تكنولوجيا

هل يُضعف الذكاء الاصطناعي عقولنا؟

 

وليست هذه المخاوف وليدة اليوم. ففي كل مرة تظهر فيها تقنية جديدة، يعود السؤال ذاته بأشكال مختلفة. لقد سبق لسقراط أن عبّر عن قلق مشابه عندما انتقد اختراع الكتابة، محذرا من أن الاعتماد عليها سيضعف الذاكرة ويفرغ العقل من قدرته على الحفظ. وفي القرن العشرين، واجهت الآلات الحاسبة ومحركات البحث الإلكترونية انتقادات شبيهة: ألن تجعلنا أقل قدرة على التذكر والحساب والاستنتاج؟ واليوم، ومع الصعود السريع والمذهل للذكاء الاصطناعي، تعود هذه التساؤلات بحِدّة أكبر: هل يؤدي تفويضنا المتزايد للآلة إلى تفريغنا من عبء التفكير والتعلم؟ أم أن في الأمر تحولا وجوديا في طبيعة الذكاء نفسه، يستدعي إعادة تعريف ما يعنيه أن تكون “ذكيا” في العصر الحديث؟

ويوضح عالم النفس الأميركي هوارد غاردنر، أستاذ الإدراك والتعليم بجامعة هارفارد، في تصريح خاص لـ”المجلة” أن الذكاء الاصطناعي ليس أكثر من أداة، رغم ما يتمتع به من قوة مبهرة وإمكانات هائلة. وكأي أداة، فإنه يحمل في طياته إمكان الاستخدام البناء أو المضر. فقد يكون وسيلة لدعم تفكيرنا وتطويره، أو عقبة في طريق توليد أفكارنا الخاصة.

ويرى غاردنر أن الاستخدام الحالي لهذه التكنولوجيا قد يقيد قدرات كثير من الأفراد، لا سيما في مجالي الذكاء اللغوي والمنطقي، إذ يميل البعض إلى الاعتماد المفرط عليها حتى يفقدوا دافعهم العقلي ويقعوا في فخ الكسل الذهني. لكنه في المقابل يؤكد أن في الإمكان التعامل مع هذه الأدوات بطريقة أكثر تفاعلية، من خلال محاورتها ومساءلتها ومجادلتها، وهو ما من شأنه أن يساهم في تنمية قدراتنا العقلية بدلا من إضعافها.

التفريغ المعرفي

يُعدّ مفهوم “التفريغ المعرفي” من الركائز الأساس لفهم الكيفية التي تؤثر بها التكنولوجيا على أداء عقولنا. ويشير هذا المفهوم ببساطة إلى نقل المهام الذهنية من الدماغ البشري إلى أدوات خارجية، بدلا من القيام بها ذاتيا. في حياتنا اليومية، نمارس هذا التحويل تلقائيا: حين نستخدم تطبيقا لتذكيرنا بالمواعيد، أو نلجأ إلى محرك بحث لإيجاد معلومة، فإننا بذلك نخفف العبء عن ذاكرتنا أو عن قدرتنا على اتخاذ القرار، بإيكالها إلى الجهاز.

ومع التطور المتسارع وتنوع أدوات الذكاء الاصطناعي، توسع نطاق هذا التفريغ ليشمل وظائف معرفية أكثر تعقيدا، مثل اختيار المنتجات، أو تحليل الاتجاهات، أو حتى اتخاذ قرارات حياتية صغيرة. لم يعد الأمر يقتصر على تذكير أو بحث، بل أصبحت هذه الأدوات قادرة على تقديم إجابات فورية عن كل تساؤل تقريبا، مما يقلل الحاجة إلى التروي أو المفاضلة، وقد يضعف بمرور الوقت قدرتنا على ممارسة التفكير المتأني واتخاذ القرار الواعي.

ويرى الخبراء أن التفريغ المعرفي ظاهرة مزدوجة التأثير. فمن جهة، يمكن أن يكون مفيدا، إذ يحرر أذهاننا من الأعباء البسيطة ويوفر مساحة للتركيز على التحديات الإبداعية أو المعقدة. لكن من جهة أخرى، فإن الإفراط في الاعتماد على هذه الوسائل قد يؤدي إلى تراجع في ممارسة المهارات الذهنية الأساسية، مثل التذكر، والتحليل، والتقدير الذاتي للمواقف، وهي مهارات كان العقل يدرب نفسه عليها بشكل تلقائي أثناء أداء تلك المهام.

من بين المهارات الذهنية التي تثير القلق في عصر الذكاء الاصطناعي، تبرز مهارة التفكير النقدي والتحليل كواحدة من أكثر المهارات المهددة بالتراجع. فالتفكير النقدي لا يقتصر على مجرد التذكر أو اتخاذ القرار، بل يتطلب قدرة عميقة على تحليل المعلومات، تقييمها منطقيا، والتمييز بين الصحيح والمغلوط. ومع الاعتياد المتزايد على الحصول على إجابات جاهزة من أدوات الذكاء الاصطناعي، يطفو على السطح تساؤل ملحّ: هل نفقد تدريجيا قدرتنا على التفكير النقدي العميق؟

وقد عبّر عدد من الباحثين عن قلقهم من هذا التراجع، ومن بينهم غيرد غيغرنزر، أستاذ علم النفس السابق بجامعة شيكاغو، وزميل القانون بجامعة فيرجينيا، والمدير الحالي لمركز “هاردينغ” بجامعة بوتسدام، الذي صرح لـ”المجلة” قائلا إن “سهولة الاستخدام قد تصبح عدوا للمسؤولية، فهي تنزع منا شجاعة التفكير الذاتي والقدرة على الوصول إلى أحكام مستقلة. وتبذل شركات التكنولوجيا قصارى جهدها لجعلنا كالأطفال، تسيطر على أفكارنا ومشاعرنا، ضمن استراتيجيا ربحية هدفها الأساس سلب الأفراد سيطرتهم المعرفية”.

