متفرقات

حين يصير العطاء ديانة: العبّاس نموذجًا

ومضات الحسين فينا
الحلقة السابعة
العبّاس… ومضة العطاء بلا شروط

لم يكن يُشبههم…
لم يكن مجرّد أخٍ في المعركة، ولا مجرّد سيف في الركب.
كان شيئًا آخر…
صوتُ الهيبة قبل أن يُسمع صوته، وظلُّ البطولة قبل أن تُرفع رايته.

هو الذي كلّما اشتدّ وجيب القلوب في خيام الأطفال، التفتوا ناحية واحدة، واطمأنّوا… لأن العباس ما زال حيًّا.
قيل في الروايات: كانت أمّهات العيال تهمس لبعضها:
«ما دام العبّاس موجود… نحنا بأمان.»
وما كانت الأمانة سهلة…
كان العبّاس هو حامل اللواء، وساقي العطاشى، وحارس الخيام، ومؤنس القلوب الصغيرة حين يُخيّم الخوف، وتضيق الدنيا.
لكنه… ما تقدَّم يومًا، ولا طلب شيئًا.
وحين بدأ أصحاب الحسين بالسقوط واحدًا تلو الآخر، بقي يُحامي عن الحسين.
حتى استُشهد الجميع…
فجاءه وقال له:
«أخي… أذن لي الآن .»
نظر إليه الحسين، فبكى.
لم يكن يريد للعبّاس أن يخرج… لكنه عرف أن لحظة الفراق قد حانت.
قال له:
“اذهب لتأتي بالماء لهؤلاء الأطفال.”
فمضى العبّاس.
ذهب يحضر الماء رغم أنه كان يعرف الخطر الذي يتربص به.
وقف على نهر الفرات، مدّ يده، ملأ القربة…
ثم نظر إلى الماء، وهمَّ أن يشرب…
لكنه تراجع.
وسمعوه يهمس لنفسه:
“يا نفسُ من بعد الحسين هوني
وبعده لا كنتِ أن تكوني
هذا حسينٌ واردُ المنيّة
وتشربينَ باردَ المعينِ؟
تاللهِ ما هذا فِعالُ ديني…”
لم يشرب.
وسلك طريق العودة إلى الخيام.
لكنّ العدو أحاط به.
قطعت يمينه…
فأنشد بصوتٍ عال:
“والله إن قطعتموا يميني
إنّي أُحامي أبدًا عن ديني
وعن إمامٍ صادقِ اليقين
نجل النبيّ الطاهر الأمين”
ثم قطعت يسراه.
فسقط من على فرسه… فسكت كل شيء، ثم صرخت كربلاء: رحل وجه الوفاء.
لم يستطع إيصال الماء.
لكنّه استُشهد بطلاً.
حين وصل الحسين إليه، وقف عند رأسه، وهمس بدمعةٍ لا تشبه كل الدموع:
“الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوّي…”
تركه هناك… عند نهر العلقمي، وحده.
لذلك، بقي قبر العباس بعيدًا عن سائر الأصحاب… لأن العطاء لا يُدفن إلا على حافّة التضحية.
العبرة؟
أن لا تسأل ما الذي تأخذه من الحسين…
بل تسأل: ما الذي تُعطيه للحسين؟
أن لا تطلب شيئًا… ولا تضع شرطًا…
بل أن تكون العباس:
الذي لم يشرب… لكي لا يُقال: شرب العبّاس والحسين عطشان.

الشيخ سامر عبّاني

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى