مقالات
المقاومة التي نخذلها…

وسط صمت مريب تمر أحداث كبرى تتعلق بقضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها قضية فلسطين. هذا الصمت لا يرنو كعادته على الأنظمة العربية التي سلمت أمرها لقيادة ترامب – نتينياهو منذ زمن بعيد، بل يمتد إلى القوى السياسية بمختلف توجهاتها، التي يشق دوي صمتها ستار كل الثوابت التي قالت إنها تتمسك بها.
ولم يبقَ صوت يُسمع إلا صوت من يدينون المقاومة ويكيلون لها الاتهامات بالإرهاب حيناً، وبالمغامرة بالدم الفلسطيني أحياناً.
لقد وصلت الصفاقة بالبعض درجة اتهام من قادوا المقاومة بأنهم بمغامراتهم دفعوا “إسرائيل” والولايات المتحدة إلى اغتيالهم كما حدث لسيد شهداء الأمة، ولإخوته القادة من حزب الله وحماس، أو الانقلاب عليهم وإبعادهم، كما حدث لرئيس سوريا الشرعي بشار الأسد.
وأن ما حدث لهؤلاء أضعف موقف الأمة وقدرتها على التصدي للمخططات الإسرائيلية والأميركية، ليستنتج أنهم السبب، والبعض يتهمهم، بالتآمر للوصول إلى هذه النتائج.
هذا الانقلاب على المقاومة والمقاومين لم يقتصر على خصومهم التاريخيين، بل طال، للأسف، بعض من صنعوا أمجادهم ومكانتهم من خلال ارتباطهم بالمقاومة، ليتخلوا عنها عند أول منعطف، ويعلنوا توبتهم علّ سادة الاعتدال يقبلونهم في صفوفهم، وينالوا بعضاً من خيرات الردّة.
لكن سيد البيت الأبيض لم يعد راغباً أو مستعداً لتقديم الهدايا لعملائه الذين أصبحوا مطالَبين بالعمل لصالح سياساته، تحت وطأة الترهيب لا الترغيب.
لن ينبطح أي من المنبطحين الجدد أكثر مما فعلت سلطة رام الله، التي تبنّت الموقف الصهيوني – الأميركي من المقاومة أثناء الحرب، والتزمت الصمت عند استثنائها من لجنة السلم الأميركية، وقبلت تشكيل لجنة تكنوقراط لم يُسمح لها حتى بالدخول إلى قطاع غزّة.
رغم كل التنازلات جاءت قرارات مجلس الوزراء الصهيوني التي انتزعت منها حتى السلطات البلدية التي حصلت عليها بموجب اتفاق أوسلو.
صادر الاحتلال 24 ألف دونم جديدة، ومنع الفلاحين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، وألغى القانون الأردني المطبق على أراضي الضفة، فكان أقصى ما استطاعت سلطة رام الله القيام به، تصريح على لسان نائب الرئيس الفلسطيني يؤكد فيه أن الخطوات الإسرائيلية قضت على آخر أمل بالسلام.
لجنة السلم التي قبلت أكثر من دولة عربية المشاركة فيها، لم تجد إدانة من القوى السياسية في تلك الدول، وكأن القدرة الأميركية تحولت إلى قدر قبل به الجميع، والغريب أن أصوات الإدانة لتلك اللجنة جاءت من عواصم مثل مدريد، وباريس، في حين صمتت عمان والقاهرة والرباط.
مئات الشهداء في قطاع غزّة بعد وقف إطلاق النار، لم يستنفروا همة البيانات العربية عند من يدّعون الوساطة والدعم للشعب الفلسطيني، والصمت سيد الموقف، حتى الشجب والإدانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع اختفت.
امتد التراجع إلى دول العالم التي عبّرت بالأمس القريب عن دعمها لقضية الشعب الفلسطيني، ففي هولندا صوت الحزب الديمقراطي الهولندي، الذي تصدّر التظاهرات المؤيدة لفلسطين، ضد مشروع قرار يطالب الحكومة بالإعراب عن نيتها الاعتراف بدولة فلسطين، الاقتراح حصل على 31 صوتاً من أصل 150.
في بريطانيا، رفع المجمع العلمي الطبي قضية جديدة ضد الطبيب البريطاني الفلسطيني غسان أبو سته، وهي القضية الثالثة التي تُرفع ضد أبو سته، هذه المرة بتحريض مباشر من رئيس الوزراء كيرستارمر.
في بريطانيا أيضاً، اعتبرت الحكومة في قرار لها في تموز 2025 حركة “فلسطين أكشن” منظمة إرهابية، بتهمة رش الطلاء الأحمر على طائرات نقل وقود تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، وقالت وزارة الدفاع إن هذه الطائرات لم تشارك في تزويد الطائرات الإسرائيلية بالوقود، وإن مشاركتها اقتصرت على العراق وسوريا واليمن.
ذات خطاب قال سماحة سيد شهداء الأمة أن كلفة المقاومة أقل من كلفة الاستسلام، فلنتأمل حال من استسلموا اليوم؛ الوجود العسكري الصهيوني داخل سوريا أصبح أمراً واقعاً يقبل به الجميع، ومثله الوجود العسكري في لبنان الذي دافع عنه مسؤولون لبنانيون بمستوى رئيس وزراء ووزير خارجية، محمّلين رفض حزب الله نزع سلاحه مسؤولية استمرار الخروقات الصهيونية، بل إن بعضهم رفع عقيرته بالصراخ محتجاً على موقف قائد الجيش اللبناني، الذي رفض وصف الحزب بالمنظمة الإرهابية.
لجنة التكنوقراط لن يكون مصيرها أفضل من مصير سلطة عباس، حتى لو توسط لها ترامب لدخول القطاع، فهي بالنسبة للكيان لزوم ما لا يلزم، أما سلطة عباس نفسها فتثير شفقة العدو قبل الصديق لكثرة ما تتعرض له من إهمال، رغم أنها قدمت للعدو كل ما تقدر عليه.
الأردن فرضت عليه الإدارة الأميركية المشاركة في لجنة السلم بعكس مصالحه، وحتى سيادته المفترضة على المقدسات التي تقوّضها قرارات مجلس الوزراء الصهيوني، وسلوك وزراء مثل بن غفير وسموتريتش ليل نهار، المغرب المشارك الفعّال في كل مؤامرة على الأمة، يعد جنوده للمشاركة في قوة حفظ الأمن في غزّة، مصر تصمت متعللة بدور الوسيط، لكنها لم تسلم من إشارات ترامب، بما فيها حديثه عند دعم بلاده ومساعدتها لإثيوبيا في إنشاء سد النهضة، الذي يعتبر التهديد الرئيس للأمن الغذائي المصري.
السعودية عالقة في المستنقع اليمني، وقد تخلى عنها أقرب حلفائها، الإمارات العربية التي التحقت بشكل كامل بالمعسكر الصهيوني، ناهيك عن الابتزاز المستمر الذي تمارسه الولايات المتحدة بحقها. قارن موقف كل هؤلاء بالموقف الإيراني، وعندها ستعرف الفرق بين من يقاوم ومن استسلم!
لقد خذلنا المقاومة يوم تركناها وحيدة في المواجهة، وها نحن نعمل على خذلانها مرة أخرى، بالصمت عمّا تحوكه قوى الاستعمار لشعوبنا ومنطقتنا. إن الموقع الصحيح لكل من يؤمن بالمقاومة عقلاً، ويحملها في قلبه إيمانا، هو في خندق المواجهة مع الاستعمار، في إيران والضفة وغزّة، أما أولئك الذين يقنعون بالفتات، فقد عرفناهم عبر تاريخنا، وعرفنا أنهم يعبرون كأنهم لم يكونوا، وتبقى في ذاكرة الشعوب أسماء قدمت أرواحها قرباناً لأوطانها، أسماء مثل جمال عبد الناصر، وحسن نصر الله وحافظ الأسد وقاسم سليماني، ويحيى السنوار، أبطال كل الأزمنة.
عماد الحطبة-الميادين
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



