مقالات
مشروعية المقاومة والدفاع عن لبنان في مواجهة اسرائيل

لم يعد خافياً على أحد في لبنان أنّ إسرائيل لم تتوقف يوماً عن التحضير لعمليات أمنية واغتيالات تستهدف الداخل اللبناني، مستفيدة من واقع سياسي مرتبك ومن عجز رسمي واضح عن فرض قواعد الردع.
فمنذ صدور القرار الدولي 1701، لم تلتزم إسرائيل ببنوده، بل واصلت خروقاتها الجوية والبحرية والبرية بوتيرة غير مسبوقة، حتى تجاوز عدد هذه الخروقات عتبة 11 ألف خرق وفق تقارير رسمية ودولية. وهذا السلوك لم يكن مجرد انتهاكات تقنية، بل يعكس نهجاً ثابتاً لدولة تتصرف خارج إطار القانون الدولي، بوصفها قوة احتلال اعتادت تجاوز المواثيق والمعاهدات حين يتعارض ذلك مع مصالحها العسكرية والسياسية.
على مدى 15 شهراً انتظر اللبنانيون أن تقوم الدولة بدورها الطبيعي في حماية السيادة والدفاع عن المواطنين. وقد جرى عملياً تسليم قرار الحرب والسلم إلى الحكومة اللبنانية على أمل أن تتمكن من ردع الاعتداءات الإسرائيلية عبر القنوات الدبلوماسية أو الضغوط الدولية.
غير أنّ الوقائع أثبتت عكس ذلك تماماً. فبدلاً من فرض معادلة حماية للبنانيين، شهدت المرحلة سلسلة تنازلات سياسية وأمنية قُدِّمت تحت عنوان تجنب التصعيد وإبعاد شبح الحرب.
إلا أنّ هذه المقاربة لم تحقق هدفها. بل على العكس، بدا أنّ إسرائيل قرأت هذا السلوك باعتباره ضعفاً يفتح الباب لمزيد من الاعتداءات.
فتصاعدت عمليات القصف والاغتيال، وارتفع عدد الضحايا اللبنانيين ليصل إلى ما لا يقل عن 500 شهيد وشهيدة، معظمهم من المدنيين الأبرياء.
ومع كل جولة اعتداء جديدة، كان يتأكد أن الرهان على الضمانات الدولية أو الوعود الأميركية لم يكن سوى رهان خاسر في ميزان الصراع.
في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري يتصل بمفهوم مشروعية المقاومة.
ففي الفقه القانوني والسياسي، يُعدّ حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والدفاع عن نفسها حقاً أصيلاً تقره الشرائع الدولية قبل أن تكرسه التجارب التاريخية.
وعندما تعجز الدولة عن حماية أرضها ومواطنيها، أو تتراجع مؤسساتها العسكرية والأمنية عن أداء هذا الواجب، يصبح الدفاع عن المجتمع مسؤولية وطنية تتقدم فيها قوى المقاومة لسد الفراغ الذي يتركه غياب الدولة أو ضعفها.
من هذا المنطلق، فإن العمليات التي قامت بها المقاومة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها الواقعي.
فهي لم تأتِ في لحظة رغبة بالحرب، بل بعد فترة طويلة من الانتظار ومحاولات إعطاء الدولة المجال الكامل لإدارة المواجهة بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
لكن حين تحولت الاعتداءات إلى واقع يومي، وحين بدا أن الجيش والقوى الأمنية عاجزون أو ممنوعون من القيام بدور الردع، أصبح التحرك الدفاعي بالنسبة للمقاومة خياراً تفرضه مسؤولية حماية اللبنانيين وصون السيادة الوطنية.
وفي موازاة ذلك، لم تعد طبيعة النيات الإسرائيلية – الأميركية تجاه لبنان مسألة قابلة للتأويل أو الاجتهاد السياسي.
فالتصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، وما رافقها من تسريبات وتحليلات في الإعلام الغربي، كشفت بوضوح أن ما يجري لا يقتصر على عمليات عسكرية محدودة أو على صراع محصور في الجنوب، بل يتصل بمشروع أوسع يضع لبنان كله في دائرة الاستهداف.
الحديث المتكرر في الأوساط الإسرائيلية عن «تغيير الواقع في لبنان» أو «إنهاء التهديد من جذوره» لم يعد مجرد لغة ردعية، بل يعكس رؤية استراتيجية ترى في لبنان ساحة ينبغي إخضاعها بالكامل لمعادلات القوة الإسرائيلية، بل إن بعض الطروحات باتت تتحدث صراحة عن نيات تتجاوز الجنوب إلى فرض واقع احتلالي أو وصاية أمنية على كامل الأراضي اللبنانية.
هذا الواقع يفرض على اللبنانيين قراءة ما يجري خارج منطق التمنيات أو الرهانات على الضمانات الدولية.
فالتجربة التاريخية مع إسرائيل تُظهر أنها لا تتردد في توسيع أهدافها كلما رأت فرصة لذلك، وأنها لا تتقيد كثيراً بقرارات الأمم المتحدة أو بالاتفاقات الدولية عندما يتعارض ذلك مع مشروعها الأمني والسياسي.
من هنا يصبح السؤال المطروح اليوم ليس فقط كيف يمكن إدارة الصراع، بل كيف يمكن حماية لبنان من الانزلاق إلى واقع احتلال أو هيمنة مفروضة بالقوة.
وفي خضم هذا المشهد، برزت معطيات ميدانية وسياسية إضافية كشفت جانباً مهماً من طبيعة المواجهة الدائرة.
ففي الوقت الذي تحاول فيه الآلة الإعلامية والعسكرية لكيان العدو تسويق فكرة «الاستباقية والسيطرة» و«اليد الطولى» لقواته، جاءت تصريحات وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس لتعيد رسم المشهد وتكشف عن حقيقة مغايرة.
إذ أقرّ كاتس بأن حزب الله استبق عدواناً «استباقياً» كانت حكومته قد اتخذت قراراً بتنفيذه.
وهذا الاعتراف لم يكن مجرد تصريح عابر، بل إقرار بفشل استراتيجي أصاب «نظرية المباغتة» التي يبني عليها جيش الاحتلال خططه العسكرية.
وتكشف الوقائع الميدانية أنّ ما سمي بـ «عملية الصواريخ الستة» لم يكن مجرد رد تقني محدود، بل شكّل عملياً صافرة إنذار استراتيجية أربكت توقيت العدو وسحبت من يده عنصر المفاجأة.
فقد أدى هذا التحرك المدروس إلى إجهاض مخطط عدواني واسع كان يهدف إلى تنفيذ عمليات اغتيال وضربات كبيرة تطال القيادة والمجتمع المقاوم في لحظة غفلة مفترضة.
وبحسب مراقبين، فإن المقاومة التي كانت ترصد بدقة تحركات العدو تمكنت من قراءة «لغة الميدان» قبل أن تتحول إلى أوامر عملياتية.
فقد رُصد استدعاء واسع لقوات الاحتياط وتوزيع الفرق القتالية على أربعة محاور أساسية تمتد من كفركلا حتى البحر. وقد فُسر هذا الانتشار كتمهيد لعدوان وشيك، ما دفع المقاومة إلى تنفيذ ضربتها التي فرضت إيقاعاً مغايراً لم يتوقعه قادة هيئة الأركان في تل أبيب.
وتشير المعلومات إلى أن جيش الاحتلال حشد قواته وفق توزيع عسكري واسع شمل:
* الفرقة 162 في المحور الممتد من كفركلا حتى الخيام.
* الفرقة 210 في القطاع الممتد من الماري حتى حدود مزارع شبعا.
* الفرقة 91 في المنطقة الممتدة من عديسة حتى رامية.
* الفرقة 146 في القطاع الغربي من رامية وصولاً إلى شاطئ البحر.
هذا الحشد الكبير، الذي تزامن مع انشغال العدو بجبهات أخرى، وخصوصاً جبهة إيران، قرأته المقاومة كفرصة لكسر «الوضعية القائمة» ومحاولة إعادة تثبيت معادلة الردع التي حاولت الدبلوماسية الدولية—الفاشلة أو المتواطئة—تمييعها على مدى خمسة عشر شهراً من الاعتداءات المتواصلة.
ومع فشل الخطط العسكرية في تحقيق أهدافها، انتقل العدو إلى استراتيجية مختلفة تقوم على الإرهاب النفسي عبر ما يسمى «الإنذارات التهجيرية» الواسعة.
هذا السلوك، الذي يرى كثير من الخبراء القانونيين أنه يندرج ضمن الجرائم الموصوفة ضد الإنسانية، يهدف إلى الضغط على البيئة الاجتماعية للمقاومة عبر استهداف المدنيين وتهديدهم بالنزوح الجماعي.
إلا أنّ هذا التصعيد يعكس في جوهره عجز الخيارات العسكرية. فبعد أشهر من القصف والاغتيالات، بدا أن «بنك الأهداف» العسكرية بدأ ينضب، فيما فشل العدو في تعطيل منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة التي واصلت إدارة الاشتباك وبرمجة الصليات الصاروخية بقدرة تنظيمية واضحة.
أما على الأرض، فقد كانت المفاجأة الكبرى لجنود النخبة في جيش الاحتلال عند ما يُعرف بـ «النقطة صفر».
ففي الوقت الذي اعتقد فيه قادة العدو أن عمليات التوغل والتفجير والاغتيالات قد مسحت الأرض من أي وجود للمقاومين، تفاجأوا بوجودهم في الخطوط الأمامية.
وقد وثقت التقارير الميدانية استخدام الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، إضافة إلى شبكة من العبوات الناسفة التي زرعت بدقة على مسارات التسلل، ما أدى إلى تدمير عدد من الآليات العسكرية وإرباك تقدم القوات المهاجمة.
هذه الوقائع تشير إلى أن المقاومة لا تدير مجرد معركة دفاعية تقليدية، بل تدير منظومة سيطرة ميدانية تعتمد على الرصد والاستخبار والمرونة التكتيكية، بما يسمح لها باستنزاف العدو في النقاط التي يعتقد أنها الأكثر أمناً.
إن المسألة في جوهرها ليست جدلاً نظرياً حول السلاح بقدر ما هي سؤال عن من يحمي لبنان عندما تتخلى القوى الدولية عن التزاماتها، وعندما لا تنجح الدولة في فرض قواعد السيادة.
فالتاريخ اللبناني، كما تجارب شعوب كثيرة، يبيّن أن الاحتلال لا يرتدع بالبيانات ولا بالرهانات الدبلوماسية وحدها، بل بمعادلة توازن تفرض كلفة على المعتدي وتمنعه من الاستمرار في عدوانه.
ومن هنا، فإن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق الدفاع عن مجتمع تعرّض للتنكيل والاستهداف.
فالمقاومة، في هذه اللحظة، لم تقدّم نفسها بديلاً عن الدولة بقدر ما تصرفت باعتبارها قوة دفاعية تحاول حماية بلد تُنتهك سيادته يومياً.
وبين دولة عاجزة واحتلال متمادٍ، يتعاظم الشعور بأن الدفاع عن لبنان لا يمكن أن يبقى مسؤولية طرف واحد أو منطقة واحدة، بل يصبح واجباً وطنياً عاماً.
فحين يصبح الوطن مهدداً في أرضه وسيادته، تتحول مسألة الدفاع عنه إلى قضية تتعلق بكل اللبنانيين، لا بفئة دون أخرى.
وفي ظل هذا الصراع القائم وفضح النيات الإسرائيلية – الأميركية تجاه لبنان، بات واضحاً أن مسؤولية حماية البلد لا يمكن أن تبقى رهينة الانتظار أو التعويل على الخارج.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تتبلور حقيقة لطالما أكّدتها تجارب الشعوب: إن الأوطان لا تُحمى بالشعارات ولا بالرهانات الدولية وحدها، بل بإرادة أبنائها.
ولذلك بات من الواجب على كل لبناني شريف أن يدافع عن هذا البلد بكل الوسائل المتاحة، دفاعاً عن أرضه وسيادته وكرامة شعبه.
اكرم بزي-العهد
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



