مقالات

اختطاف الرؤساء في عصر الخوارزمية: فنزويلا محتوى للسكرولينغ

انتهى النظام الدولي القائم على «القواعد» يوم السبت الماضي.

وصل الفيلم القديم إلى نهايته مع حدث اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة باسم «العدالة».

مع هذا الحدث، بدأ مسلسل جديد عن عودة راعي البقر إلى صهوة حصانه بعد سنوات من التيه.

وفي زمن الذكاء الاصطناعي والواقعية المفرطة، فضّل المخرج أن يكون الحصان رقمياً.

لم يكن المطلوب هذه المرّة إنزال المارينز، ولا خطابات مجلس الأمن، ولا إجماعاً ديبلوماسياً. كانت الساحة جاهزة رقمياً.

خلال ساعات، امتلأت المنصات بسردية واحدة: نهاية الطاغية، انتصار العدالة، عودة القانون.

تقدّمت الصورة على الوقائع، سبق التفاعل التحقق، وحلّ الهاشتاغ مكان البيان الرسمي.

بهذه الطريقة، أُعيد إنتاج التدخل الأميركي باعتباره حدثاً طبيعياً، شبه بديهي، يتداوله المستخدمون بأنفسهم ويمنحونه شرعية جماعية.

في هذا المشهد، لم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى تبرير أفعالها سياسياً، صارت بحاجة إلى إدارتها بصرياً.

أدّت الواقعية المفرطة دورها كاملاً: مقاطع قصيرة مركّبة تردّد لغة النصر والقوة.

بدا كل تفصيل مكتملاً أكثر مما ينبغي، واستقرّت الرواية بسرعة على المنصات. هكذا استُبدل القانون الدولي بخوارزمية تدفع المستخدم إلى المشاركة في الحدث وتُلغي الحاجة إلى السؤال.

وفي السياق الرقمي، تُستخدم الواقعية المفرطة لإنتاج الواقع بصرياً ورقمياً.

تُغرق الحدث بالصور والتسجيلات والإيقاع السريع، فتفرض سردية مكتملة قبل أن يُفهم ما جرى أو يُناقش.

يمكن الاتفاق مع نيكولاس مادورو أو الاختلاف معه، هذا نقاش سياسي.

المسألة المطروحة تتعلّق بالعالم الذي يتشكّل اليوم. هل يصبح اختطاف رؤساء الدول ممارسة مقبولة عندما تتولّى منصات التواصل إدارتها بصرياً؟ هل يتحوّل منصب الرئاسة إلى موقع هشّ، يُنزَع رقمياً قبل أي مسار شعبي أو سياسي؟ وهل العالم في مرحلة يُدار فيها مصير قادة الدول عبر التفاعل والانتشار الرقمي؟في هذا السياق، لعبت منصة «إكس»، المملوكة لإيلون ماسك، دور ماكينة دعاية غوبلزية مكتملة الأوصاف.

فرضت الرواية الترامبية عبر الإغراق، والتكرار، وتوحيد النبرة.

أنتجت واقعاً واحداً، حجبت ما عداه، ودفعت الجمهور إلى استهلاكه باعتباره حقيقة نهائية.

لم تمضِ ساعات على اختطاف مادورو حتى عادت منصة «إكس» إلى فنزويلا.

المنصة اليمينية التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مكبّر صوت للفاشية الترامبية على مستوى عالمي، وخصوصاً في أوروبا وأميركا الجنوبية، كانت محجوبة عن الداخل الفنزويلي.

مع لحظة اختطاف رئيس البلاد، انفتح الفضاء الرقمي فجأة، وتسلّلت المنصة إلى الداخل، وارتفعت بسرعة إلى صدارة التطبيقات الأكثر تحميلاً.

هذه العودة لم تأتِ مصادفة، ولم تكن تفصيلاً تقنياً.

ترتبط هذه اللحظة بسياق أوسع يتصل بمصالح ماسك في فنزويلا، وخصوصاً في قطاعي الطاقة والمعادن النادرة، والتي أظهرت تقارير متخصصة اهتمام شركاته بسلاسل توريد هذه المواد الاستراتيجية.

هذا البُعد الاقتصادي يتقاطع مع تحوّل سياسي لافت في علاقة ماسك مع الرئيس دونالد ترامب، بعد مرحلة توتّر علني انتهت بمصالحة أعادت فتح قنوات التأثير المتبادل بين الطرفين.في هذا المناخ، اكتسبت تغريدات ماسك حول فنزويلا وزناً مضاعفاً بسبب إعادة نشرها من قبل ترامب نفسه.

إعادة التغريد تمنح الرواية المتداولة دفعاً إضافياً داخل القاعدة اليمينية الأميركية وشبكاتها العابرة للحدود.

هكذا تكتمل الحلقة بين المنصة ومالكها والفاعل السياسي الأميركي، وتتحوّل فنزويلا إلى نقطة تقاطع بين المصالح الاقتصادية والنفوذ الرقمي وإعادة تثبيت التحالفات.

في هذا المشهد، تحوّلت المنصة إلى أداة لتنظيم الوعي السياسي الفنزويلي.

حدّدت ما يُرى، وما يُتداول، وما يُهمَّش.

منحت الحدث شكله النهائي خلال ساعات، وربطت بين السلطة الأميركية والسردية الرقمية.

عودة «إكس» إلى فنزويلا قد تكون أخطر على البلاد من اختطاف مادورو نفسه. وهي لم تبدأ عملها بعد.

ما جرى في فنزويلا لا يمكن اختزاله باعتباره عملية عسكرية محدودة، أو سقوط رئيس، أو صراعاً داخلياً مرتبطاً بالخارج.

نحن أمام نمط جديد لإدارة العالم، تُنتَج فيه الشرعية رقمياً، وتُحسم الصراعات عبر الصورة، ويُعاد تعريف السيادة خارج الأطر القانونية التقليدية.

في هذا النمط، لا تنتظر القوى الكبرى قرارات دولية، ولا تسعى إلى إجماع سياسي، ولا تُجهد نفسها بخطابات التبرير.

يجري تثبيت السردية، وضبط الإيقاع، وترك الخوارزمية ترسم الاصطفافات.

الخاسر في هذا التحوّل هو المجال العام، وحق المجتمعات في الفهم، وحق الشعوب في مساءلة ما يُفرض عليها باسم العدالة أو القانون أو الديموقراطية.

بهذه الطريقة تتحوّل السياسة إلى منتج بصري سريع الاستهلاك، يُبتلع داخل سيل لا ينتهي من السكرولينغ.

عملياً، ما حدث في فنزويلا يُعامل باعتباره محتوى رقمياً.

محتوى لا ينتجه صانعو المحتوى العاديون، ولا تنافسهم فيه أفراد أو جماعات.

هذا محتوى من إنتاج دولة عظمى.

تظهر الدول الصغيرة أكثر هشاشة في هذا النظام بسبب انكشاف فضائها الرقمي أمام منصات عابرة للحدود، لا تخضع لأي مساءلة سيادية.

ولأنها غير قادرة على صناعة محتوى بهذه الجودة والقوة.

المصدر: جريدة الأخبار (علي عواد)

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى