مقالات
حدود نقد “الكيان” في الإعلام الأميركي.. كيف أُقصي كاتب مخضرم بسبب مواقفه؟

مجلة “Responsible Statecraft” الأميركية تنشر مقالاً يتناول قضية “العقاب المهني” غير المعلن الذي يعتقد الكاتب أنه تعرّض له من قبل وسائل إعلام يمينية مؤيّدة لـ “إسرائيل” بسبب كتاباته النقدية لـ “إسرائيل” في منصات أخرى.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
بصفتي كاتباً مستقلاً، أدرك تماماً ضرورة إنتاج نصوص تلبّي توقّعات المحرّرين والإدارة.
وعندما أكتب مقالات رأي، أعلم جيداً أنّ حججي يجب أن تتوافق إلى حدٍّ كبير مع التوجّه العام للمنشور.
لكنني لطالما اعتقدت أنّه إذا اختلفت آرائي حول أيّ موضوع معيّن عن وجهة نظر الجهة التي أكتب لها، فمن المقبول التعبير عن تلك الآراء في منشورات أخرى.
لكنني اكتشفت مؤخراً أنّ هذه القاعدة العامّة لا تنطبق على انتقاد “إسرائيل”.
في الواقع، يبدو أنّ الصحف والمواقع التي كنت أتعاون معها حتى وقت قريب قد أوقفت نشر مقالاتي بسبب مقالات كتبتها في وسائل إعلام أخرى انتقدتُ فيها الحكومة الإسرائيلية وجماعات الضغط المؤيّدة لـ “إسرائيل” في الولايات المتحدة.
خلال السنوات الأخيرة، كتبتُ أكثر من 100 مقالة لمواقع يمينية بارزة، من بينها صحيفة “وول ستريت جورنال”، ومجلّة “سيتي جورنال” التابعة لمعهد “مانهاتن”، وصحيفة “ديلي تلغراف”. وقد تناولتُ في كتاباتي قضايا متنوّعة، منها الشركات التي تتبنّى توجّهات يمينية متطرّفة، والهجرة غير الشرعية، والتضخّم، والسياسة الخارجية، ووزارة الخارجية الأميركية، والرقابة، والسياسة في فلوريدا، وغيرها الكثير. ولم أقدّم قطّ أيّ مقال عن “إسرائيل” إلى الصحف المذكورة آنفاً، لأنني أعلم أنّ محرّريها وقياداتها من أشدّ المؤيّدين للمساعدات الأميركية غير المحدودة لـ “إسرائيل”، ولرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وللاعتداء الوحشي على غزة، فضلاً عن مساعي الرئيس ترامب لترحيل المنتقدين الأجانب لـ “إسرائيل” وإدارته، وغيرها من القضايا ذات الصلة.
لم أرَ قطّ مقال رأي في صحف “ذا جورنال” أو “سيتي جورنال” أو “ذا تيليغراف” يُعرب عن تعاطف مع الضحايا الفلسطينيين للاعتداءات العسكرية الإسرائيلية، بل على العكس تماماً. فعلى سبيل المثال، قال إيليا شابيرو، المحرّر المساهم ومدير الدراسات الدستورية في معهد “مانهاتن”، في تغريدة حُذفت لاحقاً: “التطهير العرقي وصفٌ مُخفَّف جداً لغزة”. وهذا التعليق ليس استثناءً؛ فالرأي السائد في هذه الصحف هو تبرير سلوك الحكومة الإسرائيلية والدفاع عنه، بغضّ النظر عن الظروف.
لذا، عندما أردتُ التعبير عن استيائي الشديد من العدد الهائل للضحايا المدنيين في غزة، حيث قتل “الجيش” الإسرائيلي ما لا يقلّ عن 70 ألف فلسطيني، وفقاً للأمم المتحدة، من بينهم أكثر من 18 ألف طفل، والتنديد بجهود إدارة ترامب لترحيل الأشخاص الذين ينتقدون “إسرائيل”، لم يخطر ببالي مطلقاً أن أتواصل مع محرّري تلك المطبوعات الثلاث.
بين تشرين الثاني/نوفمبر 2023 وأيار/مايو 2024، نشرتُ عدّة مقالات، بعضها في مجلة “ذا سبيكتاتور” وبعضها على مدونتي الشخصية “آراء غير شائعة” على منصة “سبستاك”، انتقدتُ فيها “إسرائيل” والسياسة الأميركية تجاهها. وأعتقد أنّ انتقاداتي كانت معتدلة، فعلى سبيل المثال، لم أصف يوماً أفعال “إسرائيل” بأنها إبادة جماعية. ونظراً لانتهاكات “إسرائيل” الصارخة لحقوق الإنسان، كانت تعليقاتي ضمن حدود شعور معظم الأميركيين تجاه المجزرة في غزة. ففي مقال نشرته في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، أشرتُ إلى ما يلي:
“لقد شعرتُ بالرعب من هجمات حماس في 7 أكتوبر. وشعرتُ بالاشمئزاز لرؤية بعض من يُنصّبون أنفسهم مناصرين للفلسطينيين يحتفلون أو يُبرّرون هذا الهجوم الوحشي. لقد كان عملاً إرهابياً مروّعاً، ولا يوجد أيّ مبرّر له”.
لكنني أضفتُ أنني شعرتُ بخيبة أمل من “عدد كبير من السياسيين ووسائل الإعلام المحافظة الذين يرفضون التعبير عن أيّ قلق بشأن آلاف الفلسطينيين الأبرياء الذين قُتلوا، أو أكثر من مليون شخص أصبحوا بلا مأوى.”
وفي مقالات لاحقة، انتقدتُ الحزب الجمهوري لهوسه بـ “إسرائيل”، وناقشتُ نفاق الكثيرين من اليمين في خلطهم بين انتقاد “إسرائيل” ومعاداة السامية بهدف إسكات منتقدي “الدولة” اليهودية.
لم يُعلّق أيّ من محرّري في “وول ستريت جورنال” أو “ديلي تلغراف” أو “سيتي جورنال” على ما كتبته في تلك المقالات. لكن علاقتي بهذه المنافذ الإعلامية الثلاثة تدهورت سريعاً وبشكل كبير بعد أن بدأتُ بتناول هذا الموضوع. فقبل أن تُقطع علاقتي مع صحيفة “وول ستريت جورنال”، كنتُ قد نشرتُ لهم 34 مقال رأي منذ عام 2017. وكانت علاقتي مع محرّر الرأي، جيمس تارانتو، جيدة إلى درجة أنّه عندما زار مدينة تامبا، حيث أعيش، في عام 2022، اصطحبني هو وزوجته لتناول العشاء.
كنتُ أعرف موقف تارانتو من “إسرائيل”؛ فقد سبق له أن وصف راشيل كوري، المواطنة الأميركية التي قُتلت بجرّافة إسرائيلية أثناء احتجاجها على سياسة الاستيطان الإسرائيلية، بأنها “حمقاء… داعية للإرهاب”. قبل أن أبدأ الكتابة النقدية عن “إسرائيل”، كانت نسبة نجاحي في اقتراح المقالات عليه تتراوح بين 30 و40%. أمّا بعد ذلك، فقد رفض 12 اقتراحاً متتالياً، جميعها لمواضيع لا علاقة لها بالشرق الأوسط. سابقاً، كان يرسل لي ردّاً مقتضباً عند رفض أي فكرة: “لن أستطيع استخدام هذا، ولكن شكراً لإتاحة الفرصة للاطلاع عليه”. أمّا الآن، فلم تعد اقتراحاتي تستحق حتى رفضاً رسمياً. انتقلتُ من كاتب منتظم تربطني به علاقة ودّية تسمح بالتواصل الاجتماعي خارج ساعات العمل، إلى شخص يتمّ تجاهله تماماً.
أمّا طردي غير المعلن من مجلة “سيتي جورنال”، حيث كتبتُ 62 مقالاً بين عامي 2020 و2024، فقد استغرق وقتاً أطول. كان رئيس التحرير هناك، بول بيستون، أكثر لطفاً، لكن النتيجة كانت واحدة. فبدلاً من تجاهلي، كان بيستون يردّ على مقترحاتي باعتذار بعد أسابيع أو حتى أشهر، حين يكون الوقت قد فات للنشر.
كما توقّف عن طلب كتابة مقالات للموقع الإلكتروني. وفي الفترة نفسها تقريباً، قام معهد مانهاتن، الذي يصدر مجلة “سيتي جورنال”، بفصل الخبير الاقتصادي المحافظ البارز غلين لوري بسبب انتقاده الشديد لـ “إسرائيل”، ما قد يشير إلى حملة تطهير جارية ضدّ منتقديها. كما تمّ فصل زميل آخر في المعهد، وهو كريستوفر برونيه، العام الماضي أيضاً، بسبب انتقاده لـ “إسرائيل”.
أما تجربتي مع صحيفة “ديلي تلغراف” المؤيّدة بشدة لـ “إسرائيل”، والتي ساهمتُ فيها بـ 30 مقالاً بين عامي 2023 و2024، فكانت مشابهة لتجربتي مع “سيتي جورنال”. كان رئيس التحرير هناك، لويس بيج، ودوداً، لكنه هو أيضاً بدأ يتجاهل رسائلي الإلكترونية، وتوقّف عن طلب الكتابة لصحيفته. وفي إحدى المرات، طلب مني كتابة مقال، لكنه لم ينشره مطلقاً.
هل من قبيل المصادفة أنّ هذه المطبوعات الثلاث البارزة المؤيّدة لـ “إسرائيل” توقّفت جميعها عن نشر مقالاتي في العام الماضي عندما بدأتُ بانتقاد “إسرائيل” في وسائل إعلام أخرى؟ هذا وارد، لكنه مستبعد للغاية في ظلّ سياسة عدم التسامح مطلقاً مع أيّ معارضة لـ “إسرائيل” التي باتت سائدة في معظم وسائل الإعلام المحافظة.
سألت مجلة رولينغ ستون تارانتو عمّا إذا كانت وول ستريت جورنال قد توقّفت عن نشر مقالاتي بسبب آرائي حول “إسرائيل”. وردّ بول جيجوت، رئيس تحرير صفحة الرأي في الصحيفة، والذي لم أعمل معه، قائلاً إنّ تارانتو أحال إليه سؤالنا، وأضاف: “لا أتذكّر أنني قرأت مقالاً للسيد سيمينارا عن إسرائيل أو غزة، لذا لا أعرف شيئاً عن آرائه في هذين الموضوعين”.
وقال لويس بيج من صحيفة “التلغراف” إنّ روايتي لهذه القصة “غير صحيحة”، وإنه لا هو ولا أي شخص آخر في الصحيفة كان على علم بانتقادي لـ “إسرائيل”. وأضاف أنّ الصحيفة لم “تتوقّف عمداً” عن نشر مقالاتي.
كما قال متحدّث باسم “سيتي جورنال”، لا أعرفه ولم أتعامل معه قط، إنهم غير مطلعين على موقفي من “إسرائيل”. بالطبع، لا أتوقّع من أيّ من هذه المنشورات أن تقول: “لقد توقّفنا عن تكليفك بالكتابة لأننا لا نتفق مع موقفك من إسرائيل”.
خلاصة القول، إنّ آرائي حول “إسرائيل” وسياسة الولايات المتحدة تجاهها تتوافق مع آراء غالبية الأميركيين، بل وحتى غالبية اليهود الأميركيين. فبحسب استطلاع رأي أجرته “واشنطن بوست” في تشرين الأول/أكتوبر، يعتقد 69% من اليهود الأميركيين أنّ “إسرائيل” ارتكبت جرائم حرب في غزة، ويعتقد 39% منهم أنها مذنبة بارتكاب إبادة جماعية. وكشف استطلاع آخر أجراه مركز “بيو” للأبحاث في الفترة نفسها أنّ 59% من الأميركيين لديهم رأي سلبي تجاه الحكومة الإسرائيلية. وفي استطلاع أجرته “نيويورك تايمز” بالتعاون مع جامعة “سيينا” في أيلول/سبتمبر، قال 35% من الأميركيين إنهم يتعاطفون مع “إسرائيل”، بينما قال 36% إنهم يتعاطفون مع الفلسطينيين.
لست نادماً على انتقادي لـ “إسرائيل”، رغم ما كلّفني ذلك مهنياً. بل إنني أعتقد أنني كنتُ حذراً ودبلوماسياً أكثر من اللازم في طرحي. لكنني أرى أنّ موقف وسائل الإعلام المحافظة مؤسف للغاية، إذ إنّ هذه المنافذ الإخبارية التي يثق بها كثير من الجمهوريين لا تتسامح مع أيّ معارضة في قضية مصيرية تقوّض المصالح الوطنية الأميركية وتضرّ بمصداقيتنا في العالم.
خلال أيام الثورة الثقافية الجامحة في عام 2020، حين كانت التماثيل تُهدم ويُعلن التقدّميون انتصاراتهم أسبوعياً، كنت أظنّ أنّ اليسار وحده هو من يتبنّى “ثقافة الإلغاء” ويسكت خصومه بالترهيب. أمّا الآن، فقد أدركت الحقيقة.
نقلته إلى العربية: بتول دياب-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



