هل يمكن اختزال ستة عقود من الدراما السورية في سؤال واحد: من كان مع النظام ومن كان ضده؟ من «أبو أصيل» إلى «صالون الجمهورية»، تضع منصة «سوريا الآن» هذا الإرث في ميزان سياسي ثقيل، فيما تكشف التجربة السورية نفسها تاريخاً أكثر تعقيداً من أحكام الولاء والإدانة.
ماذا يبقى من الدراما السورية إذا حوّلنا تاريخها كله إلى ملف اتهام، وكل من عمل فيها خلال عهد «البعث» إلى متهم؟
في اليوم نفسه تقريباً، بثّت منصة «سوريا الآن» التابعة لشبكة «الجزيرة» حلقتين تتناولان الدراما السورية. الأولى ضمن برنامج «أبو أصيل» الذي يقدّمه فيصل القاسم، تحت عنوان «ألا يحتاج السوريون إلى دراما جديدة؟» بما يوحي في جوهره بحكم مسبق على المشهد الفني السوري خلال عهد الأسد. والثانية ضمن برنامج «صالون الجمهورية» الذي يقدّمه أحمد الفاخوري، بعنوان أكثر حياداً ظاهرياً «لمن تُصنع الدراما السورية؟».
الغريب أنه لا يوجد شيء في السيرة المهنية لأي من الرجلين له علاقة متخصصة بالعمل الدرامي أو النقد الفني. فيصل القاسم معروف بعقود من برامج المواجهة السياسية التي تتضمن خطاباً شعبوياً وعراكاً بالأيدي وتراشقاً بكؤوس الماء، وأحمد الفاخوري القادم من عالم التريندات و«الشبكات» يقدم نفسه في البرنامج بأسلوب حواري أهدأ لكنه سياسي أيضاً في جوهره. وهذا وحده لا يُسقط حقّهما في الحديث عن الدراما، فالصحافة لا تشترط الاختصاص الأكاديمي. لكنه يفرض سؤالاً لا بد من طرحه: كيف تنصّب «الجزيرة» نفسها ـــ عبر مقدميها ومنصتها الخاصة بالشأن السوري ـــ كحَكَم على مشهد معقّد كالمشهد السوري، وفي مختلف المجالات، وتمنح نفسها سلطة تحديد من يستحق البقاء في المشهد الثقافي السوري ومن يجب أن يُقصى منه؟
«هل كانت الدراما السورية موالية للنظام أم لا؟». هذا سؤال تجيب عنه عقود من الإنتاج بتعقيد لا يحتمل إجابات الأسود والأبيض، فاختزال وتسطيح منصّة صادرة عن مؤسسة إعلامية كبيرة كـ «الجزيرة»، للتاريخ الفني السوري الممتد لأكثر من ستة عقود، ومحاولة اختزاله وفق ثنائية أخلاقية – سياسية واحدة هو أمر مثير للجدل.
«أبو أصيل»… حكم درامي!
لم يتوقف الإعلامي السوري فيصل القاسم يوماً عن إثارة الجدل عبر هجومه على شخصيات وأسماء بعينها من خلال حسابه على فايسبوك، لكنه اليوم يحوله إلى محتوى إعلامي يبثه تحت الاسم الذي يكنّى به «أبو أصيل». يحمل مسبحة ويقدم أحكامه الخاصة في قضايا مختلفة آخرها الدراما السورية.
يفتتح القاسم حلقة «أبو أصيل» بجملة تختصر ما سيليها «كانوا يبيعون صورة مزيفة عن سوريا، بينما كانت سوريا الحقيقية تنزف». هذه الجملة الافتتاحية، تحدد اتجاه وشكل الخطاب ليتحوّل من نقد المنتج الفني إلى استجواب أخلاقي مباشر لصنّاع الدراما، وسؤال من الذي امتلك «الحد الأدنى من الشرف الإنساني» حين كانت «البراميل تتساقط، ومن الذي رفض أن يتحوّل إلى بوق للقتل». علماً أن إنتاج الدراما في بيئة تعاني من مشكلات بالغة التعقيد أمر صعب جداً. مع ذلك، لم يمنع ذلك الفنانين والعاملين في المجال الدرامي السوريين من إنتاج أعمال كانت علامة فارقة في تاريخ الدراما العربية، من «غزلان في غابة الذئاب» (رشا شربتجي)، إلى «لعنة الطين» (أحمد إبراهيم أحمد) التي اقتربت بجرأة من البنية الريفية والطائفية التي نشأ داخلها النظام البعثي.
لذلك، فإنّ هذا الانتقال الذي يقوم به القاسم ليس عرضياً، بل هو صلب الحجة. مقدم برنامج «الاتجاه المعاكس» يقرّ صراحة بأن الخطأ السياسي وحده «ليس معياراً مطلقاً للحكم على الموهبة»، لكنه في الجملة التالية مباشرة يحوّل جزءاً كبيراً من الوسط الفني السوري إلى ما يصفه بأنه «شريك في ماكينة التبرير والتطبيل والتخدير»، فيما يتجنّب الحديث عن جودة الأعمال أو مضامينها فهي مُضرّة بحجته، بل يركز على آراء شخصية متهماً الفنانين الذين عملوا في ظل نظام بشار الأسد بأنهم لم يقدموا «مراجعة، ولا اعتذاراً، ولا حتى تعاطفاً إنسانياً واضحاً مع الضحايا». وفي خطوة ثالثة وأخطر، يسأل فيصل القاسم: «لماذا يجب أن يبقى من ارتبط بمرحلة القمع واجهةً للمشهد الفني؟ ولماذا لا يُفسح المجال لوجوه جديدة؟» بما يمكن اعتباره مطالبة صريحة بإقصاء مهني.
ويصف القاسم الفنان الذي «يبرر القمع لعشرين سنة» بأنه لا يمكن أن «يرتدي ثوب الفنان الوطني عندما تتغير الرياح»، والمشكلة أن خطابات القاسم الرنانة لا تناقش عملاً فنياً بعينه، بل تُصدر حكماً نهائياً على مؤهلية شخص لأداء دور اجتماعي هو أصلاً خارج اختصاص مَن يصدر الحكم، متناسياً أنّه خلال عشرين سنة، كان الكثير من الفنانين المحسوبين على السلطة اليوم جزءاً من ذلك المشهد كفارس الحلو في «بقعة ضوء»، وخالد تاجا في مجمل أعماله، وأشهرها «أيام الولدنة» (مأمون البني 2006) الذي يعتبر واحداً من أجرأ الأعمال الكوميدية الناقدة للحكم الأمني في سوريا وقد صوّر ونفذ كاملاً داخل سوريا مع نجوم لا يفضلهم «أبو أصيل» كثيراً، أي باسم ياخور ودريد لحام.
المفارقة أنّ القاسم نفسه يبدو واعياً لخطورة هذا المسار، فيدرج تحذيراً وسط الحلقة من «عقلية الإقصاء الأعمى» و«التطهير الثقافي المبني على الشك فقط». ويميّز بين من صمت خوفاً على لقمة عيشه ومن تحوّل إلى «أداة دعائية مباشرة». لكنه لا يمنحهم خيارات أخرى أيضاً. فهذا التحذير يبقى استدراكاً عابراً وسط خطاب يقوم على فكرة أنّ المشهد الفني السوري بحاجة إلى «ولادة جديدة… ليس فقط في الوجوه، بل في الروح والرؤية»، وأن الفن السوري أمام «امتحان تاريخي» بين أن يولد من جديد أو أن يبقى «بقايا مرحلة سقطت سياسياً».
حفرة وقع فيها
في الحلقة التالية مباشرة من البرنامج نفسه، وتحت عنوان «ليس دفاعاً عن الذباب الإلكتروني ولكن!»، يقدّم القاسم تحليلاً لافتاً عن آليات الدعاية والتأطير الإعلامي. يقول إنّ المشكلة الحقيقية ليست في وجود آلات التوجيه الإعلامي، بل في «القابلية الجماهيرية للتلاعب»، وإنّ الجمهور يتعامل مع ما يراه على الشاشة وكأنه «حقيقة منزلة من السماء». هذه الملاحظات دقيقة نظرياً، فكل خطاب إعلامي يختار عناصر معينة من الواقع ويجعلها بارزة على حساب عناصر أخرى، فيصنع بذلك تفسيراً جاهزاً للحدث قبل أن يفكر فيه الجمهور بنفسه.
تشكّلت الدراما السورية وفق تاريخ محكوم بظروف سياسية وثقافية واجتماعية
لكن المفارقة أن القاسم يشخّص هذه الآلية بدقة وهو يمارسها في حلقته عن الدراما ويختار عناصر من تاريخ معقّد، يجعلها بارزة، ويقدّم للجمهور تفسيراً جاهزاً عن هوية «الجلاد والضحية» في المشهد الفني، من دون أن يعرض بالقدر نفسه من الدقة تعقيدات الرقابة والتمويل والإنتاج التي شكّلت الدراما السورية فعلياً.
دراما الجمهورية
في المقابل، تقدّم حلقة «صالون الجمهورية» مادةً أقل استقطاباً، نظراً إلى وجود ضيوف إلى جانب المحاور كنقيب الفنانين السوريين مازن الناطور، إلى جانب الكاتبة إيمان سعيد والمنتج صلاح طعمية. بحكم خبرة هؤلاء وصلتهم بالمجال، قدّموا روايةً أكثر تركيباً للتاريخ الدرامي السوري من حديث «أبو أصيل»، فأشاروا إلى الرقابة، وتحايل الكتّاب عليها، وغياب صناعة درامية منظمة أصلاً، إذ تقول إيمان سعيد بوضوح إنّ «الدراما السورية لم تكن قائمة على صناعة حقيقية» بل كانت أقرب إلى «جهود فردية» لم تتشكل يوماً كصناعة متكاملة.
هذا التوصيف يفكّك فرضية القاسم التي تدعي بأنّ الدراما كانت جهازاً دعائياً متماسكاً يمكن الحكم عليه ككتلة واحدة، بينما الواقع أشد تعقيداً. رغم أنّ الدراما السورية نشأت ضمن دولة أمنية لكنها لا تدير الإنتاج بشكل مباشر ولا تموّله بانتظام، بل على العكس اضطرت لفتح سوقها للمال العربي، خصوصاً الخليجي الذي صار المموّل الفعلي الأكبر.
ويوضح المنتج صلاح طعمية أنّ انهيار الإنتاج السوري بعد 2011 لم يكن اختياراً فنياً بقدر ما كان نتيجة اقتصادية مباشرة على إثر خروج صنّاع الدراما من سوريا بحثاً «عن مكان آمن»، فانتقل المنتجون إلى دول الجوار وبدأت القنوات الخليجية توجّه استثماراتها نحو إنتاجها الخاص بدل تمويل الدراما السورية.
هذه الملاحظة تصحّح قراءة شائعة تصوّر «الأعمال المشتركة» ونجومها السوريين المهاجرين إلى الإنتاج اللبناني والخليجي، كهروب واعٍ من صنّاع الدراما من مواجهة الواقع السوري، فيما هي صيغة فرضها منطق رأس المال الباحث عن الأمان والسوق الأوسع، وليست خياراً أيديولوجياً لصنّاع الدراما.
مع ذلك، لم يخرج إعداد «صالون الجمهورية» عن رسالة «أبو أصيل»، فالحلقة افتُتحت بعرض صور تجمع فنانين سوريين ببشار الأسد أثناء الحديث عن اعتماد النظام على الفنانين لتلميع صورته ومن بينهم أسماء تُعدّ من أهم نجوم الدراما السورية. اختيار بصري يعيد إنتاج منطق الاتهام والإدانة، بصرف النظر عن سياق تلك اللقطة أو ظروفها.
دراما الزمن الجميل
هذا النوع من المحتوى عادةً ما يصطدم بالجمهور المعجب بأعمال سورية قديمة، وهذا ما يؤكد أنّه منذ نشأتها عام 1960، تشكّلت الدراما السورية وفق تاريخ محكوم بظروف سياسية وثقافية واجتماعية مختلفة عن اليوم. فلا يمكن تجاهل أنّ الدراما السورية شهدت ذروة ازدهارها خلال حكم «البعث»، سواء بوعي مباشر من مسؤوليه أو لا. تحوّلت هذه الدراما في السبعينيات ــ أي خلال فترة حكم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ـــ من الترفيه البسيط إلى مقاربة قضايا سياسية واجتماعية عبر أقلام كتاب وعدسات مخرجين يعتبرون المؤسسين للمشهد الفني السوري اليوم، فمسلسل «مرايا» الناقد لياسر العظمة بدأ في الثمانينيات.
ثم جاء العصر الذهبي بين أواخر التسعينيات و2010، بجيل من المخرجين والكتّاب كحاتم علي، ونجدت أنزور، والليث حجو، ورشا شربتجي، وممدوح حمادة، وسامر رضوان، وغيرهم ممن أنتجوا أعمالاً تراوحت بين الفانتازيا التاريخية والنقد الاجتماعي الجريء. وبعض هؤلاء اتخذ لاحقاً مواقف معارضة صريحة من النظام بعد 2011، إلا أنّ أهم أعمالهم أُنتجت داخل سوريا وفي ظل النظام نفسه، وهو ما لا يعني إدانتهم، بل يعني أنّ الفن السوري وجد ــ عبر عقود ــ مساحات للجودة والتعبير لا يمكن اختزالها بسهولة في وصفه كآلة دعاية.
هذا لا ينفي وجود فنانين انخرطوا فعلاً في تلميع صورة السلطة السابقة أو الحالية. لكن إصدار أحكام عامة من منصة إعلامية تابعة لشبكة واسعة الانتشار والتأثير كـ «الجزيرة»، وتحويل المحاسبة السياسية إلى معيار وحيد لقراءة ستة عقود من الفن، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني من الفوضى والعنف، لن يخبرنا الكثير عن الدراما السورية بقدر ما سيكشف عن محاولة جديدة لإعادة كتابة ماضيها وفق رواية واحدة، تنتقي من تاريخها ما ينسجم مع أحكام الحاضر والنظام الجديد، وتغفل ما سبقه.
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




