مقالات

الأساطيل البحرية قبالة لبنان: انتشار دفاعي ام مظلة دعم ل”الكيان”؟

قبالة السواحل اللبنانية، في المياه الاقتصادية تحديداً، ينتشر أكبر تشكيل عسكري بحري مكوّن من عشرات القطع البحرية الأوروبية والاميركية والاسرائيلية في ما يشبه حصار مطبق، يهدف إلى تأمين ساحة العدو البحرية والجوية، ومساعدته استخباراتياً بالرادارات وأجهزة التنصت والتجسس.

قصة الانتشار هذا بدأت تزامناً مع العدوان الأميركي-الاسرائيلي على دول محور المقاومة، ومنها لبنان، حينها تحول البحر الأبيض المتوسط إلى ساحة انتشار كثيف لقطع بحرية عسكرية تابعة لدول أوروبية من حلف «الناتو» بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.

هذا الحضور البحري يطرح أسئلة حول طبيعة أدوارها، لا سيّما لناحية تفعيل «الحرب الشبكية» في العمليات البحرية، واحتمالية تعزيز منظومة الإنذار المبكر والدفاعات الجوية لصالح العدو الإسرائيلي، بعد رصد الأهداف وتتبعها، او حتى امكانية اعتراضها عسكرياً او فنياً، وهو ما جرى في عدوان عام 2024 عندما ساهمت مدمرة ألمانية في التصدي لمسيّرة تابعة للمقاومة.

تشير تقارير «عمليات المتوسط الصادرة عن حلف شمال الأطلسي «الناتو» والاسطول السادس الاميركي ووزارات دفاع الدول الأوروبية، إلى نشاط بحري عسكري واسع في البحر الأبيض المتوسط في شهري آذار ونيسان. وتوضح بيانات الأسطول السادس الأمريكي تحديداً أن «هذا التشكيل يُعد من أكبر القوات البحرية العاملة في البحر المتوسط»، ويتكوّن من عشرات السفن بما فيها مدمرات وقوات دعم وحاملات طائرات ضمن نطاق العمليات الأوروبي.

تفاصيل القطع البحرية

بحسب المعطيات التي حصلت عليها «الأخبار»، سُجل قبالة السواحل اللبنانية تواجد لقطع بحرية عديدة، حيث رصدت المدمرة الفرنسية «Acquitane Class» لكشف الأهداف الجوية والمراقبة، ومدمرة «Daring» بريطانية، والتي تعمل برادار «s1850» لكشف الاهداف الجوية بعيدة المدى، الى جانب مدمرة وفرقاطة وكاسحة ألغام ألمانية، ومدمرة «ANDERIA Doria» الإيطالية، التي تحتوي على رادار «S1850»، فضلاً عن الفرقاطة اليونانية «Hydra Class Frigate» لرصد النشاط الجوي.

وبالطبع سجل تواجد للبوارج والسفن الحربية الإسرائيلية من نوع «ساعر 5» و«ساعر 6»، بالاضافة الى رصد المدمرة الأميركية «Arleigh Burke » (لجهة فلسطين المحتلة) التي تعتمد منظومة «Aegis» لكشف الصواريخ البالستية والتعامل معها، مع عدد من قطع الاستطلاع والدعم.

ووفقاً لبيانات موقع «Naval Technology» المتخصص في الصناعات الدفاعية البحرية، وموقع «GFP» المتخصص بالشؤون العسكرية، تعتمد المدمرات البريطانية من فئة «Daring Class» رادار «SAMPSON» متعدد المهام ورادار «S1850M» للإنذار المبكر بعيد المدى، إضافة إلى منظومة «Sea Viper» وصواريخ «Aster» للدفاع الجوي، مع خلايا إطلاق عمودي ومدفع بحري ومهبط للمروحيات.

وتَجمع «Aquitaine» الفرنسية بين مهام الدفاع الجوي والحرب المضادة للغواصات والقتال السطحي، وتعتمد على رادار «Thales Héraklès»، وأنظمة سونار متقدمة لمكافحة الغواصات، إضافة إلى صواريخ «Exocet» المضادة للسفن وطوربيدات بحرية، مع خلايا إطلاق عمودي.

أما المدمرات الايطالية من فئة «Andrea Doria»، فتعتمد رادار «EMPAR» متعدد المهام ورادار «S1850M» للإنذار المبكر، إلى جانب منظومة صواريخ «Aster» للدفاع الجوي. وتضم هذه القطع خلايا إطلاق عمودي ومدفعية بحرية وصواريخ مضادة للسفن. وتعتمد فرقاطة «Hydra Class» تصميم «MEKO 200» الألماني، وتضم رادارات ثلاثية الأبعاد وأنظمة إدارة نيران وصواريخ مضادة للسفن، إضافة إلى أنظمة سونار لمكافحة الغواصات.

الحرب البحرية الحديثة لم تعد تعتمد على السفينة المنفردة بل على الشبكة القتالية المترابطة

وتُعد مدمرات «Arleigh Burke» من أهم القطع القتالية في البحرية الأمريكية التي تعتمد منظومة «Aegis» القتالية ورادار «AN/SPY-1» ثلاثي الأبعاد، وتضم خلايا إطلاق عمودي «Mk 41» قادرة على تشغيل صواريخ للدفاع الجوي والصاروخي، وصواريخ «Tomahawk» للهجوم بعيد المدى، إضافة إلى صواريخ «ASROC» المضادة للغواصات.

وتُصنَّف القطع البحرية الإسرائيلية من فئتي «ساعر 5 وساعر 6» كـ«كورفيتات» متعددة المهام، يثبت فيها مدفع بحري رئيسي، وهي التي كانت تُعتمد بشكلٍ كبير الى جانب الطائرات الحربية في الاعتداء على لبنان. وتضم فئة «ساعر 5» صواريخ مضادة للسفن ومنظومات دفاع جوي وأنظمة مكافحة الغواصات، بالإضافة إلى مهبط للمروحيات. أما فئة «ساعر 6»، فتعتمد على رادار«EL/M-2248» متعدد المهام، وتضم خلايا إطلاق عمودي ومنظومة دفاع جوي «Barak-8» وصواريخ مضادة للسفن وأنظمة حرب مضادة للغواصات.

هذه المعطيات عرضتها «الأخبار» على مسؤول الاعلام العام العسكري في اليونيفيل الرائد Raffaele Avolio الذي نفى ارتباطها باليونيفيل، ما يعني أنّ هذه القطع البحرية تبقى أصولاً تابعة للبحريات الوطنية للدول المعنية، وتعمل ضمن مهامها الخاصة أو في إطار حلف الناتو.

التذرع باستهداف قاعدة «أكروتيري» في قبرص

في اليوم الأول من العدوان الإسرائيلي – الأميركي على إيران، وبحسب «رويترز» استهدفت قاعدة البريطانية في «أكروتيري» بقبرص. هذا الإعلان كان كفيلاً بإطلاق حالة استنفار أوروبي بحري وجوي وإعلان تضامن مباشر مع قبرص ووصول هذا الحشد الأوروبي إلى البحر الأبيض المتوسط.

حينها أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن إرسال «مروحيات مزودة بقدرات مضادة للطائرات المسيّرة» إلى جانب المدمرة الحربية «HMS Dragon» إلى قبرص. وتُعد هذه المدمرة واحدة من مدمرات الدفاع الجوي الست من الفئة «Type 45» التابعة للبحرية الملكية، والمزوّدة بمنظومة «Sea Viper» القادرة على إطلاق ثمانية صواريخ خلال أقل من 10 ثوانٍ، مع توجيه ما يصل إلى 16 صاروخاً في وقت واحد.

ومن جهته، أعلن آنذاك وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو أن «إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وهولندا سترسل أصولاً بحرية لحماية قبرص». لاحقاً، كشفت وزارة الدفاع الإسبانية عن نيتها إرسال فرقاطتها الأكثر تطوراً، «Cristóbal Colón»، للانضمام إلى حاملة الطائرات الفرنسية «Charles de Gaulle» وسفن البحرية اليونانية، بهدف «توفير الحماية والدفاع الجوي ودعم أي عمليات إجلاء للمدنيين».

وكانت صحيفة «The Guardian» البريطانية قد اكدت نشر مدمرات ومنظومات دفاع جوي بريطانية وفرنسية في شرق المتوسط لمواجهة تهديدات إيرانية أو من حلفاء إيران في لبنان.

وبينما تؤكد الدول المشاركة أن غاية انتشارها في شرق المتوسط دفاعية، يرى مراقبون أن حجم وقدرات هذه القطع يفرض قراءة أوسع لتأثيرها المحتمل في ميزان الرصد والسيطرة، إذ أن هذه القطع تتمتع بقدرات رادارية واستخباراتية متطورة، تعتبر فعالة حتى ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة.

وما يعزز من هذه التساؤلات الى جانب المعطيات العسكرية، أن خوض العدو الاسرائيلي لحروبه عادة، لا يعد مواجهة ثنائية تقليدية بين طرفين فقط، إذ يتقدّم في ظاهرها العدو على الخط الأول، وبطبيعة الحال الولايات المتحدة الأمريكية من خلفه كداعم علني، بينما تقف خلفه منظومة دعم غربية تلعب ادواراً متفاوتة، سواءً في الإسناد العسكري او في التعاون الاستخباراتي، حتى ان الحديث عن حرب كونية على المقاومة ليس إلا توصيفاً دقيقاً لحقيقة مطموسة في السرديات.

حق لبنان في المقاضاة؟

من الناحية القانونية يعد الدخول للمياه الإقليمية اللبنانية (12 ميل بحري) امراً يتطلب تنسيقاً أو اتفاقيات مع الحكومة اللبنانية، وفي حال عدم وجود ذلك، يُعتبر الأمر محل نزاع قانوني وسياسي دولي.

في المقابل، يحق للقطع المناورة في المياه الاقتصادية الخالصة وأعالي البحار بحرية تامة، ولكن في حال ثبت ان تجسساً ما قد حصل وأدى الى جرائم حرب، بمعزل عن اماكن تواجد القطع البحرية، يحق للدولة اللبنانية مقاضاتهم قانونياً، مع الاشارة الى صعوبة اثبات ذلك وفق الخبراء الذين تواصلت معهم «الاخبار».

ولكن مجرد وجود هذه الإمكانات المتطورة في القطع، يفتح باب النقاش حول مدى استفادة العدو الاسرائيلي منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمعزل عن قانونية التواجد من عدمه، فقد أثبت التطور التكنولوجي، ولا سيما لدى استخبارات العدو العسكرية، إمكانية اختراق البيانات الرقمية والإشارات الملتقطة وكل ما يدور في هذا الفلك، لذلك فإن استفادة العدو واردة حتى دون أي تعاون من الطرف الآخر، خصوصاً في ظل اعتماد التشكيلات البحرية العسكرية أنظمة الربط الشبكي.

مجرد وجود هذه الإمكانات المتطورة يفتح باب النقاش حول مدى استفادة العدو الإسرائيلي منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة

مع الاشارة الى ان تقارير خدمة ابحاث الكونغرس تؤكد وجود تعاون استخباري وأمني واسع بين الولايات المتحدة والعدو الاسرائيلي، خاصة في مجالات «مكافحة الإرهاب» وتبادل المعلومات الأمنية.

وفي السياق الأوروبي، تشير أبحاث المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا إلى وجود تعاون أمني واستخباري ثنائي بين بريطانيا والعدو الاسرائيلي، يتركز أساساً على «مكافحة الإرهاب» وتبادل المعلومات.

وبينما يعد العدو الاسرائيلي من الدول الشركاء لحلف الناتو ضمن إطار حوار البحر المتوسط، وهو برنامج تعاون سياسي وأمني يهدف إلى تعزيز الحوار والتعاون في مجالات الأمن والاستقرار الإقليمي ومكافحة التهديدات المشتركة، تشير وثائق الناتو إلى أن التعاون مع الشركاء قد يشمل تبادل المعلومات ذات الطابع الأمني والتنسيق في مجالات مثل مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي.

الحرب الشبكية في العمليات البحرية الحديثة

تجمع العقيدة العسكرية الحديثة بين الناتو والبحرية الأمريكية على أن الحرب البحرية لم تعد تعتمد على السفينة كمنصة منفردة، بل على «الشبكة القتالية المترابطة» التي توحد الرؤية والقرار والنار ضمن نظام واحد، حيث تصبح القدرة الحقيقية هي سرعة تبادل البيانات.

وتُعرَّف الحرب الشبكية بأنها مفهوم عسكري يقوم على ربط جميع وحدات القتال البحري والجوي والفضائي، بحيث تتحول القوة إلى منظومة قتالية مترابطة.

وتوضح وثائق البحرية الأمريكية الخاصة بمفهوم العمليات البحرية الموزعة أن الهدف من هذا النهج هو «توزيع القوات البحرية عبر مساحات واسعة مع الحفاظ على القدرة على تركيز النيران والبيانات القتالية بشكل مشترك عبر الشبكات الرقمية».

أنظمة الربط الشبكي

وتشير وثائق الناتو إلى أن العمود الفقري لهذا النظام هو شبكة «Link 16»، وهي نظام اتصال عسكري آمن ومشفر يتيح تبادل بيانات الرادار والأهداف بين السفن والطائرات ومراكز القيادة.

كما يُعد نظام القتال الأمريكي «Aegis Combat System» أحد أبرز التطبيقات العملية لهذا المفهوم، حيث يدمج بيانات الرادار وأنظمة الصواريخ ضمن شبكة قتالية تسمح بتبادل الأهداف بين سفن متعددة.

تمجيد قبيسي-الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى