من فيتنام إلى الجزائر وجنوب أفريقيا – كان اختيار المفاوضين يتم من بين الشخصيات التي تمتلك شرعية نضالية أو سيادية، أو على الأقل انتماءً وطنياً صلباً. فالمفاوض هنا ليس مجرد موظف، بل أحد عناصر إنتاج الخطاب الوطني.

أما حين يختار بلدٌ ما شخصية تثير جدلاً بهذا الحجم، فإن التفاوض يتحول إلى عملية داخلية أكثر منه عملية خارجية: صراع بين رؤيتين للبنان، لا تفاوضاً بين لبنان وإسرائيل.

  

ثالثاً: سيرة تكشف الرؤية

لا يمكن النظر إلى تاريخ سيمون كرم كمسألة شخصية. فالرجل كان خلال احتلال جزين على تماس مباشر مع الجيش الإسرائيلي وأجهزته، وكان يرفض عمل المقاومة داخل المنطقة التي كانت خاضعة عملياً لسيطرة الاحتلال. هذا ليس مجرد موقف سياسي، بل جزء من منظومة سلوكية وسياسية تنسجم مع الاحتلال وتعمل ضمنه.

 

هذا الماضي يكتسب أهمية مضاعفة اليوم، لأنه يحدد ملامح دوره كمفاوض: هل يمكن لمن كان منسجماً مع بنية الاحتلال أن يتصرف كخصم تفاوضي صلب؟ هل يمكن لمن عادى المقاومة أكثر مما عاداها المحتل أن يفاوض على حقوق رسّختها المقاومة نفسها؟

 

من الناحية البسيطة، المفاوض هو من يتحدث باسم القوة الوطنية. أما كرم، فهو شخصية تتناقض جذرياً مع القيمة المركزية التي مكّنت لبنان من امتلاك ورقة قوة، وهي المقاومة. فكيف يمثّل ما يعاديه؟ وكيف يحمي ما رفضه؟ هذا الانفصام الأخلاقي والسياسي يجعل التفاوض هشاً منذ لحظته الأولى.

 

رابعاً: التوقيت والسياق

يأتي تكليف كرم في لحظة إقليمية حساسة:

• “إسرائيل” في حالة ارتباك داخلي، لكنها مستعدة لاستثمار أي خلل لبناني لمصلحتها.

• الولايات المتحدة تلعب دور الوسيط، لكنها ليست وسيطاً محايداً، بل قوة تتقاطع مصالحها مع إسرائيل غالباً.

• لبنان يعيش انقساماً سياسياً حاداً يجعل أي ملف تفاوضي عرضة للاستثمار الداخلي.

في هذا السياق، اختيار مفاوض «معجون بماء المخابرات الأميركية – الإسرائيلية» (كما يصفه خصومه)، ليس تفصيلاً تقنياً، بل قد يكون مؤشراً إلى رغبة في إعادة ضبط موقع لبنان بما يتناسب مع الرؤية الأميركية للحل، أو على الأقل سحب ملف التفاوض من يد القوى التي أنتجت موقع القوة الحالي.

 

هو اختيار يبدو كأنه يقول: «دعونا نرجع إلى الطريقة القديمة في إدارة الملف». لكن هذه الطريقة القديمة هي نفسها التي أدّت إلى خسارة لبنان لجزء من حقوقه البحرية، وإلى التنازلات التي كادت أن تُفرض عليه في ملفات متعددة.

  

خامساً: هل كان في الإمكان أفضل من ذلك؟

طبعاً. لو كان الهدف إنتاج تفاوض وطني، لكان من البديهي اختيار شخصية:

1. لا شبهة عليها بالتعاون مع الاحتلال.

2. تمتلك موقفاً وطنياً سيادياً واضحاً.

3. لا تمثل فئة حزبية ضيقة.

4. تفهم موازين القوى الجديدة التي تأسست منذ عام 2000.

5. قادرة على التفاوض من موقع قوة لا من موقع تلاؤم مع الضغوط الخارجية.

 

في لبنان عشرات الشخصيات التي تجمع بين المهنية والسيادة والاستقلالية. لكن اختيار شخصية مثيرة للانقسام، ومرتبطة تاريخياً بالاحتلال، يعطي الانطباع بأن المطلوب ليس تفاوضاً وطنياً، بل إعادة إنتاج رؤية سياسية تعود بالعلاقة مع إسرائيل إلى ما قبل عام 2000.

 

سادساً: التفاوض كمرآة للسياسة الداخلية

هذا التعيين لا يمكن قراءته خارج المناخ السياسي اللبناني. وكأن الصراع المحلي يُسقط على ملف التفاوض: فريق يريد تثبيت معادلة الانضواء الكامل ضمن الرؤية الأميركية – الإسرائيلية، وفريق آخر يتمسك بمعادلة القوة الوطنية التي فرضتها المقاومة.

لكن المشكلة ليست فقط في الانقسام، بل في أن تعيين المفاوض يتحول إلى وسيلة لإقصاء مكوّن لبناني أساسي عن ملف هو بالأساس نتاج تضحياته. هذا ليس خطأً سياسياً فحسب، بل خطأ استراتيجي: فالتفاوض القوي يبدأ من جبهة داخلية موحدة، لا من جبهة منقسمة أو مفككة.

 

خاتمة: ماذا يعني هذا الاختيار؟

يعني الكثير.

يعني أن الدولة ترسل إشارة سلبية إلى شعبها قبل أن ترسلها إلى العدو.

يعني أنها تختار مفاوضاً يمثل رؤية سياسية لا علاقة لها بما صنعته المقاومة من قوة للبنان.

ويعني أيضاً أن التفاوض، في حال مضى بهذا الشكل، سيكون مشبوهاً بنتائجه قبل أن يبدأ، لأن قاعدته الوطنية غير متينة.

من حق اللبنانيين أن يسألوا: هل يمكن أن يحمي حقوق الوطن من وقف ضد حماية الوطن؟ وهل يمكن أن يفاوض العدو من لم يرَ يوماً أن الاحتلال عدو؟ وهل يمكن أن يُبنى مستقبل لبنان الحدودي والسيادي على يد شخص لا يمثل إلا جزءاً صغيراً من لبنان، فيما يثير رفضاً واسعاً لدى غالبية أخرى؟

 

التفاوض مع الكيان الغاصب ليس شأناً إدارياً، بل قرار سيادي. وإن كان لا بد من تفاوض، فالمطلوب شخصية وطنية، سيادية، محايدة عن الاصطفافات الخارجية، وقادرة على حمل إرادة اللبنانيين كلهم. أمّا أن يُسلّم الملف إلى شخصية ذات تاريخ ملتبس مع الاحتلال، فذلك لا يبشر إلا بعودة التفاوض إلى ما كان عليه: عملية بلا عمق، بلا قوة، وبلا رؤية، تشبه المفاوض لا مصالح الوطن.

  

كريم حداد – الأخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى