مقالات

لماذا رجّحت طهران مسقط على إسطنبول؟

خلافاً لما كان متوقّعاً فقد اختارت إيران مسقط مكاناً للقاء وزير الخارجية عباس عراقتشي مع ستيف ويتكوف ومساعده جاريد كوشنر عبر الوسيط العماني الوزير بدر البوسعيدي، وهو ما أغضب الأوساط السياسية والإعلامية التركية.

إذ كانت هذه الأوساط تتوقّع لهذا اللقاء أن يكون في إسطنبول بعد زيارة الوزير عراقتشي إلى أنقرة 30 كانون الثاني/يناير، معتبرة ذلك “انتصاراً لدبلوماسية الرئيس إردوغان وحنكته السياسية في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية”.

ومع أنّ الأوساط السياسية تتهرّب، وعلى الأقل حتى الآن، من التعليق على قرار إيران بترجيح مسقط على إسطنبول إلا أنّ الإعلام الموالي للرئيس إردوغان لم يتأخّر في شنّ حملته التقليدية ضدّ إيران، وبمبرّرات تارة سياسية وتارة أخرى عرقية وطائفية وتاريخية متهمة طهران “بتجاهل أهمية الدور والثقل التركي الفعلي  في المنطقة وباعتراف الجميع”.

وهي الحملة التي اعتاد عليها الإعلام الموالي منذ فترة طويلة وخاصة في سنوات ما يسمّى بـ “الربيع العربي”، وأخيراً عندما ردّت الخارجية الإيرانية على تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان التي اتهم فيها طهران “بالعمل على زعزعة الاستقرار في سوريا”.

في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أنّ طهران التي تحرص على استمرار علاقاتها الإيجابية والوطيدة مع الجارة أنقرة لا تخفي في الوقت نفسه عدم ارتياحها من تصريحات المسؤولين الأتراك التي تستهدف إيران بشكل مباشر أو غير مباشر في العديد من المناسبات، كما هو الحال في موضوع ممر زينغزور الذي سيربط أذربيجان مع إقليم ناختشوان التابع لها، مروراً بالأراضي الأرمينية الموازية للحدود مع إيران.

كما كرّر الوزير فيدان أواسط الشهر الماضي وخلال حديثه مع هادلي غامبل من قناة سكاي نيوز البريطانية ما قاله بعد سقوط نطام الأسد، حيث اعترف بالدور التركي المباشر في أحداث سوريا وقال “لقد حذّرنا  روسيا وإيران بعدم التدخّل في سوريا خلال الهجوم الذي شنّته الفصائل المسلحة انطلاقاً من إدلب أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، وهو ما انتهى بسقوط الرئيس الأسد بعد أن تخلّت عنه طهران وموسكو”.

وهو الاعتراف الذي أكّده الرئيس ترامب أكثر من مرة حيث قال إنّ “الرئيس إردوغان ذكي جداً وأرسل رجاله واستولى على سوريا التي يحلم الأتراك بالسيطرة عليها منذ مئات السنين”.

كما أعلن ترامب ثقته المطلقة بالرئيس إردوغان وشجّعه للوساطة بين واشنطن وطهران. فيما يبدو أنّ طهران لم ترتح لهذه “الثقة المطلقة” بين ترامب والرئيس إردوغان الذي لم يزر إيران منذ أكثر من عشر سنوات بسبب دعمها للرئيس الأسد، وما أدى إليه من خلافات جدّية بين الطرفين خاصة بسبب الدعم التركي للفصائل المسلحة السورية واحتضانها لكلّ أنواع وفصائل المعارضة وتبنّيها للجيش الوطني السوري الذي تأسس في أنقرة صيف 2019.

كما لم تتجاهل القيادة الإيرانية عمق التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتركيا التي توجد على أراضيها العديد من القواعد الأميركية، وأهمّها إنجيرليك وفيها قنابل نووية وقاعدة كوراجيك ومهمتها الأساسية التجسس على إيران ورصد تحرّكاتها العسكرية، بما في ذلك الصواريخ التي تطلقها باتجاه الكيان الصهيوني الذي يغطي معظم استهلاكه من البترول من أذربيجان، وهي شقيقة تركيا التي تمرّ عبر أراضيها أنابيب البترول لتصل إلى ميناء جيهان ومنه تقوم ناقلات النفط بإيصاله إلى حيفا.

كما لم ترتح القيادة الإيرانية لمساعي تركيا لإشراك بعض الدول الإقليمية ومنها مصر والسعودية والأردن والإمارات وقطر وهي حليف لأميركا في الاجتماع الذي كان متوقّعاً له أن يكون في إسطنبول التي سعى الرئيس إردوغان لتسويقها “كمركز عالمي” يخدم مقولاته ومشاريعه ومخططاته الإقليمية والدولية، وبصفته “الزعيم الذي يحترمه العالم ويسمع كلامه”، بحسب عناوين الإعلام الموالي له.

وبالتذكير بالوساطة النزيهة والناجحة التي قامت بها عُمان وساهمت في التوصّل إلى الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 في نيسان/أبريل 2015، يبدو أنّ طهران أرادت أن تردّ الجميل للقيادة العمانية، يضاف إلى ذلك أهمية السلطنة التي لم تتورّط بمشكلات المنطقة كجار استراتيجي بالنسبة لإيران التي تسيطر على الطرف الشرقي من مضيق هرمز، فيما تسيطر السلطنة على الطرف الغربي منه.

كما أنّ سلطنة عمان  تجاور اليمن بموقعه الاستراتيجي وما يشهده من تنافسات وصراعات بين السعودية والإمارات، وتطلّ بنحو ثلاثة آلاف كم على بحر العرب والمحيط الهندي، وكلاهما مهم جداً بالنسبة لإيران في حربها مع الكيان العبري وأزماتها مع  واشنطن وحليفاتها في المنطقة.

ويبقى الرهان فيما يتعلّق بمستقبل العلاقة بين طهران وأنقرة على موقف الساسة الأتراك بذكرياتهم التاريخية عن إيران منذ مئات السنين، تارة لأسباب قومية وتارة طائفية وهي التي دفعتهم للتورّط بمشكلات المنطقة منذ ما يسمّى بـ “الربيع العربي” وخاصة في سوريا والعراق، حيث ترى فيها أنقرة امتداداً لحساباتها الاستراتيجية التاريخية قومية كانت أم طائفية، و لا ترضى لأحد من قريب أو بعيد أن يعرقل ذلك طالما أنّ واشنطن تدعم هذه الحسابات!

حسني محلي – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى