
مقالات المناطق “التجريبية”: كيف تُصنع رواية “الإنجاز الصوري”؟
21/07/202613:22:55
انطلقت اليوم المرحلة الأولى للمناطق التجريبية التي أعلنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بناءً على اتفاق الإطار الشهير في واشنطن.
بحسب إعلام العدو، سينسحب جيش الاحتلال جزئيًا من مناطق اختارها هو، وبشكل محدود جدًا، وهي فرون وصريفا وزوطر الغربية.
الآلية المعلنة لتنفيذ الانسحاب “الإسرائيلي” والانتشار العسكري اللبناني تُشرف عليها ما تُسمّى “مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان”، والراعي الرسمي لها، طبعًا، الولايات المتحدة، شريك المحتل جنوب لبنان في الحرب وعملية اغتصاب الأراضي الجنوبية وقتل أهلها.
ملاحظات عديدة وتساؤلات أيضًا تفرض نفسها إزاء هذا الإعلان، يمكن إيجازها بالآتي:
المناطق المختارة… لا وجود للاحتلال بل سيطرة بالمحلّقات
تشمل المناطق التجريبية، كما بات معروفًا، صريفا وفرون وزوطر الغربية الواقعة في القطاع الشرقي. قبل وقف إطلاق النار الصوري، تبيّن لأهل الميدان أن هذه القرى الثلاث غير محتلة فعليًا. إعلام العدو، ومع بداية نشر أخبار هذا الانسحاب، أقرّ بأن جيش الاحتلال لا ينتشر بصورة دائمة في زوطر الشرقية وزوطر الغربية، لكنه يتموضع في فرون والغندورية، وفق زعمه، بموازاة تذرّع العدو ببند يتضمنه اتفاق الإطار يمنحه “حق إعادة الدخول” إلى المناطق التجريبية، مع خلو النص من وجود جداول زمنية للانسحاب.
أكثر من وسيلة إعلامية لدى العدو اعترفت بأن جيش الاحتلال لا يسيطر فعليًا على البلدات الثلاث التي حددها “مناطق تجريبية”، لكنه نفّذ فيها توغلات متقطعة، بمقترح من قيادة المنطقة الشمالية، للالتفاف على شروط الهدنة التي أعلنها وحده.
صحيفة “هآرتس” نقلت اليوم عن مصدر عسكري صهيوني، ومصدر آخر مطلع على التفاصيل، أنه لم يكن هناك أي وجود بري للجيش “الإسرائيلي” في فرون وصريفا، وإنما سيطرة استخبارية بواسطة المحلّقات.هذه التجربة التي انطلقت اليوم، ويُسوّق لها “الإسرائيلي” كثيرًا، ولا سيما أمام جمهوره، لا يمكن عزلها أو فصلها عن زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن.
المراقبون يؤكدون أن المسألة برمتها لن توصل إلى انسحاب فعلي وجدّي من الجنوب، ولن تحقق استعادة للأسرى، وعودة للأهالي إلى قراهم، ولن تنتزع وعودًا جادة بإعادة الإعمار، وتعهدًا بعدم تسجيل أي خرق في لبنان لاتفاق وقف النار.
لذلك، يعمل الأميركيون والصهاينة سويًا على تقديم هدية صورية للضيف اللبناني، لتظهير الأمر على أنه إنجاز، بل تتويج لجهود الدبلوماسية والتفاوض المباشر في واشنطن، وسردية جدواها، وفصل مسارها عن مسار إسلام آباد ومذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية.
في الآليات الميدانية على الأرض، تشير هذه التجربة اليوم، من دون أي شك، إلى أنه، إضافة إلى الهدف المنشود باستعراض صورة الانسحاب أمام من يصدق هذا الخداع، فإن السلطة السياسية في لبنان توضع تحت اختبار حدده عدوها نفسه، بموافقة السلطة اللبنانية ورئيسها.
ومعيار نجاح هذا الانسحاب، وإمكانية تكراره في بلدات أخرى، كما يردد في منصات وتصريحات “الإسرائيليين”، وفق الإعلان الأميركي، يعود إلى تقييم جيش الاحتلال، وليس الحكومة اللبنانية.
أكثر من مرة عبّر جيش الاحتلال عن ذلك أصلًا. وفي آخر التصريحات الدالة على هذه النية، يقول مصدر صهيوني اليوم لـ”هآرتس” إنه: “تم الاتفاق، في نهاية المطاف، في اتفاق الإطار، على أنه إذا تم رصد نشاط لحزب الله في أي من المناطق، فسيُعتبر ذلك فشلًا للتجربة، ولن يكون هناك تقدم نحو التجارب التالية التي يُخطط خلالها لمزيد من الانسحابات”.
ويضيف: “ليس من الواضح حاليًا ما الذي ستفعله “تل أبيب” في مثل هذا الوضع، وما إذا كانت ستعود للسيطرة على تلك المناطق أم لا”.
كذلك يشير المصدر نفسه إلى أن “قدرة لبنان على نزع سلاح حزب الله وفرض سيادته ستُختبر في مناطق التجربة”، وإلى أن “تنفيذ خطة الانسحاب في مناطق أخرى من لبنان يعتمد على التنفيذ الناجح لخطة التجربة الأولية”.
ولأن تاريخ العدو لا يدعو إلى الثقة بما يقدمه من إعلانات على امتداد حروبه ومعاركه في لبنان، ولأن تاريخه لا يدفع أيضًا أي عاقل ووطني إلى السير في مشاريع “حسن نية” يزعمها مقابل شروط يريد فرضها بحرب عسكرية، أو بمواجهة سياسية وتفاوض توفر خيمتها السلطة اللبنانية الحاكمة، تتمثل أمامنا مواصلته لعملياته الميدانية في الجنوب، جنوب الليطاني وشماله، وفي قضاء النبطية، بلا توقف، من اختراقات ثابتة لمسيّراته، ونشاط مطرد لطيرانه التجسسي، واستهدافاته المستمرة للمدنيين، وتفجيراته للبيوت ونسفه البلدات تحت عناوين مختلقة، وحركة عمله المتمادية من تمشيط وقصف مدفعي في القرى الأمامية، وحتى تلك التي لا تقع عند الحدود المباشرة مع فلسطين المحتلة.
كل هذا لا يشير إلى جدية الاحتلال في تنفيذ ما يقوله في الإعلام. وهذا يعني أننا أمام مشهد يريد العدو أن يرسمه بمعاونة السلطة اللبنانية، التي ينال أداؤها رضاه حتى الآن. مشهد يظن جيش الاحتلال أنه سيفرض، من خلال واقع عملياتي في الجنوب، وفي قرى يختارها لتضمن له سرديته: أنا أنسحب من حيث لم أدخل ولم أستقر، وأسمح للجيش اللبناني بالدخول إليها، وأحدد أين أكون وأين أتمدد بما يتوافق مع أجندتي الأمنية، عبر حزام أشبه بما قبل عام 2000، أو عبر نقاط أستطيع أن أقنع الرأي العام بتأمين “مستوطنات الشمال” بالتمركز فيها.
مقابل هذا المنطق، تبقى كلمة الميدان لأصحاب الأرض، لأهل القرى الجنوبية وتلالها ووديانها، حيث تثبت مواجهات التسعينيات وملاحم المقاومين في كل أعوامها، وما بعد عام 2000، وفي خضم عام 2006، أنه لا حق إلا لمن حفظ هذه الجغرافيا بدمه وتضحياته وبسالته.
المصدر: العهد (لطيفة الحسيني)
جاري تحميل الخبر التالي...