مقالات

سَبعُ لقاءاتٍ سِمان…!

مع اختتام زيارته الحالية لواشنطن ينهي نتنياهو لقاءه السابع، السادس على الأراضي الأميركية، مع الرئيس الأميركي ترامب منذ تولّي الأخير رئاسة البيت الأبيض قبل عام من الآن.

اللقاء الأخير، كما أشار بعض الإعلام العبري كان “الأكثر استثنائية” بين الرجلين، فرغم خفض مستوى الظهور الإعلامي ومحاولة خلق انطباع بالتباين في مواقف الطرفين خارجياً، كانت الأجواء داخل الغُرف المغلقة، على النقيض تماماً، حيث وُصِفَ اللقاء، ومرةً أخرى وفق الإعلام العبري، باعتباره اجتماعاً آخر “لمجلس الحرب”.

من وجهة نظر الإسرائيليين، فإنّ تغييب التغطية الإعلامية يشير إلى أنّ ترامب ونتنياهو لا يرغبان في الكشف علناً عن أيّ اختلافات في الرأي، إن وجدت، وربما تعمّدا تقليص التغطية الإعلامية للزيارة إلى الحدّ الأقصى، حتى لا يتشكّل انطباع خاطئ بأنّ “إسرائيل” هي من توجّه خطوات الولايات المتحدة بالنسبة لقرارات أميركية مُحتملة. وبالمثل، يبدو البيت الأبيض بحاجة إلى استراتيجية حذرة لا خطوات متسرّعة، خاصة وأنّ ترامب كذلك يفحص خطواته وينتقي مفرداته بحذر.

اللافت، أنّ الإسرائيليين باتوا مقتنعين، على ضوء اللقاء، أنّ هجوماً أميركياً ضدّ إيران ليس مسألة “هل” بل “متى”، وأنّ أمام إيران خيارين لا ثالث لهما؛ إما القبول بالشروط الإسرائيلية ـــــ الأميركية الثلاثة (النووي، البالستي والوكلاء) أو الحرب.

فالاتفاق بين الطرفين، وفق تقدير الإسرائيليين كذلك، يبدو مستحيلاً تماماً، والإيرانيون متحمّسون للمواجهة، والأهمّ، أنهم غير مُستعدّين لتقديم أيّ تنازل يذكر في القضايا التي يطالب نتنياهو بفرضها على الاتفاق.

وفي المقابل، يبدو أنّ اتفاقاً لا يحدّ من الصواريخ أو التدخّل الإيراني في الإقليم، لن يكون مقبولاً على “إسرائيل”، لأنه سيُفقدها حرية التصرّف عسكرياً ضدّ إيران مستقبلاً، حتى لو بلغ “التهديد” الإيراني مستوياتٍ ملموسة ضدّ “إسرائيل”.

والتقدير هو أنّ “إسرائيل” لن تجرؤ على انتهاك الهدوء و”السلام الإقليمي” الذي قد يُعلنه ترامب، في حال توقيعه اتفاقاً مع طهران. ويمكن افتراض أنّ هذا سيظلّ صحيحاً حتى في حال وجود قيادات مُختلفة في “تل أبيب” وواشنطن مستقبلاً؛ فبعد توقيع الولايات المتحدة اتفاقاً مع إيران، لن تتمكّن “إسرائيل” من القيام بالكثير.

ومع أنّ نتنياهو لم يُخفِ تشكّكه العامّ حيال إمكانية التوصّل إلى أيّ اتفاق مع إيران، لكنه، كما العادة، يراهن على أنّ العلاقة الوثيقة التي تربط ترامب بـ “إسرائيل”، وبه شخصياً، ستفرض أن يشمل أيّ اتفاق مع إيران “العناصر المهمّة لـ “دولة إسرائيل”؛ ليس فقط المسألة النووية، بل الصواريخ الباليستية ووكلاء إيران في المنطقة.

فقد أشاد نتنياهو بترامب بوصفه “صديقاً عظيماً لدولة إسرائيل، رئيساً فريداً من نوعه”، وهو ما تقاطع كذلك، مع ما أكّده ترامب شخصياً في ختام اجتماعه بنتنياهو، فقد كتب على حسابه الرسمي على موقع “تروث”: “انتهيتُ للتوّ من لقائي برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وفريقه، كان اجتماعاً مثمراً للغاية، والعلاقة الممتازة بين بلدينا مستمرة”.

وبالعودة إلى لقاءات الرجُلين المتكرّرة، وكما أسلفنا، فهذا هو الاجتماع السابع بينهما منذ عودة الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض: خمسة منها عُقدت في واشنطن، وواحد في مقرّ إقامته الرسمي، وآخر في “إسرائيل”، حين ألقى ترامب خطاباً في كنيست الاحتلال بمناسبة دخول وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين.

وكما في كلّ مرة، خرج نتنياهو هذه المرة ليتحدّث عن أنّ هذه اللقاءات المتكرّرة في فترة قصيرة من ولاية ترامب، تعكس عمق العلاقة “الوثيقة والمميّزة” التي تربطه شخصياً بالرئيس ترامب، وعلاقة “دولة إسرائيل” بالولايات المتحدة بشكل عامّ، وهي علاقة “لم يكن لها مثيل في تاريخ إسرائيل”.

ومع إدراك نتنياهو أنّ هذه العلاقة هي “أصل ثمين” لا يمكن للولايات المتحدة، أو أيّ من رؤسائها، أن يُفرّط فيه، يعكس المشهد السياسي الحالي، كما جولات اللقاءات السابقة، قراءة إسرائيلية عامّة تعتبر أنّ العلاقة مع واشنطن ليست خالية من التباينات لكنها في الوقت ذاته ليست غارقة في الخلاف، بل تقع في منطقة وسطى تميل إلى تقليص الفجوات بين الطرفين عبر اللقاءات المباشرة على مستوى الرؤساء، مع تموضع ملفَي إيران وغزة في صدارة النقاش المستمر بين الطرفين.

ومع تباين الرؤى حول ملفات المنطقة؛ منها صيغة إنهاء الحرب على القطاع وترتيبات اليوم التالي، وتهديد حزب الله، والقلق الإسرائيلي تجاه سوريا، والتهديد الإيراني؛ هناك إدراك مشترك لحساسية الموازنة بين الحاجات الأمنية الإسرائيلية والاعتبارات السياسية والاقتصادية الأميركية.

والخلاصة أنّ العلاقة الأميركية ـــــ الإسرائيلية محكومة بتقاطعات استراتيجية ثابتة، لكنها لا تخلو من اختلافات تكتيكية، وتُعدّ اللقاءات المباشرة آلية أساسية لإعادة ضبط الأولويات وتقليص فجوات التقدير، فيما تبقى إيران وغزة على المدى المنظور محور اختبار حقيقي لحدود التفاهم بين الجانبين في المرحلة المقبلة.

إنّ “إنجازات إسرائيل”، بدعم شبه مُطلق من الإدارة الأميركية، خلال العامين الماضيين، أدّت بالفعل إلى تغيير في ميزان القوى الإقليمي، لكنّها بالنسبة لـ “إسرائيل” ما زالت غير كافية لتكريس هذا الميزان على المدى الطويل، خاصة وأنه لم يطرأ أيّ تغيير في نظرة أعدائها إليها، لذا فإنّ عليها، أي “إسرائيل”، “الحفاظ على الوضع القائم، والتعافي، وتعزيز قُدراتها، والاستعداد بشكل أفضل للمرة المقبلة”.

فما يمكن استخلاصه بشأن الرغبات الإسرائيلية في ملفات المنطقة المختلفة، أنّ حروب “إسرائيل”، بدعم من الإدارة الأميركية، أوصلت الشرق الأوسط إلى نقطة يمكن عندها إحداث تغيير جيو سياسي وأمني جوهري وأساسي لمصلحة “إسرائيل”، لكنّ هذا “النجاح” لن يكون ممكناً إلا إذا تحقّق نزع سلاح حقيقيّ، لا شكليّ، في إيران كما في لبنان والقطاع، فلا أحد من أعداء “إسرائيل” سيتطوّع للقيام بذلك من تلقاء نفسه، وسيتعيّن على “إسرائيل” فرض ذلك بالقوة، والتحدّي الذي يواجه نتنياهو اليوم هو إقناع ترامب باستمرار دعم هذا المسار.

ورغم وجود أصوات إسرائيلية، يتلقّفها بعض العرب أيضاً، تقول بأنّ هنالك خلافات بيّنة بين الطرفين، وأنّ سياسات نتنياهو عموماً تضرّ بالعلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، تُظهر المعطيات عقب كلّ لقاء يجمع نتنياهو بترامب أنّ الواقع يأتي عكس “التمنّيات”، وأنّ أثر هذه “التبيانات” حتى في حالات التعارض مع الموقف الأميركي، بقي في أضيق الحدود، بل استطاع نتنياهو أن يوظّف هذا التباين الشكلي لمصلحته الشخصية بحيث يبدو “الزعيم الإسرائيلي الوحيد” القادر على مواجهة الضغوطات حتى وهي تأتي من الحليف الاستراتيجي الأكبر والأهمّ.

كما استطاع نتنياهو في الوقت ذاته، أن يوائم بين “حاجات إسرائيل ومتطلّباتها الأمنية”، وصون العلاقة مع الولايات المتحدة، حتى وهي تمرّ في أخطر مراحلها، وبأقلّ ضرر ممكن، وربما كان هذا هو التحدّي الأكبر لنتنياهو خلال ولايته الحالية.

وبالمجمل وطالما أنّ الدعم الأميركي المطلق بلا قيود أو شروط لـ “إسرائيل” لم ينقطع فلا يمكن اعتبار أنّ هذه العلاقة قد تضرّرت أو أنها في طريقها إلى الأسوأ. والخلاصة، فإنّ الرهان على “سبعٍ عجاف” ممكنة أو مقبلة بعد “السبع السِمان” في سياق العلاقة الأميركية – الإسرائيلية سيبقى “أضغاث أحلام” عربية لا حاصل لها ولا لها تأويل.

محمد هلسة – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى