تتشكّل خارطة نفوذ استراتيجية جديدة في جنوب شبه الجزيرة العربية، ليس عبر طاولة المفاوضات، بل من قلب الميدان المشتعل. فالمعطيات العسكرية الراهنة تشير إلى تحوّل ميداني واسع النطاق؛ حيث تمكّنت حكومة صنعاء من تحقيق سيطرة ميدانية حاسمة على مدينة المخا الساحلية، والاندفاع المباشر باتجاه مضيق باب المندب والجزر الاستراتيجية المحيطة به، إلى جانب ضغوط وتقدّمات متواصلة على تخوم محافظة مأرب الغنية بالنفط.
هذا الانكسار المتسارع للقوات المحسوبة على التحالف السعودي وحلفائه لا يمثّل مجرّد جولة قتال جديدة، بل يعيد التذكير بمجموعة من الحقائق الجغرافية والديموغرافية التي طالما حاول الإعلام الإقليمي التعامي عنها.
الثقل الديموغرافي: الحقيقة الغائبة
ثمّة رقم مهمّ ومؤثّر بشكل كبير في معادلة المنطقة اليوم، ورغم ذلك يتمّ إغفاله، وهو عدد المواطنين اليمنيين، الذي يناهز 43 مليون نسمة.
ولإدراك مغزى هذا الرقم، يتوجّب التفريق الحاسم بين “إجمالي عدد السكان” وبين “عدد المواطنين حاملي الجنسية”؛ فإذا استثنينا الملايين من العمالة الوافدة والمقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي، ثمّ جمعنا عدد المواطنين الأصليين في الدول الست (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، وعُمان)، سنجد أنّ مجموعهم مجتمعين يقلّ عن عدد مواطني اليمن بمفرده.
وما يضاعف من أهمية هذه الحقيقة أنّ نحو 70% إلى 80% من هذا الثقل السكاني يتركّز في محافظات الشمال والغرب، أي المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة صنعاء/أنصار الله.
ورغم تعرّض هذه المناطق لحصار قاسٍ على مدار أكثر من عقد، نجحت حكومة صنعاء في بناء نموذج لإدارة الأزمة واستعادة مؤسسات الدولة؛ إذ استطاعت تأمين حركة الحياة اليومية، وتوفير السلع الغذائية الأساسية بأسعار معقولة، فضلاً عن النجاح المتماسك في ضبط واستقرار سعر صرف الريال اليمني مقارنة بالانهيار المالي المتواصل في المناطق الأخرى، وتحديداً عدن، الخاضعة للحكومة المدعومة من الرياض و”المعترف بها دولياً”.
هذا الفارق الديموغرافي المقترن بقدرة إدارية على الصمود تجعل من اليمن بركاناً سكانياً وسياسياً يتوسّط منطقة تعتمد بالأساس على العمالة الوافدة. وتلك الحقيقة بالذات تفسّر سرّ التخوّف التاريخي لدى الأنظمة الخليجية؛ فاليمن بالنسبة لهم مارد ديموغرافي وإداري إذا استقرّ واكتسب أسباب القوة والموارد، فإنّ الموازين الجيوسياسية للمنطقة برمّتها ستتغيّر إلى الأبد.
الإرث الحضاري والموروث القيمي
هذا الثقل السكاني ليس كتلة بشرية مجرّدة، بل هو شعب يستند إلى عمق حضاري ضارب في أعمق طبقات التاريخ؛ فاليمن هو موطن الحضارات العتيقة (سبأ، حمير، قتبان، ومعين)، ومنطلق الهجرات العربية الأولى التي شُيّدت عليها مجتمعات الجزيرة والشام وشمال أفريقيا.
أورث هذا التراكم الحضاري الممتد لآلاف السنين الشعب اليمني صلابة مجتمعية وموروثاً قيمياً وأخلاقياً عصياً على الكسر.
ورغم عقود طويلة من التجهيل والإفقار الممنهج والحصار والحروب المتواصلة التي استهدفت بنيته ومقدّراته، ظلّ هذا المكوّن الحضاري الحصن الذي يمنع الدولة من المحو، ويمنح الإنسان اليمني قدرة استثنائية على الصمود ومواجهة الأزمات المعيشية.
وهذا الموروث الحضاري بالتحديد هو القوة الخفية التي تمكّنت موضوعياً من إحباط أعتى الترسانات العسكرية الغربية؛ فالإدارة الأميركية نفسها، بحجم قدراتها العسكرية وتحالفاتها البحرية وحاملات طائراتها المنتشرة في المنطقة، عجزت عن حسم المواجهة أو إخضاع القرار اليمني، واضطر دونالد ترامب في نهاية المطاف، إلى إعلان وقف الضربات والتوصّل إلى اتفاق تهدئة متبادل في 6 أيار/مايو 2025. وليست المسألة قاصرة على ترامب والجمهوريين؛ لأنّ جو بايدن، الرئيسي الأميركي السابق، كانت له أيضاً محاولات عسكرية فاشلة بين عامي 2023 و2024.
الحقيقة أنّ جميع الرهانات المتعلّقة بـ”الفارق التكنولوجي” تبدّدت أمام واقع ميداني صلب تمكّن فيه اليمنيون من إسقاط طائرات الاستطلاع الأميركية المتطوّرة (من طراز – MQ9) واستهداف القطع البحرية الأميركية والضغط على أسطولها ليعود من دون تحقيق أيّ تغيير في المعادلة.
إنّ صمود المقاتل اليمني لا ينبع من سلاحه فقط، بل من خوضه المعركة على أرضه المعقّدة بطبيعتها الجبلية الشاهقة، ومسنوداً بعقيدة قتالية صلبة والتفاف شعبي عريض في مواجهة أيّ عدوان خارجي. ويشبه هذا المشهد في عمقه التحليلي تجربة إيران في مواجهة الاعتداءات الخارجية طوال العام الجاري؛ فكلا النموذجين يستندان إلى موروث حضاري أصيل يمنح الشعب والمؤسسات القدرة على التماسك وإدارة أزمات الصراع وحروب الاستنزاف الطويلة بثبات ينكسر أمامه التفوّق التكنولوجي والضغوط الخارجية.
شعبية “طوفان الأقصى” وتنامي التربّص الإقليمي
أضافت التطوّرات الإقليمية في أعقاب معركة “طوفان الأقصى” بُعداً جديداً لمكانة اليمن؛ فمن خلال اتخاذ موقف عسكري وشعبي مباشر في دعم المقاومة الفلسطينية وفرض حصار بحري على الملاحة الموالية للاحتلال، قفزت الشعبية اليمنية بشكل غير مسبوق في الشارع العربي.
هذا الالتفاف الجماهيري أثار حالة من التوجس والحسد السياسي لدى أنظمة بعينها، وجدت نفسها في موقف حرج أمام شعوبها بسبب خيارات التطبيع أو الصمت.
لقد أثبت اليمن أنّ التأثير والسيادة لا يُقاسان بحجم الفائض النفطي ولا ناطحات السحاب، بل باستقلالية القرار والقدرة على المواجهة، وهو ما زاد من حالة التربّص الإقليمي به خشية تحوّله إلى نموذج إلهام يهدّد الاستقرار الصوري للمنطقة.
المعادلة الجديدة وترسيم قواعد اللعبة
إنّ ما يشهده الميدان اليوم من الساحل الغربي في المخا وباب المندب إلى صحاري مأرب هو مؤشّر صريح على تحرّك المارد اليمني من تحت ركام الحرب، ليتجاوز أثره حدود الجغرافيا اليمنية نحو رسم معادلات الملاحة والتجارة العالمية في البحر الأحمر وخليج عدن. لم تعد تحالفات القوى الغربية ولا ثروات الجوار قادرة على فرض وصاية دقيقة على بلد يملك أوراق الضغط السياسية والعسكرية والديموغرافية كاملة.
لقد أثبتت الوقائع أنّ جميع محاولات خنق اليمن أو إبقائه رداءً ممزّقاً ومحاصراً في خاصرة الجزيرة العربية قد باءت بالفشل أمام ثلاثيّة عصيّة على التفكيك: كثافة سكانية حاسمة تتركّز في العمق + عمق حضاري يصنع موروثاً قيمياً صلباً + رصيد شعبي عربي عابر للحدود.
إنّ التعاطي المستقبلي مع اليمن كـ “أزمة إنسانية” أو “ملف أمني عابر” لم يعد سوى قراءة قاصرة؛ إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أنّ صنعاء تفرض نفسها كفاعل جيوسياسي إقليمي رائد وقوة ضاربة يمرّ عبرها استقرار التجارة العالمية والأمن القومي العربي.
السيد شبل ـ الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




