مقالات

على ماذا تتفاوضون؟

لا، ليس جيداً أن نمنح السلطة فرصة. ليس لأن أحداً لا يريد لها أن تنجح في انتزاع ما يحفظ مصالح لبنان في مفاوضات واشنطن، بل لأن هذه السلطة ليست لديها استراتيجية لحماية حقوق لبنان. وهي متورطة في الحرب الإسرائيلية على لبنان، وفي بعض الحالات شريكة في تغطية الجرائم اليومية التي يرتكبها العدو.

تتذرّع السلطة، ممثّلة أولاً برئيسيها جوزيف عون ونواف سلام، ومعهما بقية خصوم المقاومة، بأن التفاوض نتيجة طبيعية لأي حرب، وبأن التفاوض لا يجري إلا بين أعداء أو أطراف متحاربة. كذلك تتذرّع بأن السير بالمقترح الأميركي سببه أن الولايات المتحدة هي الجهة الوحيدة القادرة على مخاطبة إسرائيل. وفي المقابل، يواصل هذا الفريق التمسك بسرديته القائلة إن المقاومة ليست الطريق إلى التحرير أو الاستقلال أو حماية البلد. وفي كل إطلالة لهذا الفريق اللعين، يكرر أركانه أنهم يحبون لبنان، ويعرفون مصلحة اللبنانيين أكثر من غيرهم، وأن الناس سئمت الحروب وتريد السلام.

وفي موازاة ذلك، ترتفع أصوات تقول إن الوحدة الوطنية تستوجب أن يتفهم الناس بعضهم بعضاً.

وفي هذا دعوة إلى الناس لتفهّم ما تقوم به السلطة، ومنحها فرصة للقيام بما تقول إنها تجيده لتحقيق الأهداف المرجوة.

لكن هذا المنطق لا يستقيم مع واقع الحال. فالمقاومة التي تواجه الاحتلال ليست لاعباً ثانوياً يمكن تجاوزه.

وموقفها لا يشبه مواقف سامي الجميل أو أشرف ريفي أو مارك ضو أو غيرهم ممن يمكن عدم الالتفات إلى تصريحاتهم.

ودور المقاومة المباشر في الصراع يتجاوز دور أي مؤسسة أخرى في الدولة، كما أن حضورها السياسي والشعبي يفوق حضور كل القوى الموجودة اليوم في السلطة. وفوق ذلك، هي جزء من محور إقليمي واسع يبدأ من غزة ولا ينتهي عند إيران.

أما من يعتقد أن مجرد التلويح بـ«الهوية اللبنانية» قادر وحده على إنتاج إجابة عن الصراع مع إسرائيل، فهو يتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والاقتصاد وموازين القوة.

والمشكلة أن من يتحدث باسم لبنان اليوم في واشنطن لا يبدو فقط جاهلاً بطبيعة المنطقة وتعقيداتها، بل يفتقر أيضاً إلى فهم عميق لطبيعة العدو الذي يفاوضه. والأخطر أنه لا يملك أي عنصر قوة حقيقي يضعه على الطاولة، لا لفرض تراجع على العدو، ولا حتى لدفعه إلى أخذ لبنان على محمل الجد.

ومن يفترض أن «الهوية اللبنانية» قادرة على تقديم إجابة على السؤال المتعلق بالصراع مع إسرائيل، غبي بكل المعايير، ولا يعرف التاريخ ولا الجغرافيا ولا الاقتصاد ولا الفنون العسكرية.

والمشكلة أن من يتحدث باسمنا اليوم في واشنطن، ليس فقط جاهلاً بأحوال المنطقة، بل أيضاً بأحوال العدو الذي يفاوضه. وإلى ذلك، لا يملك أي عنصر قوة حقيقي يضعه على الطاولة، لا لفرض تراجع على العدو، بل على الأقل ليأخذه في الاعتبار.

قد يبدو التعبير قاسياً، لكن المفاوض الإسرائيلي سيكون، على الأرجح، متشوقاً للحظة رفع جلسات التفاوض.

فهو لا يريد هذا «الفولكلور» من أساسه، وسيبقى ينظر إلى الراعي الأميركي طالباً إنهاء الاجتماع، لأن الطرف الجالس قبالته لا علاقة له بكل ما يجري. والأهم بالنسبة إلى إسرائيل أن السلطة اللبنانية، حتى لو قدّمت التزامات، لا تبدو قادرة على تنفيذها. في المقابل، ينشغل الأميركيون المشاركون في المفاوضات بالتنافس على كسب رضى الرئيس دونالد ترامب، فيما يدرك كبار المسؤولين في البيت الأبيض أن الحرب في لبنان، كما أي تسوية محتملة، باتتا جزءاً لا يتجزأ من الحرب أو الحل مع إيران.

بهذا المعنى، يصعب النظر إلى ما يجري باعتباره مساراً جدياً يستحق الرهان عليه، بقدر ما يبدو فعلاً غبياً في الدرجة الأولى، ولا يبدو وطنياً في الدرجة الثانية، ومن شأنه تشجيع العدو على مواصلة جرائمه في كل لبنان.

ويكفي، في هذا السياق، أن يقول المفاوض الإسرائيلي جملة واحدة لينهي النقاش: أنتم تمثلون الحكومة اللبنانية، وقد أعلنتم أنه تنظيم خارج عن القانون. إذا كنتم غير قادرين على مواجهته أو إنهائه، فلا تعترضوا طريق قواتنا وهي تقوم بالمهمة.

وغير ذلك، عليكم العودة بخطة واضحة وجدول زمني وآليات تنفيذية لقراراتكم، وبعدها لكل حادث حديث!

 ابراهيم الأمين- صحيفة “الأخبار”

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى