مقالات
من الطائف إلى اليوم: التفرد بالقرار أم سقوط الديمقراطية التوافقية؟

أولاً: اتفاق الطائف وحدود صلاحيات رئيس الجمهورية
يشكّل اتفاق الطائف (1989) محطة مفصلية في إعادة تنظيم النظام السياسي اللبناني، إذ جاء في سياق إنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تقوم على التوازن والمشاركة بين المكوّنات السياسية والطائفية.
وقد أرسى الاتفاق جملة من المبادئ الأساسية، أبرزها التأكيد على وحدة الدولة اللبنانية وسيادتها على كامل أراضيها، وإعادة توزيع الصلاحيات بين السلطات الدستورية، لا سيما من خلال تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وتعزيز دور مجلس الوزراء مجتمعًا، بما يعكس انتقالًا واضحًا نحو نظام يقوم على مبدأ الديمقراطية التوافقية بدل حكم الأكثرية العددية.
وبذلك، لم يعد اتخاذ القرار السياسي، خصوصًا في القضايا السيادية، حكرًا على جهة واحدة، بل أصبح نتاج توازنات داخلية دقيقة تُدار ضمن إطار من التوافق الوطني.
وفي هذا الإطار الإشكالي، تطرح الدراسة سؤالًا محوريًا حول العلاقة بين بنية النظام اللبناني التوافقي وآليات اتخاذ القرار، ولا سيما في ما يتعلق بالتفاوض وقرار السلم والحرب، وذلك في ظل التوازنات الداخلية والخارجية التي تحكم النظام السياسي اللبناني وتعيد تشكيل حدوده العملية.
وفي ما يتعلّق بالتفاوض والمعاهدات الدولية، لم ينصّ اتفاق الطائف على آلية تفاوض مستقلة بحدّ ذاتها، إلا أنه نظّم هذا المجال بصورة غير مباشرة من خلال إعادة توزيع الصلاحيات الدستورية.
فقد كرّست المادة 52 تعددية المرجعيات في إبرام المعاهدات الدولية، إذ أناطت عملية التفاوض والإبرام برئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن تخضع لموافقة مجلس الوزراء، وفي بعض الحالات لإقرار مجلس النواب، الأمر الذي يحول دون احتكار القرار الخارجي من قبل سلطة واحدة.
وفي السياق نفسه، تؤكد المادة 65 أن قرارات مجلس الوزراء تُتخذ وفق مبدأ التوافق، وتفرض أكثرية الثلثين في القضايا المصيرية، ما يعكس الطبيعة التوافقية للنظام السياسي اللبناني، القائم على مشاركة مختلف المكوّنات في صنع القرار، ولا سيما في المسائل ذات الطابع السيادي. (راجع: الجامعة اللبنانية – مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، الدستور اللبناني المعدّل 1990، المادتان 52 و65)
يشير الدكتور محمد حمدان، رئيس هيئة أبناء العرقوب، في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني إلى أنّ الارتكاز إلى اتفاق الطائف وما تضمّنه من معطيات أساسية، إلى جانب ما أقرّه من تعديلات تتعلّق بتوزيع السلطة وآليات الممارسة الإدارية، يؤكّد على حق لبنان في تحرير أرضه من الاحتلال.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، تُعدّ قضية تحرير الأرض من العدوان مسألة وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، إذ لا تخصّ فئة دون أخرى، بل تمسّ الكيان اللبناني بأسره.
وعليه، يفترض أن تتصدّر هذه القضية أولويات السلطة السياسية، باعتبارها الجهة المعبّرة عن تطلعات المواطنين وآمالهم، والمسؤولة عن حماية مصالحهم وصون سيادة الدولة.
ومن هنا، يقتضي أن تتلاقى مختلف القوى اللبنانية على اعتبار تحرير الأرض هدفًا وطنيًا مشتركًا يستوجب التوافق والإجماع، بوصفها قضية سيادية لا تحتمل الانقسام.
ثانياً: طبيعة النظام اللبناني – توافقي أم تفرد مقنع؟
تُثار تساؤلات عديدة حول طبيعة النظام السياسي في لبنان، بين من يصفه بالديمقراطي البرلماني، ومن يعتبره نظامًا طائفيًا أو توافقيًا أو هجينًا يجمع بين أكثر من نموذج. وقد ورد في مقدمة الدستور اللبناني أن لبنان «جمهورية ديمقراطية برلمانية» تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها.
يتبيّن من خلال تحليل البنية الدستورية والممارسة السياسية في لبنان أن النظام اللبناني، وإن كان يُعرَّف رسميًا كنظام ديمقراطي برلماني يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها، إلا أن تطبيقه العملي يكشف عن طابع مركّب يجمع بين البرلمانية والطائفية والتوافقية في آنٍ واحد، وهو ما أشار إليه محفوظ سكينة في ورقته البحثية حول طبيعة النظام الدستوري في لبنان 2008، الصادرة عن المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق فبعيدًا عن النموذج البرلماني الكلاسيكي، تظهر في الواقع السياسي اللبناني سمات انحراف واضحة تتمثل في تعاظم دور السلطة التنفيذية وضعف آليات الرقابة البرلمانية الفاعلة، ما يعكس اختلالًا في التوازن المؤسساتي المفترض.
وفي المقابل، يبرز البعد الطائفي كعنصر بنيوي حاكم في النظام السياسي، حيث يُعاد توزيع السلطة والمناصب العامة وفق منطق التمثيل الطائفي لا على أساس المواطنة الفردية، وهو ما يجعل المشاركة السياسية مرتبطة بانتماءات جماعية أكثر من كونها تعبيرًا عن الإرادة الفردية للمواطنين، وهو ما يؤكده التحليل نفسه للبنية السياسية اللبنانية (سكينة، 2008). هذا التكوين الطائفي أسّس لنمط خاص من الحكم يقوم على إدارة التعددية عبر المحاصصة بدلًا من تجاوزها نحو دولة مدنية بالمعنى التقليدي.
وانعكاسًا لهذا الواقع، لا تُتخذ القرارات الأساسية في لبنان وفق منطق الأكثرية العددية، بل تخضع عمليًا لمبدأ التوافق بين المكونات الطائفية والسياسية، ولا سيما في ما يُعرف بالقرارات المصيرية ذات الطابع السيادي والاستراتيجي، إذ تُدار ضمن آليات دستورية وأعراف سياسية تُكرّس منطق الشراكة والتوافق (سكينة، 2008). وتُعد هذه القرارات بحكم حساسيتها عاملاً أساسياً في إعادة إنتاج توازنات النظام واستقراره.
وبذلك، لا يبدو اتخاذ القرار في لبنان نتاجًا لآلية ديمقراطية تقوم على حسم الأكثرية، بقدر ما هو انعكاس لتوازنات دقيقة بين مكونات النظام، ما يجعل من التوافق شرطًا أساسيًا لاستمرارية الحكم، وهو ما يخلص إليه التحليل الدستوري لطبيعة النظام اللبناني (سكينة، 2008). ومن ثمّ، يمكن توصيف النظام اللبناني بأنه نظام توافقي ذو بنية طائفية، تتداخل فيه الاعتبارات الدستورية مع التوازنات السياسية والاجتماعية، ويصعب فيه عمليًا تحقيق التفرد بالقرارات المصيرية.
ثالثاً: قرار السلم والحرب بين التوازنات الداخلية ومقتضيات المقاومة والصراع مع العدو الإسرائيلي
يُعدّ قرار السِّلم والحرب من أبرز تجليات السيادة الوطنية، إذ يعكس قدرة الدولة على حماية حدودها وصون استقلال قرارها في مواجهة التهديدات الخارجية، غير أنّ الحالة اللبنانية، بما تحمله من تعقيدات تاريخية وسياسية وطائفية، تُظهر أن هذا القرار لا يزال محكوماً بتوازنات داخلية وإقليمية متداخلة، الأمر الذي يحدّ من قدرة الدولة على احتكار قرارها السيادي الكامل في مجال الدفاع.
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، ومع ضعف مؤسسات الدولة في ظلّ الحرب الأهلية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وظهور المقاومة التي لعبت دورًا في تحرير الجنوب عام 2000 وفي حرب تموز 2006، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي تتسم بأزمات اقتصادية حادّة وتحديات مرتبطة بالنزوح السوري، يظلّ السؤال مطروحًا حول طبيعة الجهة التي تمتلك فعليًا قرار السلم والحرب في لبنان، ومدى تداخل هذا القرار بين الدولة والقوى الفاعلة على الأرض.
في هذا السياق، يتناول رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، الدكتور عبد الحليم فضل الله، في حديثه لموقع المنارالإلكتروني، هذا الموضوع مسألة التفاعل ما بين التوازنات الداخلية والخارجية أو اختلالها والموقف الداخلي من الصراع مع العدو الإسرائيلي، الملاحظة الأساسية أو الاستنتاج الأساسي هو الآتي: المقاومة كانت دائماً تراعي التوافق الوطني والاستقرار الوطني بخياراتها المختلفة، حتى باللحظة التي كان فيها الصراع مع العدو الإسرائيلي هو الأولوية المطلقة كانت ترى أن هذه الأولوية ينبغي أن تتموضع وأن تكون متآلفة مع حفظ الاستقرار الداخلي والتوازن الداخلي.
وهذا باللحظة بكل مراحل الصراع الذي على الأقل منذ نشأة المقاومة الإسلامية عام 1982 أو منذ اجتياح 1982 وحتى اليوم، وكانت ترى التفاعل والتعامل مع موجبات الصراع من منظار الوفاق الوطني، حتى لو كانت هي تعرف وقالها سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله، سيد شهداء الأمة- أكثر من مرة أن المقاومة لم تكن خياراً إجماعياً، لم يكن هناك إجماع وطني، ومع ذلك كانت تراعي مقتضيات الوفاق والتوازن والاستقرار الوطني، وكانت تكيف استراتيجيتها بما يتناسب مع توسيع قاعدة الوفاق الوطني ومراعاة مقتضياته.
ويشير الدكتور فضل الله أن هذا ما نراه بمحطات كثيرة، لنقل منذ السلم الأهلي منذ اتفاق الطائف حتى الآن؛ هي وافقت عام 1993 على تفاهم تموز، وهي وافقت على تفاهم نيسان 1996 الذي كان إطاراً من الأطر التي جرى التعامل إيجاباً معها داخلياً وكانت محل وفاق وطني عريض. هي اعترفت بفضل الجميع بانتصار عام 2000 وبتحرير عام 2000 واعتبرته أن هذا جزء من المكتسبات والمنجزات الوطنية. وعام 2006 على الرغم من الانقسام الهائل، هي أهدت الانتصار إلى جميع اللبنانيين أيضاً. وكان حتى بالعام 2024 على الرغم من الانقسام الكبير وطعن المقاومة من الظهر كما حصل بالحرب الأخيرة، هي وصلت إلى اتفاق، هذا الاتفاق هو ليس اتفاقاً بين المقاومة وبين الاحتلال بتفاوض غير مباشر، بل كان اتفاقاً بين الحكومة اللبنانية والعدو الإسرائيلي، لكن وافقت عليه المقاومة على الرغم من بعض الالتباسات، ووفق على قاعدة أن هذا يحقق أوسع توافق لبناني ممكن. فكان المنطلق الأساسي للمقاومة دائماً هو الحرص ومراعاة التوازنات الداخلية والوفاق الوطني، حتى لو أنها لم تستطع بسبب الانقسامات والولاءات والرهانات والارتباطات المعروفة بلبنان، والانقسامات أيضاً الداخلية المعروفة بلبنان، لم تستطع بناء إجماع كامل لكن هي اقتربت، خصوصاً بالتسعينيات حيث لم يكن هناك اختلال بالتوازن الإقليمي والدولي، اقتربت إلى نقطة الإجماع الوطني خلف المقاومة، وهذا شاهدناه بلحظة استشهاد السيد هادي ابن سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله بالـ 97، وصلنا لنقطة قريبة جداً من الإجماع الوطني خلف المقاومة.
رابعاً: التوازنات الداخلية واستغلال اللحظة الإقليمية
يشكّل اتفاق الطائف محطة أساسية في إعادة تنظيم النظام السياسي اللبناني، إذ جاء نتيجة انهيار سياسي وأمني واسع فرض ضرورة إعادة صياغة التوازنات الداخلية بين الطوائف ومؤسسات الدولة. وقد هدف الاتفاق إلى إنهاء حالة التفرد بالسلطة عبر تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وتعزيز دور مجلس الوزراء ومجلس النواب، واعتماد مبدأ المشاركة والتوافق في إدارة الحكم.
في هذا السياق، يواصل رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، الدكتور عبد الحليم فضل الله، في حديثه لموقع المنار الإلكتروني، ويقدّم قراءة نقدية لأداء السلطة في لبنان، تقوم على إبراز تداخل العاملين الداخلي والخارجي في إنتاج الأزمات السياسية وتعميق الانقسام الداخلي. فمن جهة أولى، يرى أن السلطة لا تتفاعل مع التوازنات الاجتماعية القائمة بقدر ما تتجاهلها، إذ تعتمد خيارات سياسية لا تعكس المزاج العام لشريحة واسعة من اللبنانيين، بل تسهم في توسيع الفجوة بين مكوّنات المجتمع.
ويشير في هذا السياق إلى نتائج استطلاعات الرأي التي تُظهر، بحسبه، وجود تأييد ملحوظ لخيار “المقاومة” لدى فئات لبنانية متعددة، تشمل إجماعًا داخل الطائفة الشيعية ونِسَبًا وازنة داخل الطائفتين السنية والمسيحية، الأمر الذي يمنع تشكّل إجماع داخلي مناهض لهذا الخيار، رغم ذلك تبقى قرارات السلطة منفصلة عن هذا التوازن الشعبي، بما يعمّق الاستقطاب الداخلي.
ومن جهة ثانية، يبرزالبعد الخارجي في سلوك السلطة، حيث يُنظر إلى المتغيرات الإقليمية والدولية بوصفها فرصة لإعادة إنتاج التوازنات الداخلية أكثر من كونها عامل تهديد أو ضغط خارجي فقط. ويذهب هذا التحليل إلى أن جزءًا من النخب السياسية في لبنان اعتاد توظيف التحولات الإقليمية الكبرى في مسار الصراعات الدولية والإقليمية لإعادة تشكيل الوضع الداخلي، سواء عبر الاستفادة من التدخلات الخارجية أو من التغيرات في موازين القوى الدولية. ويستحضر في هذا الإطار محطات مفصلية مثل اجتياح 1982، والتحولات التي أعقبت أحداث 11 أيلول 2001، وحرب العراق 2003، وصولًا إلى مرحلة القرار 1559 وانسحاب القوات السورية عام 2005، ثم حرب تموز 2006، حيث جرى توظيف هذه التحولات، وفق هذا التصور، في سياق إعادة رسم موازين القوى الداخلية اللبنانية.
وبناءً عليه، يرى الدكتور فضل الله أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في طبيعة الاستقطاب الداخلي، بل في كيفية تفاعل السلطة معه، إذ يتم استدعاء الخارج أو الاستثمار في تحوّلاته لتعديل التوازنات الداخلية بدل بناء تسوية وطنية جامعة، ما يؤدي إلى تكريس الانقسام السياسي وتعميق حالة عدم الاستقرار في البلاد.
خامساً: التفاوض وميزان القوى في لبنان: أيّ نموذج أكثر فاعلية؟
يُطرح التفاوض في الخطاب السياسي كخيار أساسي لتسوية النزاعات، إلا أن التجربة التاريخية، خصوصًا في الصراع مع العدو الإسرائيلي، تُظهر أنه لا يعمل بمعزل عن موازين القوى، بل يتحدد في إطارها. وفي هذا السياق، أعاد طرح رئيس الجمهورية جوزيف عون لخيار التفاوض إحياء التساؤل حول طبيعته: هل هو مسار مستقل أم نتيجة لضغوط ميدانية سابقة؟
تشير التجارب العربية واللبنانية إلى أن فعالية التفاوض ترتبط بوجود عناصر قوة وضغط، كما في حرب 1973 التي مهّدت لاتفاق اتفاقية كامب ديفيد، أو في الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، والقرار قرار مجلس الأمن 1701 بعد حرب 2006. في المقابل، تؤكد تجارب مثل اتفاقية أوسلو أن غياب التوازن يؤدي إلى نتائج غير متكافئة.
في هذا الإطار يتابع الدكتور حمدان لموقع المنار الإلكتروني مؤكداً أن مسألة المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي هي مسألة في غاية الخطورة والحساسية. أولاً، إن التعاطي مع العدو مباشرة يستلزم تغييرًا في النهج وتغييرًا في القوانين. هناك قوانين وأنظمة وتوجهات تجرّم التعامل مع إسرائيل، منها قانون العقوبات اللبناني، ومنها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955. إذن هناك قوانين ترعى وتنظم العلاقة، أو تحظر العلاقة مع العدو. وليس بهذه السهولة وبهذه الطريقة السطحية أن نتعامل مع المسألة، بحيث يذهب مسؤول لبناني أو موظف أو أي شخص للتحدث مع العدو مباشرة.
خيار المفاوضات المباشرة هو في الحقيقة خيار متسرّع، ولم يكن مدروسًا كما يجب. لقد خاض لبنان مفاوضات غير مباشرة مع العدو الإسرائيلي في أكثر من مرة، سواء في عام 2000 عند التحرير من أجل ترسيم الخط الأزرق وخط الانسحاب، وأيضًا في عام 2006 عندما صدر القرار 1701، وقبله في عام 1996 عندما حصل ما يسمى تفاهم نيسان، وكذلك اتفاق الحدود البحرية عام 2022، وأخيرًا اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني عام 2024. كل هذه الاتفاقات أو هذه القضايا جرت عبر مفاوضات غير مباشرة وليست مباشرة.
ومن قال إن المفاوضات المباشرة تعطي نتائج أفضل؟ هي تعطي نتائج أفضل للعدو، فهو يرغب بالصورة. الرئيس ترامب يريد صورة أنه حقق هذا الإنجاز في عهده ويسجله في الداخل، وكذلك الأمر لدى نتنياهو الذي يريد استثمار الصورة داخليًا. لذلك نحن بالعكس، لا تفيدنا هذه المقاربة، بل على العكس قد تدفعنا إلى التنازل عن أمور مسبقًا قبل أن نجلس على طاولة المفاوضات، ومنها التنازل عن قانون تجريم التعامل مع إسرائيل. كيف ستقوم السلطة القضائية في لبنان، والمحكمة العسكرية، بمحاكمة عميل اتصل بالعدو الإسرائيلي، وهناك سلطة رسمية تتصل به؟ وعلى أي أساس سيُطبّق القانون؟ كيف يصح أن يكون القانون بمكيالين، صيف وشتاء على سطح واحد؟
إذن، عندما نخوض مفاوضات، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، يجب أن تكون هناك رؤية متكاملة لدى السلطة السياسية. أولًا، يجب أن تكون السلطة السياسية متضامنة ومتفاهمة على الخطوط الأساسية لهذه المفاوضات، وثانيًا يجب أن يكون هناك إجماع وطني، لأنه ليست كل المكونات ممثلة في الحكومة. لذلك فإن مسألة التعاطي مع العدو والمفاوضات معه مسألة حساسة، ويجب أن تكون معايير التعامل معها أكثر دقة وموضوعية وعمقًا مما يحصل حتى الآن.
هذا التسرّع في حرق المراحل والركض باتجاه المفاوضات المباشرة جعل العدو، وكذلك الجانب الأمريكي، يطلبان أكثر ويطلقان تصريحات هدفها إحراج السلطة وتوريطها أكثر وخلق إشكالات داخلية يبحث عنها الإسرائيلي للتخفيف من أعباء تورطه على الجبهة. ونحن ما نخشاه في هذا السياق هو أن قضايا مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وشمال الغجر، وهي قضايا كانت تُثار سابقًا، قد لا تؤخذ بعين الاعتبار بشكل كامل نتيجة هذا التسرع لدى المعنيين بالملف، بحيث لا توضع كل القضايا المطلوبة على الطاولة.
في هذا الإطار النظري الذي يربط التفاوض بموازين القوى ولا يفصله عن البيئة التي يُنتج فيها، تكتسب القراءة التي يقدّمها الدكتورعبد الحليم فضل الله أهمية خاصة، إذ ينتقل من المستوى العام إلى تحليل التجربة اللبنانية بشكل مباشر، مسلطًا الضوء على أنماط التفاوض التي اعتمدها لبنان تاريخيًا، وكيف ارتبطت نتائجها بطبيعة المسار التفاوضي ومدى اتصاله بعناصر القوة الداخلية والتوازنات القائمة.
يقدّم فضل الله في هذا السياق قراءة تقوم على المقارنة بين نمطين من التفاوض في التجربة اللبنانية. فبحسب هذا الطرح، أظهر التفاوض غير المباشر، خصوصًا عندما كان مدعومًا بعناصر قوة داخلية أو مستفيدًا منها، قدرة على تحقيق نتائج إيجابية، تمثّلت في الحد من الاعتداءات، حماية المدنيين، تثبيت قواعد اشتباك، وصولًا إلى إنجازات مثل تحرير عام 2000، ووقف الأعمال العدائية بعد حرب 2006، إضافة إلى تفاهمات لاحقة خفّضت التصعيد وأتاحت تبادل الأسرى.
في المقابل، يرى أن التفاوض المباشر برعاية خارجية منفردة، كما في تجربة عام 1983، أدى إلى نتائج سلبية، إذ لم يحقق انسحابًا إسرائيليًا، بل ارتبط بتنازلات كبيرة واستمر الاحتلال لسنوات طويلة، ما يعكس—وفق هذا التصور—ضعف هذا المسار عندما ينفصل عن التوازنات الداخلية.
ويخلص الطرح إلى وجود نموذجين: الأول يقوم على التفاوض غير المباشر المرتبط بعناصر القوة الداخلية ويُنتج نتائج ملموسة، والثاني يقوم على التفاوض المباشر المنفصل عن التوافق الوطني والخاضع للضغوط الخارجية، ويؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي والإضرار بالمصلحة اللبنانية.
سادساً: أين تقع مزارع شبعا من التفاوض؟
في هذا السياق، يطرح الدكتور محمد حمدان لموقع المنار الإلكتروني تساؤلات جوهرية، معتبرًا أن المسألة تبدأ من غياب الثقة وغياب الاطلاع الكامل على ما يدور، ما يفتح الباب أمام إشكاليات أساسية حول طبيعة الملف الذي سيحمله المفاوض اللبناني. ويتساءل: ما هو هذا الملف؟ وأين تقع مزارع شبعا ضمنه؟ وكيف ستتم مقاربة هذا الملف والتعاطي معه، خاصة في ظل وجود تباين داخلي سابق حول لبنانية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، حتى داخل بعض أركان السلطة الذين كان بينهم نقاش وجدال طويل لإثبات هذه المسلّمات.
ويشدّد حمدان على أن أي مقاربة لهذا المسار يجب أن تنطلق من رؤية واضحة واستراتيجية محددة، بحيث تكون المفاوضات، إن حصلت، غير مباشرة، بما يضمن أن يكون الملف مدروسًا بشكل دقيق، وأن تكون المطالب اللبنانية واضحة ومحددة ومتفقًا عليها داخليًا. كما يؤكد أن نجاح أي مسار تفاوضي يتطلب توافقًا بين كل الأطراف المعنية، بحيث تقف خلفه ككتلة واحدة، بما يمنح المفاوض اللبناني أوراق قوة حقيقية يستخدمها عبر الوسطاء المشاركين في العملية.
وفي هذا الإطار، يطرح تساؤلات حول المصلحة الوطنية من حصر الوساطة بجهة واحدة، متسائلًا: أين تكمن مصلحة لبنان في استبعاد جميع الوسطاء، والإبقاء فقط على الرعاية الأمريكية، في حين أن الولايات المتحدة حليف مباشر للعدو الإسرائيلي وداعم له في مختلف الساحات، من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران وسائر المنطقة؟ وأين تكمن المصلحة في إقصاء فرنسا والأمم المتحدة وسائر الأطر الدولية التي شكّلت تاريخيًا مظلات دعم للبنان، والاكتفاء بوسيط واحد منحاز بطبيعته السياسية؟
ويعتبر أن هذا الخيار لا يخدم المصلحة اللبنانية، لأن التجربة تشير إلى أن الوسيط الأمريكي غالبًا ما يتحرك ضمن رؤية منحازة للعدو الإسرائيلي. لذلك، يدعو حمدان إلى إعادة النظر في هذه المقاربة من قبل السلطة الرسمية، بما فيها الحكومة ووزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية، وكل الجهات المعنية بملف التفاوض، بحيث تُدرس هذه المسائل من زوايا متعددة، وبشكل أعمق وأكثر توازنًا وواقعية مما هو مطروح حتى الآن.
سابعاً: بين خطاب القسم وممارسة جوزيف عون
يُظهر تتبّع خطابات رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون بين مطلع عام 2025 ونيسان/أبريل 2026 وجود فجوة واضحة بين الخطاب المعلن والوقائع السياسية الفعلية. فمنذ خطاب القسم الذي قدّم فيه نفسه بوصفه حامي الدستور ورمز الدولة الجامعة وصاحب مشروع إنقاذ وطني، بدا أن مسار الخطاب اللاحق اتجه تدريجيًا نحو مقاربة انتقائية لمفاهيم الدولة والسيادة والقانون، بما يعكس تداخلًا بين البعد الرمزي للخطاب ومتطلبات الواقع السياسي.
وفي هذا الإطار، يبرز الاستخدام المكثف لمفهوم الدولة بوصفها كيانًا مكتملًا وقادرًا، في مقابل واقع لبناني يتسم بضعف القدرة المؤسساتية على فرض السيادة أو ضبط الحدود أو معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يجعل خطاب الدولة أقرب إلى بناء تعبوي منه إلى توصيف دقيق لواقع قائم. كما يطرح شعار “حصر السلاح بيد الدولة” إشكالية إضافية، إذ يُقدَّم في سياق يتجاهل طبيعة التهديدات المستمرة، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية، ما يحدّ من شموليته ويحوّله إلى مقاربة داخلية جزئية.
كذلك، يظهر في الخطاب الرئاسي توظيف بارز للمؤسسة العسكرية بوصفها عنصرًا رمزيًا لتعزيز الشرعية، في حين أن الجيش اللبناني يعمل ضمن قدرات محدودة وتوازنات دقيقة، ما يجعل تحميله أدوارًا تتجاوز إمكاناته الفعلية أمرًا غير واقعي. وعلى المستوى الخارجي، يتبدّى تباين بين الخطاب الموجّه إلى الخارج الذي يتسم بلغة داعمة للقضايا العربية، وبين الخطاب الداخلي الذي يعتمد مقاربة أكثر حدّة تجاه خيارات المقاومة، ما يعكس عدم اتساق في الموقف السياسي العام.
ويعتمد الخطاب أيضًا على مفاهيم مثل “حروب الآخرين على أرضنا” و“الاستقواء بالخارج” بطريقة انتقائية، بحيث تُستخدم في سياق محدد دون الإحاطة بكامل أشكال التداخلات الخارجية في الشأن اللبناني، الأمر الذي يفتح المجال أمام ازدواجية في المعايير. ومع تطور الأحداث في عام 2026، يتجه الخطاب نحو تحميل المقاومة مسؤوليات متزايدة في تفسير الأزمات، في مقابل تراجع نسبي في إبراز دور الاعتداءات الإسرائيلية كعامل أساسي في تفاقم الوضع.
أما في ما يتعلق بخيار التفاوض، فيُطرح بوصفه مسارًا وطنيًا بحد ذاته، من دون ربط كافٍ بموازين القوى أو الشروط السياسية المحيطة به، ما يجعله أقرب إلى خيار معياري منفصل عن تعقيدات الواقع.
وضمن هذا المسار، يبدو خطاب نيسان/أبريل 2026 ذروة هذا الاتجاه، حيث جرى التأكيد على قدرة الدولة على التفاوض واستعادة القرار، دون تفصيل كافٍ للعوامل الإقليمية المؤثرة أو التوازنات الداخلية الحاكمة.
وبناءً عليه، يمكن القول إن خطاب جوزيف عون لم يستقرّ على رؤية سياسية متماسكة بقدر ما بقي محكوماً بتداخل بين الشعارات المعيارية ومتطلبات الواقع، ما أنتج خطابًا يقوم على تصور مثالي للدولة، في مقابل بنية سياسية معقدة تحدّ من إمكان تحويله إلى ممارسة فعلية متكاملة.
ثامناً: النظام التوافقي وحدود القرار السيادي في لبنان بين بنية التوازن وإشكالية الفعل السياسي
في المحصّلة، يتبيّن أن النظام السياسي اللبناني، كما أعاد تكريسه اتفاق الطائف، ليس مجرد إطار دستوري لتوزيع الصلاحيات، بل هو بنية مركّبة تقوم على التوازن الدقيق بين المكوّنات الطائفية والسياسية، بما يجعل من منطق التوافق شرطًا بنيويًا لعمل المؤسسات وليس خيارًا سياسيًا عابرًا. هذا الطابع التوافقي، الذي يظهر بوضوح في المادتين 52 و65 من الدستور، ينعكس مباشرة على آليات اتخاذ القرار في القضايا السيادية، ولا سيما في ما يتصل بالتفاوض وقرار السلم والحرب، حيث تغيب إمكانية التفرد بالقرار لصالح تشابك المرجعيات وتداخل المستويات الدستورية والسياسية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مسألة التفاوض مع العدو الإسرائيلي عن ميزان القوى الداخلي والخارجي، إذ أظهرت التجربة اللبنانية أن فعالية أي مسار تفاوضي ترتبط بمدى توافر الحد الأدنى من الإجماع الوطني، وبوجود عناصر قوة داخلية قادرة على ضبط الإيقاع التفاوضي ومنع تحويله إلى أداة ضغط غير متكافئة. لذلك، فإن المفاضلة بين التفاوض المباشر وغير المباشر ليست تقنية بحتة، بل هي تعبير عن طبيعة النظام السياسي نفسه وحدود قدرته على إنتاج قرار سيادي موحّد في ظل الانقسام الداخلي والتجاذبات الإقليمية.
كما يبرز من خلال تحليل خطاب السلطة السياسية أن الإشكال لا يقتصر على بنية النظام فحسب، بل يمتد إلى كيفية إدارة هذه البنية وتوظيفها في الخطاب والممارسة، حيث يتداخل البعد الرمزي للدولة مع واقع سياسي هشّ ومعقّد، ما يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي والقدرة الفعلية على إنتاج سياسات متماسكة. وفي المقابل، تكشف مقاربة قضايا مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا أن الملفات السيادية تبقى رهينة التوازنات الداخلية وغياب الرؤية الموحدة، ما يعمّق إشكالية القرار الوطني.
وعليه، يمكن القول إن الإشكالية المركزية لا تكمن فقط في طبيعة النظام التوافقي بحد ذاته، بل في كيفية تحويل هذا التوافق من آلية لإدارة التعددية إلى إطار منتج لقرار سيادي واضح وموحّد. فبدون رؤية استراتيجية مشتركة وإجماع داخلي حول القضايا الكبرى، يبقى النظام عرضة لإعادة إنتاج الانقسام بدل تجاوزه، وتظل القرارات المصيرية، بما فيها التفاوض والسلم والحرب، محكومة بتوازنات دقيقة أكثر من كونها تعبيرًا عن إرادة دولة مركزية متماسكة.
محمد احمد حمود-المنار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



