معركة الإرادات: لماذا تجدد العدوان الأميركي على إيران؟
مقالات

معركة الإرادات: لماذا تجدد العدوان الأميركي على إيران؟

21/07/202611:04:13

تتجه منطقة “الشرق الأوسط” نحو فصل جديد ومصيري من فصول المواجهة الكبرى بين الولايات المتحدة وحلفائها، من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، من جهة أخرى. فبعد هدوء نسبي وهدنة لم تدم طويلاً، انهار اتفاق وقف إطلاق النار، لتعود طبول الحرب إلى القرع من جديد، وإن كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يزال يدعو، بين الحين والآخر، إلى العودة إلى المفاوضات.

هذا التطور الدراماتيكي يعيد إلى الواجهة التساؤل الجوهري: كيف انتهى المسار الأميركي إلى مأزق حاد في مواجهة طهران؟ ولماذا عادت الآلة العسكرية الأميركية إلى القصف، مستهدفة الجغرافيا الإيرانية، وتحديداً بوابتها البحرية الجنوبية؟

الفشل الاستراتيجي الأميركي… سقوط أوهام “التغيير”

حينما دخلت الولايات المتحدة هذه المواجهة، كانت ترسم استراتيجيتها بناءً على مجموعة من الأهداف القصوى التي صُنّفت كـ”ثوابت لا تقبل المساومة”:

أ – إسقاط النظام أو إجباره على تغيير سلوكه بصورة جذرية: سعت واشنطن، عبر “أقصى درجات الضغط” الاقتصادي والعسكري، إلى تفكيك بنية الحكم في طهران، أو إرغامها على التراجع الكامل عن عقيدتها السياسية المستمرة منذ عام 1979.

ب – عزل إيران جغرافياً وتفكيك نفوذها الإقليمي: ركّز المخطط على إجبار إيران على الانكفاء داخل حدودها الوطنية، والامتناع عن دعم قوى المقاومة في لبنان وفلسطين وسائر المنطقة.

ج – تجريد إيران من قوة الردع الأساسية: ركّزت الولايات المتحدة و”إسرائيل” على منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية، وليس فقط البرنامج النووي، إدراكاً منهما أن هذه الصواريخ هي شبكة الأمان التي تحمي طهران من أي هجوم عسكري مباشر.

د – شيطنة القيادة وبناء فجوة مع الشارع: تم توجيه ضربات عسكرية استهدفت اغتيال قادة بارزين وتخريب منشآت حيوية، إلى جانب فرض أقسى العقوبات، على أمل دفع الشعب الإيراني إلى الانقلاب على فكر الثورة الإسلامية.

لكن النتيجة العملية جاءت مخيبة للحسابات الغربية بالكامل؛ فالشعب الإيراني لم يثر على قيادته، بل التف حولها، تعزيزاً للجبهة الداخلية في مواجهة الهجمات الخارجية.

والأهم من ذلك أن غياب قادة الصف الأول لم يربك المشهد، إذ أثبت قادة الصفين الثاني والثالث إخلاصهم المطلق لثوابت الثورة، بل أظهروا كفاءة عالية في إدارة الملفات المعقدة.

وفي عمق المعركة، تمسكت طهران بمساندة حلفائها، معلنةً، بصورة حازمة، أن وقف إطلاق النار في لبنان جبهة أساسية غير قابلة للمساومة، ما كسر محاولات الاستفراد بجبهات المقاومة.

انقلاب الطاولة… تلاشي الورقة الطائفية وصعود الكاريزما الإيرانية
على مدار عقود، استثمرت الأجهزة الدبلوماسية والإعلامية الأميركية والإسرائيلية في تعزيز النزعات الطائفية والمذهبية، لعزل إيران عن محيطها العربي والإسلامي ذي الغالبية السنية. غير أن صمود إيران الميداني ودعمها اللامحدود لقضايا التحرر العربي، وفي مقدمها القضية الفلسطينية، حطّما هذه السردية بالكامل.

اليوم، تحظى إيران بشعبية واسعة غير مسبوقة لدى الشعوب العربية بمختلف مكوناتها المذهبية، إذ يرى الشارع العربي في طهران قوة إقليمية استطاعت، بإمكاناتها الذاتية، الوقوف بندية وصلابة أمام أعتى إمبراطورية عسكرية في العالم المعاصر.

لم يعد الملف الطائفي صالحاً للاستخدام؛ بل تحول الصراع، في الوعي الجمعي، إلى معركة واضحة بين “محور مقاوم للهيمنة” و”قوى الاحتلال والوصاية”.

مكسب القرن الإيراني… السيطرة على مضيق هرمز وإعادة صياغة القانون البحري

بدأ يتضح للأميركيين أن المعركة العسكرية المباشرة لم تؤت ثمارها السياسية، وتبيّن لهم حجم الانتصارات الجيوسياسية التي تراكمها إيران على الأرض. وأهم هذه المكاسب وأكثرها إثارة للفزع الغربي هو فرض إيران واقعاً جديداً في مضيق هرمز.

تاريخياً، كان مضيق هرمز يُعامل بوصفه ممراً مائياً دولياً مفتوحاً لحركة الملاحة، بموجب ترتيبات ترعاها القوى الدولية الغربية. غير أن المعادلة الإيرانية الجديدة تطرح رؤية قانونية وجغرافية مختلفة تماماً؛ فالممر المائي محاط ومطلّ على شواطئ دولتين فقط: إيران وسلطنة عُمان.

وبناءً على ذلك، ترى طهران أن من حقها السيادي والتشاركي إدارة حركة الملاحة في المضيق بصورة مباشرة، وتنظيم مرور السفن التجارية والناقلات، بل وفرض رسوم عبور على السفن المارة، بوصف ذلك حقاً سيادياً للدول المشاطئة.

هذه الخطوة لا تمثل مجرد مكسب مالي، بل تعني عملياً نقل مفاتيح أهم شريان للطاقة في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إلى يد طهران، ما يمنحها قوة ضغط تفوق، في تأثيرها، السلاح النووي نفسه.

عودة القصف الأميركي… تركيز الضربات على محافظة هرمزغان
أدركت واشنطن أن قبول هذا الواقع يعني تسليماً رسمياً بانتصار إيران الجيوسياسي وتراجع الهيمنة البحرية الأميركية في “الشرق الأوسط”.

ولهذا السبب تحديداً، انهار وقف إطلاق النار واستعرت الحرب من جديد.

تتحرك الولايات المتحدة حالياً بدافعين أساسيين:

أ – منع خروج إيران بصورة “المنتصر”، لما يحمله ذلك من تشجيع لقوى أخرى حول العالم على تحدي واشنطن.

ب – إجهاض مسعى طهران لإدارة مضيق هرمز قانونياً وعسكرياً.

ولترجمة هذا المسعى عسكرياً، تتركز الهجمات الأميركية بكثافة غير مسبوقة على محافظة هرمزغان، الواقعة جنوبي إيران والممتدة على طول الساحل الشمالي لمضيق هرمز، وجزرها الاستراتيجية، مثل قشم ولارك وأبو موسى.

أما الأهداف العسكرية المباشرة من هذا التركيز الجغرافي، فهي:

أ – تدمير البنية التحتية للقوات البحرية التابعة لحرس الثورة الإيراني.

ب – شل منظومات الرادار الساحلية والصواريخ المضادة للسفن المنصوبة على الساحل الجنوبي.

ج – حرمان طهران من القدرة على فرض إرادتها البحرية على السفن العابرة للمضيق.

وحين تعجز القوات الأميركية عن تحييد القدرة البحرية الإيرانية بالكامل، بسبب الانتشار المموّه والصواريخ المخزنة في “مدن تحت الأرض”، تعمد واشنطن إلى قصف الجسور الداخلية والمنشآت الخدمية والمدنية في عمق المحافظات الإيرانية الأخرى، في محاولة أخيرة لرفع كلفة الحرب على الحاضنة الشعبية وتأليب المجتمع على القرار السياسي.

القراءة الواقعية لمآلات المعركة

بعيداً عن العواطف والتفاؤل المفرط، وعند إخضاع المشهد الميداني والسياسي للتحليل الواقعي الصارم، نجد أن الكفة تميل بوضوح لمصلحة إيران، للأسباب التالية:

أولاً: الجغرافيا الساحلية وبُعد المسافة

بالنظر إلى الجغرافيا الساحلية، يتضح تباين موازين القوى بصورة جلية؛ فالولايات المتحدة تبدو بعيدة جغرافياً عن مسرح العمليات الأساسي، وتضطر إلى الاعتماد على قواعد عسكرية ثابتة وأساطيل بحرية متحركة في مياه المنطقة، وهي قطع عسكرية باتت مهددة مباشرة بالصواريخ الدقيقة والمسيّرات الانتحارية الإيرانية.

في المقابل، تتمتع إيران بأفضلية طبيعية هائلة، بفضل امتدادها على الجانب الشمالي من مضيق هرمز، وعلى مساحة واسعة من الساحل الشمالي للخليج، فضلاً عن امتلاكها عدداً من الجزر الاستراتيجية الحاكمة للممر الملاحي، التي تحولت إلى حصون عسكرية طبيعية يصعب اختراقها.

ثانياً: الجبهة الداخلية بين واشنطن وطهران

أما على صعيد الجبهة الشعبية، فتواجه الإدارة الأميركية مأزقاً داخلياً متزايداً، إذ تعاني الساحة السياسية هناك من انقسامات حادة واعتراضات متنامية على التورط في “حروب أبدية” مكلفة اقتصادياً وبشرياً، ما يقيّد خيارات صانع القرار في واشنطن.

وعلى العكس من ذلك تماماً، تبدي الجبهة الداخلية الإيرانية تماسكاً وطنياً صلباً، تلاشت معه التباينات الداخلية أمام الخطر الخارجي. ويساند هذا التماسك تأييد شعبي وإقليمي واسع يتجاوز الحدود الطائفية في الإقليم، ما يمنح القيادة الإيرانية تفويضاً شعبياً كاملاً لخوض المعركة حتى النهاية.

ثالثاً: العمق الاستراتيجي وتحالفات المنطقة

وفيما يتعلق بالعمق الاستراتيجي، يبدو الموقف الأميركي مأزوماً بفعل الانكشاف الأمني والاقتصادي الكبير لحلفائه الإقليميين، الذين يجدون أنفسهم في خطوط المواجهة الأولى، وعرضة لضربات الرد الإيرانية القاسية التي قد تشل اقتصادهم وبنيتهم التحتية.

في المقابل، استطاعت طهران، عبر سنوات طويلة، بناء شبكة تحالفات إقليمية متماسكة للغاية وذات عقيدة قتالية صلبة. وتمتلك هذه التحالفات قدرة عملية على إشغال القوات الأميركية وحلفائها وتشتيتها على جبهات متعددة ومتزامنة، ما يمنع واشنطن من التركيز عسكرياً على جبهة واحدة، ويجعل كلفة المواجهة تفوق أي مكسب محتمل.

إن الإصرار الإيراني، المقترن بشبكة ردع من الصواريخ الباليستية والمسيّرات المتطورة، القادرة على إغلاق الممرات البحرية واستهداف القواعد الأميركية، يضع واشنطن في مأزق صفري: فإما حرب شاملة ومكلفة تفتقد الغطاء الشعبي والسياسي الداخلي وتدمر الاقتصاد العالمي، وإما التسليم تدريجياً بحق إيران المشترك مع عُمان في إدارة مياهها الإقليمية وتنظيم العبور في مضيق هرمز.

والمعطيات الحالية تشير بوضوح إلى أن إيران تسير بخطى ثابتة نحو فرض هويتها البحرية بوصفها قائداً حقيقياً لأهم ممر مائي في العالم.

السيد شبل – الميادين

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24