متفرقات
هل تكاثرت الهزّات فعلاً في لبنان أم أنّ الشفافية الجديدة كشفت الحقيقة؟

«نشاط زلزالي يوقظ سكان لبنان»، «هزّة أرضية سُجّلت في هذه المنطقة اللبنانية»، «هزّة جديدة تضرب لبنان… هذه قوّتها»، وغيرها من العناوين المثيرة للهلع التي باتت تُنشر بشكل شبه يومي عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
يستشعر القارئ الخطر فينقر على العنوان، وغالباً ما يجد مضمونه كالتالي: سجّل المركز الوطني للجيوفيزياء هزّة أرضية بلغت قوّتها (مثلاً) 2.3 أو 2.4 أو 3 درجات على مقياس ريختر، وحدّد موقعها في منطقة تويتي ضمن قضاء زحلة (على سبيل المثال)، أو منطقة مشغرة في البقاع الغربي، أو منطقة الخيام في قضاء مرجعيون…
أمام دوّامة القلق اليومي الذي بات يعيشه سكان لبنان في هذا الصدد، خصوصاً بعد زلزالي تركيا وسوريا في 2023، وانهيار الأبنية في طرابلس حينها، ومؤخراً، بات من الضروري طرح السؤال: هل فعلاً ازداد النشاط الزلزالي في لبنان؟ ولماذا كثرت الهزّات في الآونة الأخيرة؟ وهل تركّزت في أقضية وبلدات محدّدة؟
البراكس توضح سبب «البلبلة»
«لبنان يقع في منطقة نشطة زلزالياً»، تقول مديرة المركز الوطني للجيوفيزياء، الدكتورة مارلين البراكس التي تشرح في حديث مع «الأخبار» كيف يتصرف الناس ووسائل الإعلام عند وقوع أي حدث زلزالي، حتى لو كان بسيطاً. وتقول، عند شعور السكّان بهزّة، ولو خفيفة، تُثار حالة من الهلع لدى الناس، وتتهافت الاتصالات من وسائل الإعلام على المركز، لجهل العامة بالوضعية الجيولوجية للبنان، فضلاً عن انتشار الشائعات والأخبار الزائفة بين الحين والآخر.
يتوهّم السكّان أن الهزّات كثرت لكن ما حصل فعلياً هو أن المعطيات المتعلقة بالنشاط الزلزالي في لبنان باتت بمتناول الجميع
ولإيصال الأخبار الدقيقة حول الهزات والزلازل في لبنان، كان المركز الوطني يعلن عن الحالات الزلزالية عبر تطبيق «LebQuake» فقط، إلا أنّ انتشاره بين الناس كان ضعيفاً. لذا قام المركز بتفعيل حسابه على منصّة «أكس»، إذ بات يُعلِن، ومنذ حوالى 3 أشهر، عن أغلب الهزّات المحلية التي يسجّلها، والتي غالباً ما تكون خفيفة وتتراوح قوّتها بين درجتين وثلاث درجات على مقياس ريختر، تقول البراكس.
• المركز الوطني للجيوفيزياء
وتؤكّد أن تكرار مثل هذه الهزّات أمر طبيعي، ورصدت طوال الفترات السابقة، نظراً لوجود لبنان في منطقة تحتوي على عدد من الفوالق الطبيعية، غير أن الناس لا تشعر بالهزات كلّها، كما أنها لم تكن تُعلَم بحصولها، وهو ما اختلف اليوم. لذا يتوهّم السكّان أن الهزّات كثرت، لكن ما حصل فعلياً هو أن المعطيات المتعلقة بالنشاط الزلزالي في لبنان باتت بمتناول الجميع، إّذ إنه من أصل حوالى 60 إلى 70 هزّة أعلن عنها المركز منذ تفعيل حسابه، شعر السكان بثلاث هزّات فقط.
ما هي مراكز تركز الهزات؟
إلى جانب «الارتفاع الوهمي في النشاط الزلزالي»، لاحظ اللبنانيون، أو ربما توهّموا، تركز الهزّات في قرى محدّدة في البقاع وجنوب لبنان، مثل مشغرة وسحمر في البقاع الغربي، والخيام والنبطية، واللبوة والنبي شيت، وصولاً إلى مناطق شمالي لبنان، وربطت في بعض الأحيان الهزات الأرضية بقصف العدو المستمر لعدد من المناطق.
هنا، كشفت البراكس عن تعديل آخر أجراه المركز الوطني للجيوفيزياء على آلية الإعلان عن الهزّات، إذ كان حتى نهاية السنة الفائتة يتّبع التقسيم الإداري للأقضية. فمثلاً، إذا حصلت هزّة مركزها عنجر، يُعلن عنها في قضاء زحلة فيُفهم أنها حصلت في مدينة زحلة، وإذ حصلت هزّة مركزها اللبوة، كانت تُعلن أنها في قضاء بعلبك، فيُفهم أنها حصلت في مدينة بعلبك.
يتوهّم السكّان أن الهزّات كثرت لكن ما حصل فعلياً هو أن المعطيات المتعلقة بالنشاط الزلزالي في لبنان باتت بمتناول الجميع
ولكن اعتباراً من كانون الثاني، بدأ المركز باتباع التقسيم الإداري الرسمي الذي ينتهي إلى مستوى القرى، اعتماداً على الخرائط الرسمية المتوفرة لدى المركز، «كي تصبح تسمية مواقع الهزّات أدق وأقرب إلى الواقع، ولتسهيل الفهم والتوافق مع الأسماء الرسمية للقرى»، تقول البراكس.
• 
• المركز الوطني للجيوفيزياء (الأخبار)
وتلفت مديرة المركز إلى أنه عندما يتم الإعلان عن موقع، غالباً لا يكون دقيقاً بنسبة 100%، إذ إنه علمياً يوجد هامش للتحديد يتراوح بين 600 و700 متر، ويصل أحياناً إلى 2 أو 3 كيلومترات بحسب قوّة الهزّة.
وبالتالي، لا معنى، بحسب البراكس، من التدقيق كثيراً في مواقع الهزّات، خصوصاً أنها لم تشهد تغيراً ملحوظاً في الفترات السابقة في سياق النشاط الزلزالي. لكن اعتماد المركز على تقسيم جديد أوهم الناس أيضاً بوجود نشاط غير طبيعي.
هل من خطر على لبنان؟
في الختام، نعود إلى السؤال التقليدي: هل ثمة مخاوف من احتمال وقوع زلزال كبير في لبنان؟
تشدّد البراكس على أنه لا توجد حتى اليوم أي وسيلة علمية مثبتة عالمياً للتنبؤ بحدوث الزلازل أو توقيتها، وأن ما يتوافر هو مجرد مؤشرات يمكن الاستئناس بها لاحتمال حصول تحركات زلزالية من دون القدرة على الجزم.
وفي حين أنها لا تنفي وجود ارتفاع طفيف جداً في النشاط الزلزالي منذ بداية العام، تطمئن البراكس مجدداً إلى أن ما يشهده لبنان في هذه الفترة يُعدّ طبيعياً، نظراً لوقوعه على مجموعة من الفوالق الزلزالية، أبرزها فالق اليمونة الذي يقطع البلاد من الجنوب إلى الشمال، إضافة إلى فالق روم، وفالق راشيا، وفالق سرغايا، وسلسلة فوالق جبل لبنان في البحر مقابل الشاطئ اللبناني.
وتوضح أن مثل هذا الارتفاع الطفيف سُجِّل مراراً ضمن السياق الطبيعي للحركة التكتونية في المنطقة، لا سيّما عقب هزّات تركيا عام 2023، وهو لا يُعدّ مؤشراً بحد ذاته إلى قرب حدوث هزّة كبيرة، بل يندرج ضمن التغيّرات الطبيعية للنشاط الزلزالي.
أما بخصوص مخاوف انهيار الأبنية، أسوة بما حصل في طرابلس، فتوضح البراكس أن الهزّات الخفيفة التي لا يشعر بها السكان، والهزّات المتوسطة، عادةً لا تؤثّر على الأبنية السليمة. لكنها تؤكد أنه من غير المبرر انتظار الهزّات القوية لتحدث، خصوصاً أنها نادرة والفارق الزمني بينها طويل جداً، داعيةً إلى التركيز على جودة المباني وتدعيمها، كي لا تكون عرضة للانهيار عند الهزّات المتوسطة التي يمكن أن تتكرر بفترات زمنية أقصر، والتي شهد لبنان آخرها عام 2008 في صريفا.
كذلك، تحثّ البراكس وسائل الإعلام إلى توخي الدقة والمسؤولية عند تداول المعلومات المتعلقة بالنشاط الزلزالي وعند تحليل أسبابه، داعيةً إياهم على طرح الأسئلة المتبادرة لديهم على المركز مباشرةً، لتفادي أي لغ
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