ويلعب التعليم دورا محوريا في مواجهة هذا التحدي. فكلما ارتفع مستوى التأهيل الأكاديمي، زادت القدرة على التشكيك والتفكير النقدي المنهجي، بدلا من التسليم الأعمى بكل ما تقدمه التكنولوجيا. تبرز هنا مشكلة إضافية تتعلق بالثقة الزائدة في أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ يميل البعض إلى قبول نتائجها دون مراجعة أو تمحيص، مما يسهّل تسلل الأخطاء أو الانحيازات دون أن تُكتشف.

الذاكرة والانتباه

إلى جانب التأثير الواضح على التفكير النقدي، تتعرض الذاكرة البشرية بدورها لضغوط متزايدة مع تصاعد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. فقد بات يُنظر إلى الإنترنت وأدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها “ذاكرة خارجية” نلجأ إليها متى شئنا، مما قلل حاجتنا – بل دافعنا – لتخزين المعلومات في ذاكرتنا الطويلة الأمد. فعندما نعلم أن المعلومة متاحة على بعد نقرة واحدة، فإننا نميل إلى عدم الاحتفاظ بها، وهو ما يؤدي إلى تسارع وتيرة النسيان، لأننا ببساطة لم نعد نمارس عملية الاسترجاع الذهني، بل نكتفي بمعرفة كيفية الوصول إلى المعلومة وقت الحاجة.

ولا تقف التأثيرات عند حدود الذاكرة، بل تمتد إلى الانتباه والتركيز، وهما من المهارات المعرفية الأساس التي تتأثر سلبا في ظل البيئة الرقمية المتسارعة. ورغم أن هذه الظاهرة غالبا ما تُربَط بمواقع التواصل الاجتماعي والمحتوى القصير، إلا أن أدوات الذكاء الاصطناعي تشارك فيها أيضا. فالحصول الفوري على إجابات قد يضعف قدرتنا على التريث والبحث والتقصي، ويغذي فينا نزعة نحو الحلول السريعة، مما يقلل قدرتنا على التركيز لفترات ممتدة أو الانخراط العميق في التفكير المتأني.

وفي هذا السياق، يلفت البروفسور مانفريد شبينتسر النظر إلى أن التأثيرات المعرفية لا تتوقف عند حدود الذاكرة أو الانتباه، بل تطال طيفا واسعا من القدرات العقلية والعاطفية. فهو يرى أن هناك تدهورا مقلقا في وظائف ذهنية عدة مثل التعلم، والتحكم التنفيذي، وضبط العواطف، إلى جانب تراجع واضح في المهارات الاجتماعية، كالتعاطف، وتبنّي وجهات نظر الآخرين، والقدرة على الانخراط العاطفي الحقيقي.

أما في ما يتعلق بالإبداع البشري، فقد يبدو في الظاهر أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يقيّد الخيال، خاصة في ظل قدرة هذه الأدوات على إنتاج الأفكار، والصور، والموسيقى، وحتى النصوص، بشكل شبه تلقائي. وهذا يدفع إلى التساؤل: ما الذي يتبقى من الإبداع البشري إذا كانت الآلة قادرة على توليد كل شيء؟ إلا أن الواقع أكثر تعقيدا من هذا الطرح المبسط. فالأثر الإبداعي للذكاء الاصطناعي ليس أحادي الاتجاه، بل يعتمد بشكل كبير على طريقة استخدامه. فقد يكون عائقا إذا حل محل الخيال، لكنه قد يصبح محفزا للإبداع إذا استُخدم كأداة توسع المدارك وتثير الأسئلة وتلهم الأفكار الجديدة.

وفي خضم هذه المخاوف المرتبطة بتأثير التكنولوجيا على الأجيال الناشئة، يحذّر البروفسور مانفريد شبينتسر من التأثير العميق للبيئة الرقمية على أدمغة الأطفال في طور النمو، ويقول: “ينبغي أن نشعر بالقلق تجاه الجيل القادم، الذي يقضي ما يصل إلى عشر ساعات يوميا على منصات تملكها شركات عملاقة لا تهتم بصحة أطفالنا أو تعليمهم، بل تهدف إلى تحقيق الأرباح. وإذا كانت اللدونة العصبية حقيقة مثبتة، فإن الهواتف الذكية – والذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص – تعمل على الدماغ كما تعمل السيارات والمصاعد والسلالم المتحركة على العضلات: تسهّل الاستخدام، لكنها تضعف الأداء إذا تم الاعتماد عليها كليا”.

المجلة

 

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى