مقالات
بين نار لا تحسم ومفاوضات لا تُنجز.. من يكتب قواعد اللعبة؟

في جنوب لبنان، يتكثف المشهد عند نقطة تلاقٍ معقدة بين نار الميدان وبرودة السياسة. التصعيد الذي يقوده رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من خلال إصدار تعليمات للجيش بأن يهاجم «بقوة» أهدافاً لـ«حزب الله» في لبنان، لا يُقرأ بمعزل عن مسار تفاوضي يجري برعاية أميركية مع الحكومة اللبنانية، لا مع “حزب الله”. هذه المفارقة أي (التفاوض مع طرف رسمي بينما الفاعل الميداني الحاسم خارج الطاولة)، تفتح فجوة عميقة بين ما يبحث سياسياً وما يحسم فعلياً على الأرض.
المشهد العسكري: تفوق تسليحي بلا قدرة على الإغلاق
القراءات الاستراتيجية الحديثة للحروب غير المتكافئة تظهر أن امتلاك أدوات متقدمة لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء القتال. في الجنوب اللبناني، تتجلى هذه القاعدة بوضوح:
تعدد طبقات القتال
المواجهة لا تجري على مستوى واحد، هناك طبقة ظاهرة من الاشتباك، وأخرى كامنة تدار عبر شبكات مرنة، ما يجعل أي إنجاز ميداني عرضة للتآكل السريع بالنسبة لجيش الاحتلال الاسرائيلي.
فصل النتائج عن الجغرافيا
“الجيش” الإسرائيلي يسعى للسيطرة التامة على مناطق مهمة مثل بنت جبيل، إذ إن السيطرة عليها لا تمنح المرتفعات أفضلية نظرية، إذ إنها لا تحول السيطرة إلى ضبط فعلي. حيث يمكن تعطيل هذه الأفضلية عبر تكتيكات تجعل الحضور العسكري بلا قدرة حقيقية على التحكم.
استنزاف غير متماثل
“إسرائيل” تتحرك ضمن نموذج يعتمد على كثافة الاستخدام والحضور، ما يرفع كلفة الخسائر البشرية والمادية، بينما تدير المقاومة الإسلامية “حزب الله” المواجهة بإيقاع يوازن بين الضغط والاستمرارية، من دون الحاجة إلى تصعيد دائم.
انكماش هامش المبادرة
مع مرور الوقت، تتراجع القدرة على فرض إيقاع العمليات، لتتحول التحركات إلى استجابات محسوبة، وهو مؤشر على انتقال غير معلن في ميزان التحكم.
المسار التفاوضي: طاولة منقوصة الشرعية
من زاوية القراءة الداخلية، يبدو المشهد اللبناني مثقلاً بتوترات عميقة تعيد إلى الذاكرة مراحل حرجة من تاريخه، تعود جذورها إلى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية. حالة الاستقطاب لم تعد كامنة، بل باتت ظاهرة في الخطاب الإعلامي، والحوارات السياسية، وحتى في الفضاء الرقمي، حيث تتقاطع السرديات وتتصادم من دون أرضية جامعة.
في البيئة المسيحية، تبرز مؤشرات على مزاج يميل إلى إعادة تموضع سياسي، مدفوعاً بإحساس بأن اللحظة الراهنة قد تفتح نافذة لاستعادة أدوار تراجعت مع الزمن، خصوصاً بعد التحولات التي كرسها اتفاق الطائف. هذا التوجه يتجلى في مواقف مرحبة بخيارات الانفتاح على مسارات تفاوضية مع “إسرائيل”، تعكس قراءة ترى في المتغيرات الإقليمية فرصة لإعادة صياغة موازين داخلية.
في المقابل، داخل الطائفة الشيعية، يسود قلق متصاعد من أن أي تبدل في قواعد الاشتباك قد يستهدف موقعها الذي تعزز خلال العقود الأخيرة، مستنداً إلى قوة “حزب الله” وحضوره الإقليمي. هذا القلق لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى مخاوف من خسارة مكتسبات سياسية واقتصادية تشكلت ضمن توازنات دقيقة.
إلى جانب ذلك، تظهر هواجس إضافية تتعلق بإمكانية تراجع مستوى التضامن الداخلي، خصوصاً في ظل شعور بأن الارتباط الوثيق بمحاور إقليمية قد أضعف منسوب التلاقي مع بقية المكونات، في لحظة يُفترض فيها توحيد المواقف أمام التحديات الخارجية.
أما الساحة السنية، فتبدو أكثر تشظياً، بعد سلسلة من التحولات التي أضعفت المشاريع التي راهنت عليها تاريخياً، من المد القومي إلى التحالفات الإقليمية المتغيرة. هذا التراجع في وضوح الاتجاهات جعلها أقل قدرة على إنتاج موقف موحد أو لعب دور توازني فاعل.
بهذا المعنى، لا يقتصر الانقسام على تباين سياسي عابر، بل يعكس إعادة تشكل عميقة في الوعي الجماعي لكل مكوّن، ما يجعل أي مسار تفاوضي خارجي محكوماً مسبقاً بهذه الانقسامات، ويزيد من صعوبة الوصول إلى مقاربة وطنية جامعة قادرة على الصمود.
في المقابل، يتحرك المسار السياسي في اتجاه لا يعكس حقيقة التوازنات:
– تفاوض مع طرف لا يملك قرار الحرب كاملاً.
المفاوضات التي تجري بإشراف أميركي “وهو طرف منحاز سلفاً لاسرائيل” تتم مع الحكومة اللبنانية، بينما يبقى حزب الله خارجها. هذا الواقع يفرغ أي اتفاق محتمل من ضمانة التطبيق.
– فجوة بين التمثيل والقدرة
الطرف الجالس على الطاولة لا يعكس بالضرورة ميزان القوة على الأرض، ما يجعل أي التزام سياسي عرضة للتعطيل أو عدم التنفيذ.
– رفض داخلي واسع
قطاعات لبنانية تنظر إلى هذا المسار بوصفه تنازلاً مفروضاً تحت ضغط خارجي، لا خياراً سيادياً، ما يضعف شرعيته الشعبية ويحد من قابليته للاستمرار.
– تعارض تعريفات الاستقرار
“إسرائيل” تسعى إلى صياغة ترتيبات تقلّص المخاطر من جانبها، بينما يرى حزب الله أن أي صيغة لا تحافظ على توازن الردع هي مساس مباشر بموقعه ودوره وبالتالي هي تنازل عن أراضٍ لبنانية في الجنوب.
– وساطة غير محايدة
الإشراف الأميركي، بحكم اصطفافه السياسي، لا يُنظر إليه كعامل توازن، بل كطرف يميل إلى ترجيح كفة على حساب أخرى، ما يحد من فعالية الوساطة.
التفاعل بين المسارين: اتفاق لا يوازي الميدان
حين يستبعد الفاعل الميداني الأساسي من التفاوض، يتحول أي اتفاق إلى نص بلا قوة تنفيذ. فالميدان لا ينتظر الطاولة، بل يحدد سقفها. وكلما عجزت “إسرائيل” عن فرض وقائع حاسمة عسكرياً، تقلصت قدرتها على فرض شروط سياسية عبر القنوات الرسمية.
في المقابل، يمنح هذا الواقع حزب الله موقعاً غير مباشر على طاولة التفاوض، إذ يصبح حضوره مضمراً في كل بند، حتى لو لم يكن ممثلاً رسمياً.
إذاً، المعطيات تقول إن أزمة هذا المشهد لا تكمن في تعثر جبهة دون أخرى، بل في التباعد بينهما. جيش يمتلك أدوات متقدمة، لكنه عاجز عن إنتاج نهاية حاسمة، ومسار تفاوضي يتحرك من دون إشراك الطرف الأكثر تأثيراً على الأرض. وبين هذين المسارين، تتآكل فرص الوصول إلى تسوية قابلة للحياة، فيما يترسخ واقع جديد: لا اتفاق يمر من دون موافقة من يملك قرار الميدان، ولا حسم يتحقق من دون كلفة تتجاوز القدرة على الاحتمال. وفي هذه المعادلة، يبدو أن الكفة تميل لمن ينجح في فرض حضوره حيث لا يُدعى، ويمنع خصمه من ترجمة قوته إلى نتيجة نهائية.
علي اللامي-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



