التاريخ لا يكتب نهاية الطغاة والغزاة القادمين من خلف البحار والعابرين في التاريخ والجغرافيا، مهما بلغت قدرتهم العسكرية وقدرتهم التدميرية وإسنادهم الاستعماري .. بل تكتبه الشعوب الحرة المناضلة التي تحب الحياة والحرية وتكره الموت والقيد.
منظومة الوجودوالمقاومة مع الزمن الذي تعيشه الشعوب الحرّة ستؤدّي إلى إنجاز هدف التحرير.
تتحرّك الاستراتيجية الإسرائيلية منذ بداية حرب الإبادة بأقصى درجات توحّشها نحو الأهداف الصهيونية باتجاه إبادة وتهجير الشعب الفلسطيني لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها، وهذا يُشكّل خطراً وجودياً على الشعب الفلسطيني ككتلة بشرية وجماعية وطنية، وخطراً وطنياً على القضية الوطنية ومشروع التحرير، وبوجود هذا الخطر فإنّ الضرورة الوجودية والوطنية تتطلّب إقامة تحالف فلسطيني لديه مشروع وطني لوقف حرب الإبادة وإفشال مشروع التهجير، ومواجهة الإبادة والتهجير بمشروع الوجود والصمود الوطني في مرحلة تمهّد لاستئناف المروّع الوطني الفلسطيني بأهدافه الثلاثة: التحرير والعودة والاستقلال.
التحالف الفلسطيني المنشود لإنجاز مشروع الوجود والصمود الوطني في المرحلة الحالية هو تحالف ومشروع تفرضه الضرورة الواقعية والوجودية والوطنية، ففي مرحلة الهجوم الإسرائيلي المتوحّش المطلوب هو وقف الخسارة الفلسطينية، وفي زمن العربدة الصهيوأميركية المطلوب هو التمسّك بالحقوق الوطنية، وأمام تحدّي حرب الإبادة والتدمير المطلوب هو الإصرار على الحياة والوجود، وأمام تحدّي مشروع التهجير والتشريد المطلوب هو التمسّك بالأرض والثبات في الوطن، ولتخطّي كلّ التحدّيات السابقة لا خيار سوى تجاوز حالة الانقسام والتشرذم نحو تحالف فلسطيني ومشروع وطني لتجاوز الإبادة والتهجير بتأكيد الوجود والصمود في فلسطين كمرحلة حتمية ورافعة ضرورية لاستئناف مشروع التحرير والعودة والاستقلال.
مشروع الوجود والصمود الوطني لم يكن غائباً عن كاتب هذا المقال في الشهر الرابع للحرب، وبالتحديد شهر كانون الثاني/يناير 2024، استشرافاً لتداعيات حرب الإبادة وإدراكاً لخطورة مشروع التهجير، فكتب تحت عنوان (مشروع الوجود الوطني) الموثّق في كتاب (تراجيديا فلسطينية من وحي الحرب)، داعياً القيادة السياسية للمقاومة إلى المرونة في المفاوضات من أجل وقف الحرب مُبكراً قدر الإمكان، ومما جاء في المقال آنذاك: “فما نحتاج إليه في غزة وكلّ فلسطيني هو عبقرية الوجود الوطني، وهذا لا يتحقّق إلا بمشروع سياسي وطني فلسطيني، تكون الأولوية فيه في المرحلة المقبلة إعادة بناء ما دمّرته الحرب، وقبل ذلك إعادة بناء ما دمّره الانقسام الفلسطيني، وإنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية على أرضيّة تعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وأول خطواتها تثبيت وجوده في أرض فلسطين”.
التحالف الفلسطيني لإنجاز مشروع الوجود والصمود الوطني يجب أنْ يكون تحالف ومشروع التجاوز.. تجاوز اتفاقية أوسلو والتزاماتها السياسية ولكن من دون التصادم معها للحفاظ على صمود الشعب الفلسطيني في أماكن وجود السلطة الفلسطينية، وتجاوز واقع الانقسام وإفرازاته السلبية، وهذا يعني الابتعاد عن التحالفات السياسية التي تُعزّز واقع الانقسام وحالة التشرذم، وتجاوز الخلافات الأيديولوجية والسياسية بين الفصائل الفلسطينية للتوافق والتركيز على المشروع الوطني للوجود والصمود الفلسطيني فقط، وتجاوز الجدل – في هذه المرحلة على الأقل – حول (طوفان الأقصى) من حيث الضرورة والأسباب والنتائج، والتركيز على استراتيجية إدارة الصراع مع الكيان الصهيوني لتجاوز حرب الإبادة وتداعياتها الكارثية ومشروع التهجير ومخاطره الوجودية .
تجاوز هذه التحدّيات سيمهّد الطريق أمام التحالف الفلسطيني لإنجاز مشروعه الوطني وهدفه المركزي بوقف حرب الإبادة الإسرائيلية وتداعياتها الكارثية، وإفشال مشروع التهجير القسري و(الطوعي)، واستئناف الحياة المدنية على الأرض الفلسطينية – قدر الإمكان – بمظاهرها الطبيعية المتمثّلة في العمل والإنتاج، والتعليم والعلاج، والتواصل والترفيه…، والبدء بإعادة الإعمار التي تشمل الإنسان والبنيان وغيرهما، والاستفادة من التعاطف العالمي لتعزيز الرواية الفلسطينية للصراع الذي لم يبدأ به (طوفان الأقصى) بل بالمشروع الاستعماري المغربي الصهيوني، وإعادة تنظيم العلاقة بين المقاومة والشعب في معادلة يكون الشعب فيها هو الأصل والأساس للمقاومة وليس وقوداً لها أو خسائر جانبية لمشروعها، ومراجعة نوع العلاقة بين الشعب الفلسطيني وعمقه العربي والإسلامي لتكون مبنية على أسس منطقية وواقعية بعيداً عن الاتهامات والشعارات للاستفادة منها قدر الإمكان.
ولا ينبغي تجاهل أنّ التحالف المنشود ومشروعه الوطني هو محطة مرحلية مؤقتة هدفها الوصول إلى محطة انطلاق جديدة للمشروع الوطني الفلسطيني بأهدافه المركزية – التحرير والعودة والاستقلال- منذ بداية مرحلة التحرّر الوطني، وبين المحطتين تبقى الثوابت الوطنية الفلسطينية راسخة كجبال الجليل الفلسطينية ومتجذّرة كأشجار الزيتون الفلسطينية، وفي مقدّمتها: وحدة الأرض الفلسطينية من البحر إلى النهر ومن رأس الناقورة إلى أمّ الرشراش، ووحدة الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة عامي النكبتين وفي خارجها حيث اللجوء والشتات، ووحدة القضية الفلسطينية بأبعادها الوطنية والسياسية والإنسانية، ووحدة المشروع الوطني بأهدافه المركزية: تحرير الأرض، وعودة اللاجئين، والاستقلال الوطني، ووحدة منظومة التحرير بأولوية الوجود الشعبي ثمّ الصمود الوطني ثمّ المقاومة الشاملة.
منظومة الوجود والصمود والمقاومة مع الزمن الذي تعيشه الشعوب الحرّة ستؤدّي إلى إنجاز هدف التحرير وحلم الحرية، فالتاريخ لا يكتب نهاية الطغاة والغزاة القادمين من خلف البحار والعابرين في التاريخ والجغرافيا، مهما بلغت قدرتهم العسكرية وقدرتهم التدميرية وإسنادهم الاستعماري.. بل تكتبه الشعوب الحرّة المناضلة التي تحبّ الحياة والحرية وتكره الموت والقيد، والتي تعشق العزة والكرامة وتبغض الذلة والمهانة، والتي تصرّ على الصمود والانتصار وتأبى الإنكار والاستسلام… والشعب الفلسطيني شعب حرّ عزيز، قواعده راسخة كجبال الجليل وجذوره ثابتة كأشجار الزيتون.. سيظلّ وجوده وصموده حتى النصر والتحرير هو الحقيقة الثابتة واليقين الراسخ في معادلة الصراع بين أصحاب الأرض والعابرين عليها.
المصدر: الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




