مقالات

الشرع مع ترامب وبوتين.. لا مطرقة ولا سندان

قبل “الفتح المبين للعاصمة الأموية” كما يسمّونه أتباع الجولاني كان الطيران الروسي يقصف مواقع الفصائل المسلحة في إدلب وجوارها، في الوقت الذي كان الجولاني يرى أميركا وحلفاءها في الغرب “كفاراً صليبيين” يجب الجهاد ضدّهم، وذلك وفق العديد من تصريحات الجولاني السابقة التي لم تمنعه من التواصل مع هؤلاء “الكفار”، وفق اعترافات السفير روبرت فورد ورئيس المخابرات الأميركية الأسبق ديفيد بتريوس، بل وحتى تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الذي تحدّث عن علاقة سابقة مع هيئة تحرير الشام والفصائل الموالية لها، ومنها تلك المرتبطة مع أنقرة مباشرة.

وهي العلاقة التي اعترف بها الرئيس ترامب في أكثر من تصريح حيث قال “إنّ الرئيس إردوغان أرسل رجاله واستولى على سوريا بشكل غير لبق ولم يطلب أيّ مكافأة من أجل ذلك”.

وتفسّر ذلك زيارة رئيس المخابرات إبراهيم كالين إلى دمشق في اليوم التالي لدخول الجولاني إليها ليصلّي في الجامع الأموي بدلاً عن الرئيس إردوغان الذي استقبل أحمد الشرع في أنقرة أكثر من مرة واتفق واياه على تفاصيل التنسيق والتعاون المشترك في المرحلة المقبلة.

وتحدّث الوزير فيدان عن معطياتها عندما ذكر قبل أيام كيف فرض على الشرع ومعه وزراء خارجية مصر والأردن والسعودية وقطر “شروط دعمهم له وإلا نهايته لن تطول” على حدّ تعبيره .

وجاءت المفاجأة الأهمّ بالنسبة لمعطيات المرحلة الجديدة في سوريا عندما اعترف فيدان “بتحذيراتهم لإيران وروسيا بعدم التدخّل لمنع سقوط الأسد في الوقت الذي كان فيه الجولاني في طريقه إلى دمشق” ليثبت بذلك  الدور التركي الأهم في كلّ تطوّرات سوريا قبل وبعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.

واكتسبت هذه التطوّرات أهمية إضافية بلقاء الرئيس ترامب بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع في الرياض في 14 أيار/مايو أي في الذكرى السنوية الـ 77 لقيام الكيان العبري على أرض فلسطين حيث قال إنه “فعل ذلك بناء على توصية وطلب من الرئيس إردوغان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ومن دون أن يهمل إعجابه بـ”قامة ووسامة الرئيس السوري الشاب”.

ولم  يكتفِ ترامب بهذه “المحبة والمودة” بينه وبين الشرع فدعاه أولاً لحضور  اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والمشاركة في حفل العشاء الخاص الذي أقامه في 25 أيلول/سبتمبر، ثم إلى البيت الأبيض في 10 تشرين الثاني/نوفمبر وحتى لو أنّه أدخله من الباب الخلفي ورشّه بعطور الياسمين التي أهداه إياها الرئيس الشرع.

ومن دون أن تمنع كلّ هذه “المودة والمحبة بل والعشق الإلهي” بين ترامب والشرع، الرئيس بوتين الذي يستضيف الرئيس بشار الأسد في موسكو كلاجئ سياسي، من التواصل مع حاكم دمشق الجديد حيث اتصل به في 12 شباط/ فبراير الماضي أي بعد شهرين من إقامته في قصر الشعب بعد مغادرة الأسد له صباح الثامن من كانون الأول/ديسمبر ولجوئه إلى قاعدة حميميم الروسية.

وبشيء من التأخير ردّ الشرع على هذه الزيارة عندما حلّ ضيفاً على الكرملين  في 15 تشرين الأول/أكتوبر الماضي حيث أولاه الرئيس بوتين أهمية خاصة، وتحدّث وإياه حول تفاصيل المرحلة الجديدة في العلاقات الروسية- السورية بعد أن ذكّره بمعطيات المرحلة التي  سبقت سقوط الأسد، ومن دون التطرّق إلى موضوعه على الرغم من أحاديث الإعلام عن احتمالات أن يكون الشرع قد طلب تسليمه لسوريا وهو ما لن يفعله بوتين.

والذي عاد واستقبل الشرع في الكرملين الأربعاء الماضي (28 كانون الثاني/يناير) ليبحث وإياه المزيد من التفاصيل الدقيقة الخاصة باستمرار العلاقة بين دمشق وموسكو، بما في ذلك مستقبل القواعد الروسية، وبعد أن انسحبت القوات الروسية من شرق الفرات وتخلّت عن علاقاتها مع “قسد” التي راحت ضحية لـ “الغرام” الأميركي – السوري الجديد.

ووضع هذا “الغرام” العلاقة الشخصية بين ترامب وإردوغان بتفاصيلها الدقيقة بعين الاعتبار، وكانت السبب في إلغاء  العقوبات عن الشرع وسوريا، وهو ما وافق عليه رئيس وزراء الكيان العبري نتنياهو بحسب أقوال الرئيس ترامب الذي قال عنه إنه “يثق  بالرئيس إردوغان كما يثق به هو شخصياً”.

ودفع كلّ ذلك الرئيس ترامب الذي استضاف إردوغان في البيت الأبيض في 25 أيلول/سبتمبر لاستنفار كلّ إمكانياته لتحقيق المصالحة “التاريخية والعقائدية” بين الكيان العبري اليهودي وحكّام الخلافة الأموية في دمشق، وكلّف وزير مستعمراته توم برّاك لإنجاز هذه المهمة “العقائدية”. ومن دون أن يهمل الرئيس ترامب تحقيق مصالحة مماثلة بين الكيان المذكور وورثة الخلافة العثمانية التي كان الجولاني وأتباعه يتغنّون بأمجادها عندما كانوا في إدلب ويغطّون كلّ احتياجاتهم من تركيا التي كانت تحدّهم من كلّ الجوانب، في الوقت الذي كان فيه الطيران الروسي والسوري يقصفهم على الرغم من تدخّل الجيش التركي لمنع القوات السورية من اجتياحها.

وبالتذكير بالعلاقات الشخصية المميّزة بين إردوغان وبوتين، وحتى إن لم تكن كتلك الموجودة بين إردوغان وترامب لما لواشنطن من علاقات استراتيجية مع تركيا منذ انضمامها للحلف الأطلسي عام 1952 واستمرار وجود القواعد الأميركية على أراضيها.

فالجميع يعرف أهمية الدور التركي في سوريا والمنطقة برمّتها بغياب الدور العربي الفاشل دائماً. وذلك بسبب تواطؤ معظم الحكّام  العرب واستسلامهم للتعليمات بل الأوامر الأميركية التي لا هدف لها إلا ضمان المصالح الإسرائيلية إلى الأبد، وحتى إن اعتاد رجل الأعمال ترامب على حلب “البقرات العربية” باستمرار.

وفي جميع الحالات وقبل أن نتساءل كيف للشرع أن يوازن  في علاقاته بين ترامب وبوتين لا بدّ لنا أن نستذكر أنّ الجميع بمن فيهم إردوغان ومحمد بن سلمان (وسيلتقي  به إردوغان في 3 شباط/فبراير ومن ثم مع السيسي)، وكلّ من دعم ويدعم  الشرع لا يتحدّثون بجدّية عن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري، وهو ما تجاهله حتى الشرع نفسه طالما أنّ أنقرة طلبت منه أن يكون الكرد شرق الفرات ضمن أولوياته الاستراتيجية التي تتعرّض لحالات المدّ والجزر الأميركي والأوروبي.

وهو ما أضاء بوتين وترامب من أجله الضوء الأخضر للشرع الذي بات واضحاً أنّ دخوله  إلى دمشق كان في إطار صفقة دولية وإقليمية ما زالت مستمرة ليحقّق الجميع أهدافه منها.

كما يعرف الجميع  أنّ الشرع لا يستطيع ولن  يستطيع أن يفعل أيّ شيء من دون موافقة الرئيس ترامب الذي اتصل به قبل يوم من زيارته إلى موسكو ليحدّد له إطار مباحثاته بل وربما تفاهماته المحتملة مع الرئيس بوتين، والتي يجب أن لا تتعارض مع الحسابات الأميركية بل وربما قد تلتقي معها في إطار الصفقة الأميركية- الروسية التي كان إسقاط الأسد من أهمّ مؤشراتها.

ومع انتظار تطوّرات المرحلة المقبلة ومركزها الاستراتيجي سوريا لما لهذا البلد من موقع استراتيجي مهم جداً جغرافياً وسياسياً، فقد بات واضحاً أنّ الجميع وفي مقدّمتهم واشنطن وموسكو وأنقرة و”تل أبيب” يراهن على مدى  قدرة حكّام دمشق الجدد على التوفيق بين مطالب كلّ الأطراف.

ويبدو واضحاً أنّ الرئيس ترامب هو الذي سيقرّر مصير حساباتها بعد أن ينجح في مساعيه لجمع إردوغان بنتنياهو وقبل ذلك نتنياهو بالشرع وهو ما لا يعترض عليه الرئيس بوتين، طالما أنه يوجد في الكيان العبري ما لا يقلّ عن مليون يهودي من أصل روسي ويؤدّون دوراً مهماً في العلاقة، ليس فقط بين “تل أبيب” وموسكو بل بين “تل أبيب” وكلّ من باكو (تتوسّط الآن بين “تل أبيب” وأنقرة) وعواصم الجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في آسيا الوسطى والقوقاز الحديقة الخلفيّة لروسيا.

وفتحت معظمها أبوابها للكيان العبري وهمّه الوحيد هو تضييق الحصار على إيران الحساب الأهم بالنسبة لكلّ الأطراف التي اتفقت وتوافقت على إسقاط النظام في سوريا، وإيصال أخطر إرهابيي العالم إلى الحكم في العاصمة الأموية التي وضع ويضع الكثيرون من أجلها العديد من الحسابات المعقّدة، وقد يكون الجميع في المنطقة باستثناء الكيان العبري  ضحية لها!

حسني محلي – الميادين

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى