متفرقات
على الدنيا بعدك العفاء: حكاية قلب الحسين مع ابنه

ومضات الحسين فينا
الحلقة الثامنة
عليّ الأكبر… ومضةُ الشبابِ الذي سبقَ عمرَه
في كربلاء، لم يكن كلُّ الشهداء رجالًا عجّزًا أو مقاتلين متمرّسين…
كان فيهم شابّ، يافع، جميل…
كان إذا مشى، خُيّل للناظرين أن النبيّ قد عاد يمشي من جديد.
هو عليّ بن الحسين بن علي…
لكنهم ما كانوا ينادونه بلقبه.
كانوا يقولون: «خرج إليهم شابّ، أشبهُ الناس خَلقًا وخُلقًا ومنطقًا برسول الله.»
وكان هذا يكفي ليهتزّ قلبُ الحسين.
شابٌّ ما عاش شبابه كما أراده الناس،
بل عاشه كما أراد الله…
شابٌّ سبقَ عمره،
ليس بالعلم فقط، بل بالبصيرة، بالموقف، وبالاستعداد للفداء.
حين خرج عليّ الأكبر إلى الميدان،
لم يكن يبحث عن بطولة،
بل كان يمشي وكأنّ على كتفيه رسالة…
وكأنّ شهادته ليست ختامًا، بل بدايةً لحكاية.
ركب فرسه، ونظر إلى الحسين نظرةَ وداع،
فبكى الحسين بكاءً لم يُعرف له مثيل،
وقال: «اللهم اشهد، لقد برز إليهم غلامٌ، أشبه الناس خَلقًا وخُلقًا ومنطقًا بنبيّك… وكنا إذا اشتقنا إلى نبيّك، نظرنا إليه.»
ثم رفع صوته إلى السماء وقال:
«اللهم كن أنت الشهيد عليهم، فقد برز إليهم غلامٌ، كلّما نظرنا إليه، ذكرنا رسولك.»
وكأنّ الحسين لم يكن يسلّم ابنه فقط،
بل يسلّم قطعةً من رسول الله، ليُذبح من جديد.
قاتل عليّ قتال الأبطال،
لكنّ التعب أخذ منه ما أخذ.
عاد إلى والده للحظة، وقال:
«يا أبتِ، العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني… أفهل إليك من سبيلٍ إلى شربة ماء؟»
فنظر إليه الحسين،
وقال له:
«قاتِلْ بُنيّ، فما هي إلّا سويعات، ويلقاك جدّك رسول الله، فيسقيك شربةً لا تظمأ بعدها أبدًا.»
وكأنّ الحسين كان يودّ لو يخلع قلبه ليسقيه،
لكنّه سلّمه للقدر المحتوم.
بقلبٍ يحترق…
وعينين لا تبكيان، بل تتشظّيان.
قاتل عليّ الأكبر حتى سقط عن فرسه،
وما إن سمع الحسين صوته ينادي:
«أباهِ… عليكَ منّي السلام…»
حتى اندفع كالسهم،
وقع على جسده،
وقال:
«على الدنيا بعدك العفاء…»
لم يُعرف أن الحسين قالها لغيره…
لكنّه قالها لعليّ الأكبر،
كأنّ هذه الضربة… كسرت قلبه.
فأيّ شبابٍ كان هذا؟
شابٌّ اختصر عمره في لحظات،
وتجاوز الحاضر إلى الخلود.
العبرة؟
أن بعض الشباب لا يحتاجون إلى سنواتٍ ليُثبتوا أنفسهم…
بل إلى موقفٍ واحد،
يُظهر معدنهم، ويُحفر اسمهم في ذاكرة الزمن.
عليّ الأكبر…
لم يكن شابًّا عاديًّا،
كان ومضةً من زمن النبوّة،
وسطرًا من الحسين… كُتب بالدم.
قالها لأبيه بثبات العارف:
«أوَ لسنا على الحق؟ إذًا لا نبالي…»
ومنها، فهمنا أن العاشق حين يتيقّن من الحق،
لا يعود يرى الموت موتًا،
بل موعدًا طال انتظاره.
فليست البطولة أن تواجه الموت،
بل أن تعانقه… وأنت تبتسم، لأنك على الحق
✍️. الشيخ سامر عباني
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



