مقالات

الحاج رضوان قائد فذ قابل للتكرار

يصعب حصر تاريخ القائد الشهيد عماد مغنية في محطات أمنية أو عسكرية محددة. لذا اختصره سيد المقاومة الشهيد حسن نصر الله بقائد الانتصاريْن، ولكن عند التدقيق في عمق تدينه ونشأته الكفاحية منذ صباه، وشعوره بالمسؤولية الوطنية في مواجهة الكيان الإسرائيلي ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، في وسط سبعينيات القرن الماضي، ما يجعله أكثر من مجرد قائد أمني أو عسكري، لما هو الشخصية الملهمة بكل خصائص الاستثناء البشري.

 ويأتي التحاق الحاج رضوان بالمقاومة الفلسطينية منذ صباه، في ظل غياب المقاومة الإسلامية أو أي إطار لبناني يتحمل مسؤولية الواجب الوطني ضد العدوان الإسرائيلي، ليرتقي في سلمها القيادي وهو دون العشرين من عمره، في سياق شخصيته الجهادية العابرة للأبعاد الفكرية والمذهبية والوطنية، حتى أخذ مساراً مختلفاً في ظل رعاية سماحة السيد محمد حسين فضل الله في نهاية السبعينيات، وعقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

يشير تميز الحج رضوان منذ صباه حتى ارتقائه عام 2008 إلى تاريخ شخصي استعصى وما زال عن سبر عمق غوره، وكان المطلوب الأبرز والأخطر في القوائم الأميركية الإسرائيلية، بعدما ارتبط دوره كشبح غامض في ضربات حزب الله الكبرى منذ تدمير مقر الحاكمية العسكرية الإسرائيلية في صور عام 1982، حتى تفجيرات المارينز الأميركيين والمظليين الفرنسيين في بيروت عام 1983، وما تبع ذلك من حرب أمنية، ثم عمليات فدائية، على امتداد الجنوب اللبناني حتى الأرجنتين.

يعكس هذا التميز الاستثنائي لهذا القائد الفذ حجم الخسارة التي لحقت بالمقاومة بعد النجاح الأميركي في اغتياله في دمشق، وهو ما جعل سماحة السيد حسن نصر الله يفخر بنجاح الحاج رضوان في أن يترك خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين المجهزين الحاضرين للشهادة.

وبعد مرور ثمانية عشر عاماً على غياب القائد عماد مغنية، يأتي سؤال القائد الفذ ومدى قدرة المقاومة على تكرار نموذج كهذا، وقد نجح بالفعل في توريث تجربته للآلاف من المقاتلين الذين اندفعوا نحو الخطوط الأمامية في معركة إسناد غزة طوال أربعة عشر شهراً، ومنعوا قوات النخبة في الجيش الإسرائيلي من القدرة على التقدم في قرى الحافة اللبنانية طوال أشهر من القتال البري الضاري، مع إيقاع خسائر بشرية جسيمة في صفوف جيش الاحتلال.

وقد تعزز سؤال القائد الفذ، وهل كان مجرد ظاهرة عابرة في عالم حزب الله، بعد النجاحات الإسرائيلية الأمنية الأخيرة في ضرب بنية المقاومة واغتيال قادة الرضوان وتفجيرات البيجر وصولاً إلى اغتيال سماحة السيد، واضطرار المقاومة إلى وقف النار مع استمرار الجيش الإسرائيلي في اعتداءاته اليومية في جنوب لبنان، وقرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاح المقاومة.

يتداخل بروز الشخصيات القيادية بالعادة، مع طبيعة الظروف الميدانية، ومدى تطور قدرة العدو في سباق محموم على مراكمة النجاحات وتحقيق أهداف الحرب، ومواصلة الكيان الإسرائيلي استراتيجية الاغتيالات ضد قادة المقاومة الفلسطينية واللبنانية وصولاً إلى استهداف قيادات بارزة للمحور في إيران واليمن والعراق وسوريا وحتى قصف فريق التفاوض الفلسطيني في قطر، والهدف الثابت في ذلك كله تفريغ المقاومة من قادتها وإفراغها من خبراتهم التاريخية.

وعند النظر في مدى نجاح الكيان الإسرائيلي، ومن خلفه الأميركي، في تحقيق أهداف استراتيجية عبر الاغتيالات الوازنة لشخصيات مميزة في خبراتها وقدراتها مثل عماد مغنية أو محمد ضيف أو محمود طوالبة، نجد أنه كان لهذه الاغتيالات بالفعل تأثير في البنية التنظيمية على المدى القريب والبعيد حتى، لكن تمتع قوى المقاومة ومنها حزب الله بخصائص ثابتة يجعلها قادرة على احتواء هذا التأثير السلبي.

ففي حالة الحاج رضوان، نجح حزب الله في تعويض خسارته عن طريق خلق جيل من القادة الذين استشهد أغلبهم في عمليات إسناد غزة وحرب البأس الشديد، لكن سرعة النجاحات الإسرائيلية الأمنية في هذه الاغتيالات غطت على هذا التعويض، ما يستدعي ضرورة تكرار شخصيات فذة بعينها تتجاوز النمط التنظيمي لما هو الكاريزما الخاصة بعيداً عن المقارنات الشخصية هنا وهناك من حيث قدرة بعض القيادات على قراءة التطورات قراءة سريعة، والمسارعة لمواكبتها أو تجاوزها في الميدان عبر حلول إبداعية لا تخضع للضوابط التراتبية، وهي حلول تدهش العدو وتربك مخططاته وتجعله متأخراً لخطوات عند كل منعطف حادّ.

يملك حزب الله القدرة على تكرار القيادات الفذة، بما فيها شخصية بوزن عماد مغنية، وتجاوز ما يمكن اعتباره ظاهرة عابرة للزمن، وربما هو قطع أشواطاً بعيدة بهذا الخصوص، نظراً إلى المرحلة الراهنة الحرجة، للأسباب التالية:

أولاً: العمق الفكري المتصل بالتأصيل العقائدي، وهو عمق يوفر نماذج واسعة من القدرات الصلبة الواعية، المهيأة للتدريب القيادي الفذ.

ثانياً: الحاضنة الشعبية المكتنزة بالخبرات، وهي الحاضنة ذاتها التي ترعرع فيها الشهيد مغنية، والتي كانت وما زالت تحفل بشتى كنوز المعرفة، في واقع تعززت فيه الدافعية والتحفز للكفاح أكثر من ذي قبل.

ثالثاً: البنية التنظيمية الصلبة، وقدرتها على مواكبة الحرب لفترة زمنية بعيدة، على الرغم من الضربات الأمنية الهائلة، بسبب ما سبق من تراجع أجواء السرية في العقيدة التنظيمية غداة المشاركة في أحداث سوريا. ويفترض أن تكون هذه البنية قد اصلبت أكثر من ذي قبل على أرضية التعافي والاعتراف بالخلل، ما يجعلها مرشحة أكثر لخلق نماذج قيادية مميزة في فترات زمنية أقصر من قبل.

رابعاً: تعاظم التحديات مع تضافر المحن في واقع مسنود نسبياً مقارنة بالواقع الفلسطيني مثلاً، حيث الاحتلال يطبق على الأنفاس كلياً، ويساعد عظم التحدي مع توفر فضاء المواجهة على القدرة في بروز قيادات تأخذ وقتها في تطوير ذاتها الكفاحية وتعزيز خبراتها الأمنية.

خامساً: توفر الدعم اللوجستي والمالي النسبي، وهو دعم يوفر بيئة حاضنة للتجارب الشخصية الفذة، ما يسرّع عملية الارتقاء على أرضية واقع مؤسسات خصبة قابلة للحياة في ظل المواجهة.

لا تغني عمليات التنشئة والتدريب الجماعية عن حيوية القيادات الفذة، وهي قيادات قابلة للتكرار، سواء كان ذلك في شخص القائد الحاج رضوان أو الفريق الشهيد قاسم سليماني أو حتى سماحة السيد حسن نصر الله. ولعل بيئة المقاومة الحاضنة كان لها الدور الأهم في تميز هذه القيادات.

يكفي الإشارة إلى أن رحيل الشهيد عباس الموسوي، كما الشهيد فتحي الشقاقي والشهيد أحمد ياسين، ساعد في ظل حيوية بيئة المقاومة على بروز شخصيات فذة وملهمة، ما يفتح الباب واسعاً للتعامل الإيجابي مع النماذج الإبداعية الخلاقة، وهي ربما تغرد خارج السرب أحياناً، ولكنها ترفده بعمق الرسالة ودقة التهديف.

محمد جرادات-الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى