الجامعة اللبنانية كانت قبلنا وستبقى بعدنا
مقالات

الجامعة اللبنانية كانت قبلنا وستبقى بعدنا

12/07/202619:32:30

المؤسسات العظيمة لا تطلب من أبنائها أن يصفقوا لها بل الوفاء بها حين يختلفون. ليست الجامعة اللبنانية بالنسبة إليّ وإلى كثر مثلي مجرد مؤسسة تعليمية أو مركز وظيفي، ولا مكاناً نمضي فيه ساعات العمل الطويلة والمضنية. هذه الجامعة جزء من سيرتنا الخاصة وقطعة من ذاكرتنا وإحدى أجمل الصور التي ما زلنا نحتفظ بها عن وطن نؤمن أنه مهما اشتدت أزماته يبقى قادراً على النهوض بأبنائه.

في رحاب تلك الجامعة تعلمنا، ومنها تخرجنا، وعلى مقاعدها تشكلت شخصياتنا العلمية، فيها انصهرنا وطنيا والتقينا بالآخر المختلف لنكتشف أن ما يجمعنا نحن أبناء الوطن من المقهورين هو أكبر بكثير مما يفرقنا أو مما يسوقه أهل السياسة والفساد لتفريقنا.

تشرفت بأن أعود إليها أستاذاً أخدمها ووكيلاً أزود عنها لا طمعاً بوجاهة، بل وفاءً لصرحٍ فتح أبوابه أمامي وأمام آلاف اللبنانيين الذين لم يكن لهم طريق إلى العلم سوى من هذه البوابة.

الامتنان لهذه الجامعة ليس مجاملة، ولا موقفًا عابرًا، بل هو دين أخلاقي لا يعرفه إلا من تربّى على البر والوفاء، فكان باراً بوالديه وباراً بمؤسسته وباراً بكل يد امتدت إليه بالعلم.

ستمر الأيام وستتبدل الوجوه وسيتعاقب الرؤساء والعمداء والأساتذة، وستختلف الإدارات وستتعاقب الأجيال… الثابت الوحيد هو الجامعة التي ستبقى.

كانت قبلنا. وستبقى بعدنا.

ولعل هذا هو المعنى الحقيقي للمؤسسات الوطنية العظيمة، فهي لا ترتبط بولاية ولا باسم رئيس ولا بموقع مسؤول، بل برسالة تتجاوز الجميع. إنها تشبه الوطن…

الوطن يبقى… والمؤسسات الوطنية تبقى… أما نحن فمجرد عابرين، وما من أحد سيبقى اسمه إلا بقدر ما ترك من أثر. وسيأتي يوم لا يسألنا فيه التاريخ، ماذا قلتم عن مؤسساتكم؟ بل ماذا فعلتم من أجلها؟

قد يختلف الناس في الوطن حول قانون أو قرار أو إدارة أو حتى حول استمرار رئيس أو رحيله. وهذا حق مشروع في كل مجتمع يحترم الرأي والرأي الآخر. لكن هناك فرقاً كبيراً بين الاختلاف على إدارة المؤسسة وبين تحويل المؤسسة نفسها إلى هدف للطعن والتشويه. فالجامعة اللبنانية ليست خصماً لأحد ولا يجب أن تصبح كذلك. إنها بيت اللبنانيين جميعا. وكل كلمة تُكتب عنها ينبغي أن تُوزن بميزان الضمير قبل ميزان اللغة، لأن الكلمة قد تبني ثقة أمة وقد تهدمها.

ما يؤلمني حقاً ليس النقد. فالنقد الصادق ضرورة وهو حق لا يجوز مصادرته. يؤلمني أن تتحول جامعتنا إلى مادة للتشهير وأن يتم استغلالها كوسيلة لتصفية الحسابات أو منصة لتحقيق حضور إعلامي على حساب مؤسسة حملت أحلام مئات آلاف اللبنانيين. فالسهام التي تُوجَّه إلى الجامعة لا تصيب رئيساً ولا عميداً ولا إدارةً بعينها. إنها تصيب قبل كل شيء قلوب الآباء والأمهات الذين لا يملكون لأولادهم جامعة أخرى. فالجامعة اللبنانية ليست مجرد جامعة، بل هي الأمل الأخير لعائلات كثيرة.

حين تُصاب سمعتها بغير حق فإن أول من يدفع الثمن ليس المسؤول بل الطالب الذي يحمل ملفه بين يديه، والأم التي تدعو أن يبقى باب الجامعة مفتوحاً لابنها والأب الذي لا يملك قسط جامعة خاصة لكنه يملك إيماناً بأن الجامعة اللبنانية قادرة على أن تصنع مستقبل أولاده.

لقد كانت الجامعة اللبنانية، منذ تأسيسها، المصعد الاجتماعي لأبناء هذا الوطن. فمن مقاعدها خرج القاضي والطبيب والمهندس والأستاذ والوزير والباحث، وكل واحد منهم يحمل في سيرته شيئاً من فضلها. الجامعة اللبنانية لم تكن يوماً مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت، عبر عقود، المساحة التي التقى فيها أبناء عكار وصور، وطرابلس والنبطية، والبقاع وبيروت، والجبل والشمال، تحت سقف واحد ليتعلموا أن الوطن أكبر من الطوائف وأن القاعة الدراسية قد تنجح أحياناً فيما تعجز عنه السياسة.

حين نحمي سمعتها، فإننا لا نحمي حجارة أو مكاتب، بل نحمي أحلام أجيال لم تجد غيرها طريقاً إلى المستقبل. لقد علمتنا الجامعة كيف ننجح في الامتحانات. في قاعات الجامعة تُمنح الشهادات، أما في مدرسة الحياة فتُمنح صفة الإنسان.

هناك امتحانات لا تشرف عليها الكليات، ولا تُصحَّح فيها الأوراق، ولا تُعلن نتائجها على اللوحات. إنها امتحان الانتماء، وامتحان الوفاء، وامتحان الامتنان، وامتحان الأخلاق. قد يتصدر إنسان قوائم المتفوقين في العلم ويحمل أعلى الدرجات والألقاب الأكاديمية ثم يرسب في أبسط امتحانات الضمير. فالعلم يفتح الأبواب ويمنح صاحبه مكانة أما الأخلاق فهي التي تمنحه قيمة وهي وحدها التي تجعل من الأستاذ رسولاً للمعرفة لا حاملاً لشهادة فحسب.

إن رسالة التعليم لا يحملها إلا من يستطيع أن ينكر ذاته ليضيء درب الآخرين. أما من اعتاد أن يهدم كلما اختلف وأن يشّهر كلما غضب وأن يضع مصالحه فوق مصلحة مؤسسته فإنه قد ينجح في صناعة الضجيج لكنه لن يصنع رسالة. فالجامعات لا تبنى بالأصوات المرتفعة. ولا تنهض بالأحقاد. ولا يليق بها أن تكون ساحة لتبادل الاتهامات.

إنها تبنى بالعقول وبالضمائر وبالنفوس الكبيرة التي تعرف كيف تختلف دون أن تهدم. الهدم لا يحتاج إلى عبقرية… أما البناء فلا يقوم إلا على الصبر والإخلاص وطول النفس. وليس أشد خطراً على جامعة من أن يتحول بعض أبنائها إلى أول من يشكك بها. فالأعداء من خارج الأسوار قد يؤذونها أما الجراح التي تأتي من داخل البيت فهي الأشد ألماً لأنها تُلبس الهدم ثوب الإصلاح وتستعير لغة الحرص لتخفي وراءها ما ليس من الحرص في شيء.

لست هنا في مقام تمجيد أحد ولا في مقام الدفاع عن شخص. فالأشخاص جميعاً إلى زوال. والقيادات مهما امتدت ولاياتها تبقى مرحلة في تاريخ مؤسسة عمرها أطول من أعمارنا جميعاً. لعل أعظم ما تقدمه القيادة للمؤسسات ليس أن تجعل الجميع يتفقون معها، فهذا متعذر، بل أن تترك مؤسسة أقوى مما وجدتها، وأكثر قدرة على احتضان الكفاءات وأكثر ثقة برسالتها. فالقادة يعبرون، أما المؤسسات فتبقى، ويقاس أثر القيادة بما تتركه للمؤسسة لا بما تضيفه إلى سيرتها الشخصية.

سيأتي يوم يرحل فيه كل رئيس، كما رحل من سبقه وسيأتي بعده من يحمل الأمانة. وهكذا هي المؤسسات الحية… لا تموت برحيل أحد ولا تولد بتعيين أحد. تبقى لأنها تقوم على رسالة لا على الأشخاص. وأجمل ما يمكن أن يتركه أي قائد خلفه ليس مبنى جديداً ولا قراراً إدارياً، بل مؤسسة باتت أكثر ثقة بنفسها وأكثر قدرة على الاستمرار بعده. أما أنا… فسيبقى انتمائي إلى الجامعة اللبنانية واحداً من أعز ما أعتز به. وسيبقى اسمها جزءاً من اسمي العلمي. وسيبقى الامتنان لها ديناً لا ينقضي.

لأن الإنسان قد يغيّر موقعه لكنه لا ينبغي أن يغيّر وفاءه. وقد يحمل أعلى الشهادات لكنه إن فقد الامتنان فقد شيئاً لا تمنحه أي جامعة في العالم. فالوفاء لا يُدرَّس في القاعات. والأخلاق لا تُمنح في حفلات التخرج. والانتماء الحقيقي لا يُقاس بما نأخذه من المؤسسة، بل بما نتركه فيها من أثر جميل ومن كلمة صادقة ومن موقف نبيل. ولهذا، ستبقى الجامعة اللبنانية، بالنسبة إليّ أكثر من جامعة…

قد يختلف الناس حول إدارات الجامعات، لكنهم لا ينبغي أن يختلفوا على حق الأجيال القادمة في أن تجد مؤسسةً وطنيةً قوية، نظيفة السمعة وعالية المقام. فالجامعة اللبنانية ليست إرث جيل واحد، بل أمانة وطن، وما الأمانات إلا امتحانٌ للأخلاق قبل أن تكون امتحاناً للكفاءة. وسيأتي يوم تُطوى فيه كل الملفات ويخفت فيه كل الضجيج وتسكت فيه كل السجالات، ولا يبقى إلا سؤال واحد يطرحه التاريخ على كل واحد منا:

هل كنت يوماً حجراً أضيف إلى بناء الجامعة… أم معولاً امتد إلى جدرانها؟

أما أنا، فقد اخترت أن أبقى مديناً لها بالوفاء كما بقيت هي مدينةً لهذا الوطن بالعلم.

لذلك، إذا سُئلت يوماً: ما هو انتماؤك الذي تعتز به؟ فلن أتردد في الجواب:

الجامعة اللبنانية… موطني العلمي، وذاكرة انتمائي، وإحدى أجمل صور الوطن التي عشتها، وسأبقى ما حييت وفياً لها كما يكون الابن وفياً للبيت الذي ربّاه، وللأم التي علّمته، وللوطن الذي آمن به. بعض الأوطان لا نسكنها… بل تسكننا. وكانت الجامعة اللبنانية، وستبقى، وطناً يسكنني.

جاد طعمة _ الأخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24